FILE - In this Dec. 10, 2020 file photo, released by the Royal Hashemite Court, Jordan's King Abdullah II gives a speech during…
العاهل الأردني، الملك عبد الله الثاني ، في خطاب أمام مجلس النواب الأردني

في الأردن، إما أن ترى التحولات عميقة جدا فتتعاظم عندك القدرة على فهم "أو تفهم بحذر" تضاربات المشهد ضمن رؤية تحولات عميقة، فتتخلى عن قياسات السطح التي بالضرورة أصبحت سطحية، أو تراقب المشهد ضمن ذات مستوى الرؤية العادي ضمن اعتقاد "وهو اعتقاد مشروع" أن التحولات عادية وفي سياقها الطبيعي، فتتعاظم عندك الشكوك ضمن رؤية نقدية قد تلامس تذمر الناس اليومي والمعيشي.

فلنتفق أولا، أن أي قياسات في التحليل يجب أن لا تخرج عن سياقها الإقليمي، فالأردن ليس جزيرة معزولة، بل إن جغرافيته السياسية هي إشكاليته الحقيقية في تكوينه كدولة مضطرة للتشابك مع محيطها كله، وبمنسوب حساسية أكثر من أي دولة في ذلك الشرق البائس والمتخم بالأزمات، وهو ما يضع الأردن "بالضرورة" على الحافة في كل مفترق طرق إقليمي.

ولنتفق ثانيا، أن الدولة الأردنية منهكة، وقد انسحبت من دورها المؤسساتي "المحمي بالقانون" لصالح جماعات مصالح ونفوذ "معقدة التركيب"، صارت بحد ذاتها طبقة نخبوية "غير متجانسة"، وتؤثر في القرار.

طبعا، من البديهيات التي لا يمكن إغفالها، ويجب التذكير بها، وتذكرها باستمرار، أن الأردن فقير، هذا واقعه وليس وصفا يدني من منزلته، هو فقير لا ثروات طبيعية لديه (الفوسفات ثروة طبيعية، وغير كافية بكل الأحوال)، وفقير مائيا، والمياه تحديدا عقدة الأردن الأزلية وصرخته الصحراوية المدوية.

أما قصة "الثروة الإنسانية" فهذا متغير تتحكم به صعودا أو هبوطا أحوال الدولة وسياساتها وحضورها الذي يمنح الرعاية لتلك الثروة، التي لا يمكن أن تكون ذات قيمة، بدون المعرفة والعلوم والوعي البعيد عن الدجل والغيبوبة الفكرية.

يمكن لنا أن نخوض جدلا لا ينتهي بجدية الإصلاح، وقد نصل في الجدل إلى ما يراه البعض من محظورات لنشكك بجدية الملك نفسه في الإصلاح، فهل ما يقوله رأس الدولة في أوراقه النقاشية "وهي أدبيات سياسية لا قوة قانونية لها"، أو في جلساته المغلقة وتسريباته الصحفية حقيقي برغبة حقيقية ؟ أم أن الملك مرتاح للوضع الراهن في الدولة على كل ما فيه من شروخ وتناقضات وعجز؟

لكن، في أي جدل "أردني" فإن آخر ما يحتاجه الأردنيون هو الجدل الشعبوي الذي سيستمر بإنتاج فقاعات الهواء على صيغة نخب سياسية أو فكرية، وكل ذلك على حساب العقل والوعي بالمرحلة "الانتقالية" العميقة وحساسيتها، وهذه "الشعبويات" ذات الصوت المرتفع والجعجعة بلا طحن، ستسمح بالمقابل لقوى الوضع الراهن من نخب فاسدة تشابكت مصالحها المتعددة في خطف مؤسسات الدولة بالتمدد، لتستفيد من كل الرداءة في المشهد السياسي مستخدمة خطاب "العقلانية" لتمرير الحشو البلاغي بلا قيمة حقيقية، وبذلك تبقى الدولة بمفهومها المؤسساتي والدستوري مثل "الضمير الغائب" في أي جملة سياسية مطروحة على الطاولة.

مخرجات لجنة الإصلاح في مرمى البرلمان بغرفتيه التشريعيتين، وأهم ما ورد مؤخرا من مشاريع أخرجتها الحكومة من تلك المخرجات "الإصلاحية" تلك التعديلات الدستورية التي تضمنت استحضارا لمجلس أمني يرسم السياسات الخارجية والأمنية، يديره الملك نفسه مع أعضاء معينين، في خط مواز للحكومة.

التبرير الرسمي "خلف الكواليس"، مما سمعته، كان على مخالفته لمنطق "الديمقراطية" السليمة كاملة الأهلية يتسم بالواقعية السياسية ليضع تلك التعديلات وهذا المجلس تحديدا كمخرج آمن من أي أزمة قد تعصف بالدولة من قبل أي حكومة "منتخبة" شعبيا، قد تكون سياساتها متطرفة حسب موازين عقل الدولة الأردني.

وحسب ذات المصادر "وقد سمعت منها في العاصمة الأردنية عمان ذات التفسير"، فإن احتمالية تشكيل حكومة في المستقبل بتحالفات متطرفة في السياسات، قد تدفع بالدولة للسقوط عن الحافة التي تقف عليها بالضرورة التاريخية والجغرافية، وعليه وحسب تأكيدات المصادر نفسها فإن المجلس "الأمني الوطني" المذكور برئاسة الملك وأركان الدولة جميعا، هم صمام الأمان لوقف أي قرار "حكومي" مفترض يضع الدولة برمتها في خطر.

بلا شك تلك وصاية مسبقة، ومنافية للقواعد الديمقراطية السليمة والصحية، لكن تلك القواعد الديمقراطية لكي تكون سليمة وصحية ابتداءا تتطلب وعيا مجتمعيا عميقا بمفهوم الدولة ومؤسساتها لتصل إلى إدراك حقوق المواطنة وواجباتها ثم البناء الديمقراطي على تلك الأسس الصلبة والراسخة.

فهل الأردن، حاليا وبوضعه الراهن مضمون "الوعي الجمعي" والمواطنة بحقوقها وواجباتها مكتملة فيه بلا نقصان؟

(ما بعد قضية ما تم تسميته بالفتنة، خرج أحد أعضاء مجلس النواب في حملة شعبوية شرسة لم تكن مفاجئة لمن يعرفون الرجل، لكن -المفاجيء بالنسبة لي على الأقل-  تلك الشعبوية الكبيرة التي سخرت نفسها تابعة لخطابه الديماغوجي.. مما زاد اليقين بوجود تيار ديماغوجي حاضر بقوة في فراغ الوعي السياسي في مجتمع أنهكه الفساد والعيش ..وغياب الدولة).

لا يعني كل ما كتبته أعلاه أني أتبنى بالتأييد تلك التعديلات الدستورية، لكنني بلا شك أتبنى مثل غيري الحذر حد الخوف من إطلاق الأدوات الديمقراطية بلا ضوابط مبدئية في دولة "مرتبكة"، وعيها الجمعي تم مسخه وتشويهه وتزويره إلى حد خلق أيقونات "وطنية" من أي صاحب صوت مرتفع يتحدث بحشو يلامس مخاوف الناس، ولا يخاطب عقولهم.

مرة أخرى..نكرر

إذا كانت الديمقراطية هي العربة المزركشة التي نضعها أمام الحصان الذي يمثل الدولة، فإننا بحاجة إلى الحصان نفسه بكامل لياقته قبل أن ينطلق مرة أخرى في طريقه.

ربما يكون لاستحضار مجلس وطني وأمني تبريراته الواقعية، لكن لا بد من تطويعه لمنطق الدولة وتحت مظلة الدستور، وحضوره لا يستقيم إلا عند اكتمال حالة الوعي الجمعي بالديمقراطية كما يجب أن تكون.

قصر العدل في روما الذي يضم مقر محكمة الاستئناف العليا في إيطاليا (أرشيف)
قصر العدل في روما الذي يضم مقر محكمة الاستئناف العليا في إيطاليا (أرشيف)

بفضل العمل في عدة مؤسسات بحثية دولية، قُيض لكاتب هذه السطور أن يزور العاصمة الإيطالية روما عدة مرات خلال السنوات الماضية. حيث، وخلال كل زيارة من تلك، كانت العلاقة التي تربط سكان المدينة الحاليين بالذاكرة والتاريخ الأقدم للمدينة مثار غرابة وإعجاب على الدوام. بالضبط من حيث ما هم عليه من غنى ووصال وفاعلية في علاقتهم من مدينتهم القديمة. 

كان يحدث ذلك، مقابل العوز والمتاركة والقطيعة التي كان كاتب هذه السطور عليها، في علاقته العقلية والوجدانية والثقافية مع الحاضرة التاريخية التي ولد وعاش بين ثناياها. هو المتأتي من مكان كان يوماً عاصمة إمبراطورية تاريخية كبرى، شبيهة بروما نفسها، من قرية موزان شمال شرقي سوريا، التي تضم رفاة مدينة أوركيش التاريخية، التي كانت عاصمة المملكة الحورية القديمة. 

فأبناء مدينة روما الحاليون، وبمختلف أجيالهم، يعيشون المدينة القديمة وكأنها شيء حاضر وحيوي في تفاصيل حياتهم الراهنة. كانت روما القديمة، ولا تزال، ذات وجود متدفق في روما الراهنة، وفي أكثر من مستوى: عمارتها القديمة جزء مشهدي لا يمكن غض الطرف عنه في كل تفاصيل المدينة الحالية، بما في ذلك داخل بيوت سكانها، وسيرة التوأمين اللذين أسسا المدينة كثيفة في الذاكرة الجمعية، ومرويات حُقب المدينة القديمة وحكاياتها الشهيرة ومراحل تحولها الرئيسية جزء من الآداب والمناهج التربوية التي تنتجها المدينة الحديثة. وإلى جانب ذلك، ثمة متاحف وتماثيل مرئية ومنتجات تقنية وأنواع كثيرة من الآداب والفنون التي يفرزها الحاضرون يوماً، مبنية كلها وذات علاقة وثيقة مع ما كانت عليه المدينة القديمة، حيث إن السكان الحاليون في باطن وعيم يتصورون أنفسهم كامتداد روحي وثقافي وتاريخي لما كانت عليه روما القديمة.  

يحدث كل ذلك، في وقت لا يعاني فيه سكان روما الحاليون مع أية مشكلة أو صِدام مع الحداثة، بكل منتجاتها وأدوات فعلها ونوعية التفكير وأشكل السلوك التي تنفرز عنها. بل على العكس تماماً، يبدو الحضور الكثيف للمدينة التاريخية وذاكرتها في حاضر السكان، وكأنه أهم مصادر الغنى والحيوية للسكان، ما لم نقل الثقة بالذات، التي تنتج ممرات للاعتراف بالآخر وفسحة لطراوة الوجدان والمخيلة، تلك الأشياء التي تمنح السكان الحاليين قوة وجدانية وعقلية للانخراط كل اشكال الحداثة.  

على الدفة الأخرى، فإن كاتب السطور لم يسبق له أن عرف شيئاً عن العاصمة التاريخية القديمة التي ولد، هو وأبوه وجده وكامل أفراد عائلته، على بُعد عدة مئات من الأمتار منها. لم يعرف حتى اسمها التاريخي ولا مؤسسها ولا الحاضرة والمضامين التي كانت عليه هذه المدينة التاريخية. ليس هو فحسب، بل كامل الفضاء الاجتماعي والثقافي والإنساني المحيط بذاك المكان، الذين كانت تلك الحاضرة على الدوام واحدة من أكبر مجاهيل الحياة وأكثرها غموضاً بالنسبة لهم. 

فما عرفته شخصياً عن هذه المدينة القديمة، وبعد سنوات كثيرة من العيش بالقرب منها والمرور اليومي بها، كان بفعل فضول استثنائي ومهني خاصٍ جداً، لم يكن متوفراً إلا للقليلين. تلك المدينة التي كانت حاضرة عمرانية وثقافية وتجارية طوال آلاف السنين، عاصمة للملكة الحورية لوقت طويل، ثم صارت جزءا من الفضاء السياسي والإنساني لممالك "أكاد" ومن بعدهم "ماري"، تحوي قصوراً ومعابداً وأسواقاً ونصوصاً وتماثيل ومنتجات تاريخية لا تُقدر بثمن، لها سيرة وتاريخ وشخصيات ومنتجات أدبية ودينية وثقافية هائلة، كانت يوماً منارة إنسانية لقرابة ربع العالم.   

كل ذلك كان مجهولاً كبيراً لكل البشر المحيطين بالمكان، ولا يزال. وحدهم أعضاء بعثات التنقيب الأجنبية كانوا يعرفون ما بداخل ذلك المكان/الحاضرة، هؤلاء الذين كانوا محاطين بسور فعلي وآخر أمني، يعملون بصمت داخل مكاتبهم، يستخرجون الآثار ويجرون الدراسات بلغاتهم الأجنبية، ولا يجدون وقتاً ومعنى لأن يشرحوا ويفسروا للسكان المحيطين ما يعثرون عليه ويكتشفونه داخل المدينة. حتى أن بعض السكان المحليين، الذين كانوا يعملون كعمال سخرة لدى أعضاء تلك البعثات، أنما كان ممنوعاً عليهم مسّ أي شيء تاريخي قد يجدونه أثناء عمليات النبش والتنقيب.  

لم تكن تلك القطيعة على المستوى المادي فحسب، فجهل السكان بالمكان ومحتوياته وسيرته، كان استعارة كبرى عن قطيعة هؤلاء مع التاريخ نفسه، وتالياً مع جزء من ذواتهم وخصائصهم، ككائنات تملك خاصية متمايزة عن باقي المخلوقات، على مستوى العلاقة مع الذاكرة والتاريخ الأبعد مما هو حاضر راهناً. وتالياً ككائنات خُلقت وراكمت مجموعة كبرى من المنتجات والذواكر والأفكار والقيم والآداب والتجارب، التي تشكل بمجموعها المصدر الأولي والدائم للثراء الإنساني.  

فما كان خاصاً بالبقعة التي نشأ فيها كاتب هذه السطور، كان يمتد لأن يكون ظاهرة عامة في كل مكان آخر. فكامل شمال شرق سوريا كان قائماً على بحر من الحواضر التاريخية القديمة، تحوي سهوبه كنوزاً من الآثار والمنتجات الإنسانية، لكنها جميعاً كانت عوالم مجهولة تماماً بالنسبة للسكان، غير حاضرة أو ذات معنى في الذاكرة الجمعية، لا يتم تداولها في المناهج التربوية وليس لها من قيمة في المنتجات الأدبية والثقافية والفنية والسياحية لأبناء المكان، ولا فاعلية لها في الضمير والمخيلة والعقل العام.  

يمتد ذلك الأمر ليشمل سوريا كلها، ومنها بنسب مختلفة لكل بلدان منطقتنا، الذين، ولغير صدفة، يعيشون صداماً ورفضاً للغالب الأعم من ظواهر ومنتجات الحداثة، المرابطين في خنادق المركزية والمحافظة والماضوية.  

من تلكم الثنائية، تبدو العلاقة الثنائية شديدة الوضوح، بين مجتمعات سائلة، تعتبر نفسها جزءا حيوياً من تاريخ قديم ومتقادم، منتج ومراكم لكل أنواع الثراء الإنساني، وأخرى تعتبر نفسها يتيمة، ولدت للتو كجيل أول ووحيد، ليس لها في التاريخ أي ثراء، خلا بعض حكايات الذكورة الرعناء، عن البطولة والحروب ومفاخرها، وتالياً لا تنتج إلا شيئاً واحداً: العصبيات الخالية من أية قيمة.