تناول المقال السابق الدور الرئيسي الذي لعبته الحكومات في الارتفاع غير المسبوق في عدد الجرائم وزيادة وحشيتها في بعض الدول العربية، ولكن في المقابل هناك دور لا يقل أهمية لعبته المجتمعات المحلية في انتشار هذه الجرائم، لأن هذه المجتمعات لم تكتفي بعدم القيام بأي شيء لمكافحة الجريمة، بل شجعت وحرضت على بعضها واعتبرت من يقوم بها بطلا، ولأنه في أحيان كثيرة يتم التخطيط لهذا النوع من الجرائم بشكل جماعي على مستوى العائلة أو العشيرة مع تقاسم الأدوار بين من يقوم بمراقبة الضحية، ومن يقوم باختيار مكان وساعة التنفيذ على طريقة جرائم العقل البارد، التي تقوم بها المافيات أو العصابات المحترفة.
من تلك الجرائم التي تعتبر المجتمعات المحلية مسؤولة عنها وشريكة مباشرة فيها، لأنها تلعب الدور الرئيسي في التحريض عليها، جرائم الثأر، وهي تقاليد قديمة تعود إلى عصر ما قبل الدولة الحديثة، تستند على قاعدة العين بالعين والسن بالسن، ولذلك بمجرد فشل مشروع الدولة الوطنية في أغلب دول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، عادت هذه الظاهرة للبروز مجددا، وتم إحياء المفاهيم القديمة المرتبطة بها، مثل اعتبار أن انتظار أجهزة الدولة لتحقيق العدالة مؤشر على جبن وضعف ذوي الضحية، ولذلك عوضا عن انتظار الشرطة والقضاء، يتم تحضير أحد أقرباء الضحية وتغذيته يوميا بمشاعر الكراهية إلى أن يأتي يوم الانتقام، رغم أنه في أحيان كثيرة لا يكون سبب المشكلة الأصلية جريمة قتل، بل قد يكون مجرد شتيمة تم اعتبارها إهانة لا يمحوها سوى الدم، وفي هذه المجتمعات لا تنتهي القصة هنا، بل قد تقود إلى سلسلة من الجرائم المتبادلة بين طرفي الخلاف.
كما تشترك مجتمعات هذه المنطقة في نوع ثان من الجرائم يطلق عليها تعسّفا اسم "جرائم الشرف"، رغم أن هذه التسمية بعيدة تماما عن حقيقتها، فأين الشرف في قيام رجال أقوياء بقتل إمرأة أو فتاة أو طفلة ضعيفة لا حول لها ولا قوة؟ ولكن حسب مفاهيم هذه المجتمعات القتل هو عقوبة أي فعل جنسي، وحتى عاطفي بين طرفين لا يوجد بينهما عقد "شرعي"، وكذلك في الكثير من هذه الحوادث تجتمع العائلة أو كبار العشيرة، ويتم اتخاذ قرار القتل وتفاصيل تنفيذه بشكل جمعي، والغريب أنه في هذا النوع من الجرائم لا تختلف كثيرا مواقف الرجال عن مواقف النساء بل في كثير من الأحيان تشترك الأم في قتل ابنتها.
وهذا سلوك من الصعب فهمه من دون معرفة الأهمية الاستثنائية لمفهوم "السمعة" في هذه المجتمعات المغلقة، والتي تعني صورة الشخص في عيون محيطه، وكيف تنظر إليه العشيرة أو القرية، ففي تعبير عن أقصى درجات الأنانية، يقوم رجل يقتل ابنته أو أخته بعقل بارد مع سبق إصرار وتصميم، من أجل صورته في عيون الآخرين، لأن أغلب الشعوب في عصرنا الحالي لا ترى أي سبب لوجود هذه الدرجة من الغيرة عند ذكر على أنثى غير زوجته أو حبيبته، كما أن النظرة للعملية الجنسية في هذه المجتمعات تلعب دورا رئيسيا في هذا النوع من الجرائم، فبدل اعتبارها فعل حب بين طرفين متساويين، ينظر إليها كفعل غزو يقوم فيه الذكر على جسد الأنثى، وبما أن هذا الجسد من ممتلكات العائلة، فإن العملية الجنسية تتحول إلى اعتداء على هذه العائلة، ويتم غالبا تحميل الأنثى المسؤولية الرئيسية عنه، لأنها الطرف الأضعف والانتقام منها أسهل.
وهناك نوع ثالث من الجرائم تقوم بها هذه المجتمعات من خلال التحريض على معاقبة كل من يوجّه أبسط انتقاد للدين أو للعادات والتقاليد، فقبل بضعة أيام فقط، تم نشر تسجيل قديم لرجل دين مسيحي انتقد فيه بعض ما هو مذكور في التراث الإسلامي فاشتعلت مواقع التواصل الإجتماعي بالتحريض على معاقبته، استخدم بعضها عبارات من نوع "أليس منكم رجل ينتصر لرسول الله"، أو "ماذا أنتم فاعلون، لا نامت أعين الجبناء"، والمقصود بالجبناء كل من لم يحرّك ساكنا للرد على ما تعتبره هذه المجتمعات إهانة شخصية لكل مسلم، ووضع بعضهم صورته وعليها حرف X مع ما يعنيه كل ذلك من تحريض مباشر على إلغاء وجوده أي قتله.
وهذا ليس سوى أحدث مثال على ممارسات مستمرة منذ عقود، تكاد تنفرد فيها بعض المجتمعات الإسلامية التي سبق أن حرّضت على ارتكاب الكثير من الجرائم، وتم تنفيذ أعداد كبيرة منها بالفعل، ونجم عنها مقتل كتّاب ومفكرين وفنانين، وضمن نفس الطريقة في التفكير تقوم تلك المجتمعات بتحريض جموع من الغوغاء على إحراق أماكن عبادة أو منازل أو متاجر تعود لأشخاص جريمتهم أنهم يتبعون دينا أو طائفة أخرى، وعند الحديث عن هذا النوع من الجرائم، لا يمكن تجاهل من يتم سجنه في هذه البلاد من المفكرين والكتاب والفنانين لأن لهم رأي مختلف في بعض القضايا الثقافية أو الدينية وكذلك من النساء اللاتي قمن بتصرف يعتبره المجتمع غير لائق، لأن هذه العقوبات الظالمة يتم فرضها استجابة لحملة تحريض منتظمة، تقوم بها شرائح واسعة من المجتمع تعمل على تغيير توصيف ما قام به الشخص، ووضعه في سياق ازدراء الدين أو تهديد قيم المجتمع، وأحدث الأمثلة عليها الحكم الذي صدر قبل أيام بالسجن خمس سنوات مع الشغل على المفكر المصري الكبير المستشار، أحمد عبده ماهر.
وفي الأمثلة السابقة كانت المجتمعات شريكة بشكل مباشر وفعّال في الجريمة، ولكن هناك دور آخر غير مباشر تلعبه مجتمعات هذه البلدان في ارتفاع منسوب الغضب والعنف، وفي ارتفاع أعداد الجرائم وزيادة وحشيتها، ومنها حالة الكبت الجنسي والحرمان العاطفي التي تعيشها هذه المجتمعات نتيجة الفصل بين الجنسين، وتأثيم الشهوة والجسد وتقديس العذرية، ومن الأمور المسلّم بها أن الغريزة الجنسية من الصعب إذا لم يكن من المستحيل مقاومتها، وأن الضغط عبر قمعها لابد أن يولّد انفجارا في مجال ما وأن يتظاهر في زيادة الاحتقان والغضب الذي ينعكس في ممارسات عنيفة.
بينما يختلف الوضع جذريا في المجتمعات التي تجد في الجنس ممارسة طبيعية لا تولّد شعورا بالذنب، ومنها بلدان ذات أغلبية مسلمة في آسيا وإفريقيا وأوروبا، ولذلك ليس من قبيل المصادفة أن خريطة الكبت الجنسي قريبة إلى حد كبير من خريطة المناطق التي تشهد النسبة الأكبر من العمليات الإرهابية وحوادث التحرّش والممارسات العدوانية تجاه المرأة، وجرائم الاعتداء جنسيا على الأطفال.
ففي مصر قال المركز القومي للبحوث الجنائية والاجتماعية أن 85 في المئة من حوادث الاغتصاب والتحرش ضحاياها من الأطفال، وأغلبها يقوم فيها أشخاص من محيط الطفل، كما لوحظ خلال السنوات الأخيرة انخفاض عمر الأطفال المستهدفين بالاعتداءات الجنسية حتى وصل إلى الرضّع، وقال الدكتور، سعيد صادق، أستاذ علم الاجتماع في الجامعة الأميريكية إن مصر هي البلد الثاني عالميا في التحرش، وفي مشاهدة المواقع الجنسية، وأكد أن الإحصائيات المعلنة عن الجرائم الجنسية لا تعبر عن الحقيقة أبدا، لأن أغلب هذه الجرائم لا يتم التبليغ عنها خاصة تلك التي تحدث بين الأقارب، لأن معرفتها من الآخرين يعتبر فضيحة وعارا، وتابع الدكتور "أن المجتمع المصري مريض نفسيا، ولكن لا أحد يريد الاعتراف بذلك"، والحقيقة أن ما قاله الدكتور، سعيد صادق، عن مصر ينطبق بدرجة أو أخرى على أغلب دول المنطقة.

