A child tries to catch a balloon near an art installation involving a balloon moon and rabbit shaped stools that lights up in…
"أرنب القمر الأبيض" شخصية أسطورية في الفولكلور الصيني والياباني، إعتقادا؛ يعد الأرنب رفيق للآلهة القمرية

"أعطني السم، لست مهتما بالخلاص من السجن، الحياة خارجا تحزنني" 

بثقة تامة وصوت متزّن، لا يتخللها أي شك. وبثبات جسدي صارم، قالها جالسا على كرسي الإعدام (طواعية، متسللا وحده إلى غرفة "القصاص") مرتديا على رأسه القبعة الكهربائية في محاولة بائسة للانتحار صعقا، بعد أن كُشِفَ سره من قبل حارسة السجن الشابة، والموديل الوحيد العاري لـ "موسيس روزنتالا" حبيس سجن/ مصح الأمراض العقلية (طبيعة الفضاء غير واضحة) تناوله بشكل يومي، جرعات قليلة من سائل التربنتين الذي كان يستخدمه في "التخفيف" من ثقل الألوان الزيتية المنتهية أخيرا على شكل لوحات تجريدية. 

أشعر به وأنا جالسة على كرسي السينما غير المريح، في الصف الثالث يسارا. جالسة وهواء السينما المتجدد المُصفّى، يتقافز في رئتي بخفة نشارة الخشب، كأنهما ترامبولين. من دون أي قبعة تصعق قشرة دماغي. طعم السم على أطراف لساني نزولا إلى أسفل السٌرّة، محاطة بفضاء مليء بـ fans "ويس أندرسون" وصدى صوت سحق البوشار.

أفهم رغبة "موسيس" في تناول السم كـ طريقة مُثلى للتخلص من الوجود. أعني إن قررت التخلص من "جسدي" يوما ما، سيكون السم الخيار الوحيد. لا رمي من شاهق وانتشار تلافيف دماغي على أسفلت الرصيف (إن حالفني الحظ واخترت المكان الصحيح) أو قفز نحو قطار مسرع يلصق عظامي ولحمي بسكة الحديد، أو كسر سلسلة فقرات رقبتي، فقرة تلو الأخرى بحبلٍ ملتو، معلق على سقف مطلي بدهانٍ رخيص. أو تصويب مسدس على دماغي فلا يبقى منه إلا الربع، أو شحمة صغيرة من الأذن، أيضاً بالاعتماد على الحظ ونوع المسدس وطريقة التصويب في تلك اللحظة. 

سيناريوهات مرعبة، لا شكرا، أفضل السم، سائلا بلا لون أو مسحوقا أو قطرات صغيرة تحت اللسان، القليل من اللون الأزرق الأرجواني على شفتيّ وكامل جسدي كل ما أرغب أن "يُرى" إن تخلصت منه ونجوت بنفسي الأخرى (إن وجدت). 

يعلو اللون الأرجواني المزرق، مسحة خفيفة على سطح أظافيري العشرة. "الآن؟" الساعة الثالثة وتسع دقائق، ال22 من نوفمبر. ابحث في غوغل تظهر العديد من العوامل المسببة لهذه المسحة، أتجاهل معظمها واختار "يعلو اللون الأرجواني المزرق على الأظافر البشرية بسبب صعوبة وصول الأوكسجين إلى أطراف الجسم بسبب البرودة القصوى في الطقس" أعود إلى هنا وأكمل الكتابة بأصابعي الأرجوانية المزرقة على الكيبورد الخالي من الأحرف العربية التالي: 

"روزنتالا" الشخصية الأساسية في سردية عنوانها "التحفة الخرسانية" وهي واحدة من الفصول الثلاثة المؤلف منها الفيلم، لا سياق واحدا أو مفهوما مشترك بينها، في محاولة من المخرج "ويس أندرسون" خلق محاكاة بصرية لـ أقسام الجريدة المبني عليها الفيلم أساسا، للدقة الأقسام المتبع تصميمها في أي جريدة كلاسيكية، و"التحفة الخرسانية" كانت من ضمن قسم الفنون. 

المثير للاهتمام ليس الفيلم، إنما جزئية ترجمة بعض الكلمات والجمل واختلاف سياقاتها، مثلا ترجمة كلمة "سم" من الإنجليزية poison إلى الألمانية بـ gift، الكلمة ذاتها المستخدمة بطبيعة الحال في اللغة الإنجليزية في سياق الهدية أو العطية، الموهبة في بعض الأحيان.

في الإنجليزية ثلاث مرادفات ساحرة الدقة لوصف السم، كل منها يحمل سياقا مختلفا كليا عن الآخر لكن جميعها يفضي إلى وصف الهلاك المؤكد أو انتشار السميّة في "جسد" أو هيكل الضحية وزعزعة نظامه. 

مصطلح venom يشير إلى الإفرازات السامة الخارجة بشكل أساسي من نتاج أجساد الحيوانات، على سبيل المثال عضة الأفعى، لسعة العقرب، لدغة العناكب، وكل ما يتعلق بخاصية الدفاع/ الهجوم من قبل بعض الكائنات على طريق حقن ضحية ما لالتهامه أو عدو متحمل. 

 Toxic تشير إلى السموم المنبعثة من الكائنات بالغة الصغر، كالبكتيريا والفيروسات والفطريات. غير مؤكد ارتباط هذه الكلمة في سياقات وصف السمية الذهنية والتلاعب النفسي المتبع استخدامه في المجتمعات والعلاقات البشرية، لكن بتأمل بسيط فإنها تحمل الكثير من المنطقية، بالنظر إلى هذا النوع من السمية، يتسم بالـ خفي، ملتف، المحاط في بعض الأحيان بهالة من الاهتمام أو تزيفه. السيطرة على الآخر وشلّه معنويا، كما تفعل بعض البكتريا.

يميل استخدام Poison  في السياقات المتعلقة بالسموم الكيميائية، سواء ذات التركيبات الموجودة لوحدها في الطبيعة أو الخاضعة للمعالجة والتركيب، منها السيانيد، الزرنيخ والزئبق. 

تبعاً لفتكه السريع وجريانه السلس المميت في جسد شاربه، يقال بأن الزئبق كان يسمى بـ "ساعي الآلهة السريع" أو "رسول الآلهة" في الأسطورة الرومانية، كناية فكاهية حول قدرته في إرسال الجسد الحي من العالم الأرضي إلى العوالم العليا السماوية أو السفلى بزمن قصير.

Mercury المقابل الإنجليزي للزئبق، ولقب أقرب كواكب المجرة إلى الشمس "عطارد" في العربية. نسجت بعض الخيالات المثيرة للاهتمام حول هذا الكوكب، منها امتلاكه أجنحة بحجمه على مرتين تسبب حركته السريعة جدا حول الشمس بما يعادل 87 لكل دورة كاملة كـ تأثير مادة الزئبق السريع في الدم، مقارنة بحركة كوكب الأرض يعد خارق الحركة. في العربية يسمى الكوكب بـ "عطارد" بمعنى المطاردة والعَطرَدة، وجريانه المتتابع كـ ومضة.

يقال بأنه تم العثور على كميات من الزئبق في المعابد الفرعونية وفي هياكل قبور المومياءات، في معبد "الثعبان المجنح" في المكسيك وغيره من أثر الحضارات "السابقة". ليس هناك سبب واحد يفسر انتشاره الواسع في الحضارات القديمة، وامتلاك كل حضارة أسطورتها الخاصة حوله، إن كان الأمر مرتبط بطبيعة تركيبته السائلة المشابهة للـ الحديد الذائب أو بسبب سميته أو لونه الفضي أو الاعتقاد بقدرته على إعطاء شاربه الخلود أو استخدامه كمادة استشفاء، او حتّى في حشوات الأسنان. الأسباب متعددة. 

الأسطورة المفضلة لدي، متعلقة بـ سردية حول أول إمبراطور للصين "تشين شي هوانغ". أصيب الإمبراطور بفترة معينة من حياته برهاب الموت أو بما يسمى حالياً ثاناتوسفوبيا، الكلمة المنحوتة أصلاً، استلهاماً من إله الموت المباغت "ثاناتوس" في الأسطورة الإغريقية، يقال بأن "ثاناتوس" أثناء مهمة القبض على روح أحدهم كان يحمل في يده ضمة من زهور الخشخاش، حيث كان شائع حينها بأن هذه الزهور تسبب النوم العميق وتخدر بعض الألام، حاليا تشكل تهديدا مبطنا لقدرتها على إنتاج الأفيون. أعني الهيروين. أكثر السموم هيمنة ذهنيا وجسديا والأكثر صعوبة في التخلص منها إن دمجت في الدم. 

قضى "هوانغ" ما تبقى من حياته ممسوسا بإيجاد إكسير الخلود، مجربا العديد من المواد والأعشاب إلى أن قتل أخيرا بأحد التجارب بسبب كميات هائلة من مادة الزئبق، الشائع استخدامها حينها في الصين كوصفة لإطالة العمر وتقوية العظام. 

كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.
كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.

على بعد نحو ساعة بالسيارة عن مدينة دريسدن تقع باوتسن، التي كانت تعد موطنا لمرفق سيئ السمعة في القرن الماضي، ألا وهو سجن معروف باسم المدينة نفسها. 

من عام 1933 إلى 1945، استخدم النازيون سجن "باوتسن" مقرا "للحجز الوقائي" قبل نقل المحتجزين إلى معسكرات الاعتقال. 

وفي الحقبة الممتدة من 1945 إلى 1949، احتجزت سلطات الاتحاد السوفياتي السابق المنشقين في زنزانات مكتظة مع القليل من الطعام والماء، وانتزعت منهم الاعترافات تحت التعذيب. 

وبعد عام 1949، استخدم عناصر "ستاسي"، وهو جهاز أمن الدولة في ألمانيا الشرقية سابقا، الذين دربهم جهاز الاستخبارات السوفياتية  "كي.جي.بي"، الأسلوب عينه إزاء حوالي ألفي معتقل سياسي في "باوتسن". 

هذا هو عالم الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في عصرنا الحالي، هو الذي كان عضوا في في جهاز الاستخبارات السوفييتية، حين انضم للجهاز عندما كان في الثالثة والعشرين من عمره، وقضى عدة سنوات في دريسدن.

ومنذ أيامه الأولى، وباعترافه الشخصي، كان بوتين يحلم بالعنف والسيطرة. 

واليوم تواجه، آلسو كرماشيفا، الصحفية الروسية-الأميركية التي تعمل لحساب إذاعة أوروبا الحرة الممولة من الكونغرس الأميركي، نفس المصير الذي واجه أصحاب القلم والفكر الحر في القرن الماضي خلال حقبة الاتحاد السوفياتي.

فمنذ شهر أكتوبر الماضي، تقبع كرماشيفا في زنزانة باردة وسيئة الإضاءة ومكتظة في مدينة قازان الروسية، التي تبعد نحو 800 كيلومترا شرقي موسكو. 

وتعرضت كرماشيفا للضغط من أجل انتزاع الاعترافات منها، وهو نهج كان مترسخا عند الـ"كي.جي.بي" الذي يعتبر الفكر المستقل تهديدا، والصحافة الحرة جريمة. 

سافرت كرماشيفا، وهي أم لطفلتين، الصيف الماضي إلى قازان من مسقط رأسها في براغ، لزيارة والدتها المسنة واعتقدت أنها ستكون في مأمن. 

في الثاني من يونيو الماضي، وعندما كانت في مطار قازان، استعدادا لرحلة العودة، جرى استدعاء كرماشيفا قبل خمس عشرة دقيقة من صعودها إلى الطائرة.  

اعتقلتها السلطات الروسية واتهمتها بعدم تسجيلها جواز سفرها الأميركي في روسيا، لتتم إعادتها إلى منزل والدتها وحكم عليها بغرامة تقدر بـ100 دولار تقريبا. 

وفي سبتمبر الماضي، اتهمت السلطات الروسية كرماشيفا بعدم التصريح عن نفسها بصفتها "عميلة لجهة أجنبية".  

وفي 18 أكتوبر، اقتحمت مجموعة من الملثمين المنزل واعتقلت كرماشيفا، وجرى تقييدها ومن ثم نقلها لمحتجز للاستجواب.  

وتعد النيابة العامة الروسية قضية ضدها بحجة نشرها معلومات كاذبة عن الجيش الروسي، وهو أمر ليس صحيحا. 

فخلال فترة عملها في إذاعة أوروبا الحرة محررة باللغة التتارية، دأبت كرماشيفا على إعداد تقارير عن اللغة والعرق والمجتمع المدني وحقوق الأقليات. 

وتتحدر كرماشيفا، وهي مسلمة، من قازان عاصمة جمهورية تتارستان المنضوية ضمن الاتحاد الروسي وتضم حوالي 50 في المئة من التتار ذوي الأصول التركية. 

ويسعى بوتين إلى جمع رهائن أميركيين لمبادلهم مع معتقلين روس. فخلال السنوات الماضية، اعتقلت روسيا نجمة كرة السلة الأميركية، بريتني غرينر، قبل أن يتم إطلاق سراحها مقابل إطلاق واشنطن تاجر الأسلحة الروسي، فيكتور بوت، في ديسمبر 2022. 

ولا تزال أسهم بوتين في التفاوض تشمل كرماشيفا ومراسل صحيفة وول ستريت جورنال، إيفان غيرشكوفيتش، وجندي البحرية السابق، بول ويلان.  

ولتخفيف العزلة وتمهيد الطريق للعودة إلى الوطن، لدى إيفان وبول عاملين، لا تزال كرماشيفا تكافح من أجل الحصول عليهما، أولا الحصول على الخدمات القنصلية، وثانيا اعتراف من وزارة الخارجية الأميركية بأنها  "محتجزة بشكل غير مشروع"، وهو ما سيزيد من فرص إطلاق سراحها في عملية لتبادل المعتقلين. 

ماذا يريد بوتين؟ 

إذا كان الأمر يتعلق بصفقات التبادل، فمن الواضح أن الكرملين يريد، فاديم كراسيكوف، الذي يقبع في أحد السجون الألمانية. 

كراسيكوف، الذي عمل سابقا لدى جهاز الأمن الفيدرالي الروسي، هو قاتل مأجور أقدم على اغتيال معارض شيشاني وسط برلين في أغسطس 2019، بإطلاق رصاصتين على رأسه من مسدس مزود بكاتم للصوت. 

لن يكن الأمر سهلا على الإطلاق، ولكن في الماضي كان من الممكن أن تكون الأمور أكثر وضوحا في بعض الأحيان. فعلى سبيل المثال، أراد الشيوعيون في ألمانيا الشرقية الحصول على أموال من الألمان الغربيين.  

وبحلول أواخر حقبة الشيوعية في الثمانينيات، كان نحو 85 ألف مارك ألماني غربي (حوالي 47 ألف دولار) هو ثمن شراء سجين واحد من ألمانيا الشرقية.  

زرت سجن باوتسن قبل وباء كورونا، حيث تحول اليوم إلى متحف ونصب تذكاري. 

وعندما رأيت زنزانة كانت تحتجز فيها شابة من سكان برلين الغربية دأبت على تهريب منشورات سياسية عبر الحدود لمساعدة الناشطين في ألمانيا الشرقية، أصيب بالذعر. 

وأثارت قصة، هايكه فاتيركوت، هلعي، فقد تم اعتقال الشابة البالغة من العمر عشرين عاما في ديسمبر 1976، وبعد ثمانية أشهر من الاعتقال، حُكم عليها بالسجن لمدة أربع سنوات وعشرة أشهر في باوتسن بتهمة التحريض ضد الدولة. 

كانت تلك كانت ثقافة الـ"كي.جي.بي" في ذلك الوقت. ويتعين علينا أن نعمل بجد أكبر لإنقاذ الأبرياء، وبالتأكيد المواطنين الأميركيين مثل كرماشيفا، من دولة الـ"كي.جي.بي" اليوم. 

#هذا المقال كتبه الرئيس التنفيذي المكلف بشكل مؤقت لـ"شبكة الشرق الأوسط للإرسال" (MBN) عضو المجلس الاستشاري للبث الدولي،  الرئيس السابق لإذاعة أوروبا الحرة، جيفري غدمن، في 23 يناير الماضي بمناسبة مرور 100 يوم على احتجاز روسيا لصحافية أميركية-روسية، قارن فيه بين ما جرى في تلك الفترة والتكتيكات التي باتت موسكو تتبعها في عهد بوتين.