حادثة مرفأ بيروت أودت بحياة 215 شخصا
يعيش لبنان ظروفا اقتصادية وسياسية معقدة كما فاقم انفجار مرفأ بيروت من التوتر داخل البلاد

لطالما كانت الطائفية رافدا أساسيا للفساد في لبنان، لكنها تخطت نفسها في السنوات الأخيرة وصارت هي الفساد بعينه، وهذا ليس استنتاجا جرى التوصل إليه، إنما وقائع مباشرة شهدناها في الأسابيع الفائتة. فالبطريركية المارونية خاضت معركة حماية (الأب) منصور لبكي، الذي حكمته محكمة فرنسية عليه بالسجن ١٥ عاما بسبب اغتصابه قاصرات، وفي نفس الوقت كان المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى على رأس فضيحة الشهادات الجامعية التي أعطيت لغير مستحقيها من العراقيين من قبل الجامعة الإسلامية التي يشرف عليها المجلس، بينما تولت دار الفتوى (السنية) المعركة مع قاضي التحقيق في انفجار مرفأ بيروت لمنعه من التحقيق مع رئيس الحكومة السابق حسان دياب!

ليست الصدفة هي ما جمع بين الوقائع الثلاثة، لا سيما في ظل ما يعيشه لبنان اليوم من انهيارات ترافقها كوابيس، لكنها عودة إلى أصل الصدع الذي تولى إنتاج الكارثة. فالطائفية كانت استعارة غير مباشرة للموبقات، وإذ بها تتصدرها معلنة عن نفسها وعن رغبتها بتولي الفساد بنفسها، لا عبر أقنعتها من أحزاب ورؤساء ونواب ووزراء. المجلس الشيعي صار "صرحا أكاديميا" بعد أن منحته السياسة رخصة إقامة جامعة، والبطريركية المارونية علمت بأفعال الأب لبكي منذ سنوات طويلة، إلا أنها لا ترى أن الحكم عليه مستحق، ودار الفتوى لطالما رفضت استقبال، حسان دياب، أثناء توليه رئاسة الحكومة، لكن ذلك لا يعني أنها تقبل بخضوعه لتحقيق قضائي.

نحن هنا أمام الحقيقة العارية وغير المواربة، ونحن أمام الصدع اللبناني وجها لوجه. مراكز الطوائف الثلاثة الكبرى في دولة الطائفية والمذهبية، خرجت علينا وكشفت عن وظيفتها. الغرق بالفساد ليس جديدا، لكنه هذه المرة يتمتع بقوة رمزية تحيلنا إلى حقيقة ما نحن فيه. 

من الذي منح المجلس الشيعي اللبناني ترخيصا لإنشاء جامعة غير دينية؟ وأي نفوذ أتاح للكنيسة المارونية منع السلطات اللبنانية من تسليم رجل دين مغتصب للأطفال؟ علما أنه النفوذ نفسه الذي استعانت به دار الفتوى لمنع استجواب حسان دياب. الطوائف أقوى من الدولة في لبنان، لا بل هي الدولة العميقة. الطوائف هي من يحمي حاكم مصرف لبنان، رياض سلامة، فهل تذكرون رفع البطريرك الماروني، بشارة الراعي، البطاقة الحمراء حين لاحت بوادر لمحاسبة سلامة؟ وصحيح أن قضية بحجم سلاح حزب الله هي أكبر من وظيفة المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى، لكن المجلس تحول في السنوات الأخيرة إلى أحد حصون السلاح، وتولى مهمة الدفاع عن السلاح الذي بيد الطائفة.

وإذا ابتعدنا قليلا عن الفضائح المباشرة للقيادات المذهبية اللبنانية إلى فضائح رعاتهم من السياسيين، سنعود لنجد أنفسنا في صلب سيناريو الحمايات التي تؤمنها الطوائف لأركانها ورعاياها. فالمجالس المذهبية التي تتيح تزويج القاصرات، تتيح للمسؤول عن انفجار المرفأ أن يحظى بنفس الحماية، وهي تتصدى لأي دعوة لحصر السلاح بيد الدولة. 

لا أقنعة هنا يختبئ خلفها أصحاب العمامات والقلنصوات، وهؤلاء وعلى رغم الاحتقان الطائفي الشديد، يعودون ويلتقون في مهام كثيرة لا تقتصر على حماية مواقعهم، فالحد من الفساد يهددهم، وكذلك العدالة لضحايا انفجار المرفأ، ناهيك عن الكشف عمن نهب خزينة الدولة وسرقة مدخرات اللبنانيين في المصارف يهددهم أيضا، مثلما يهددهم قانون مدني للأحوال الشخصية. فبموازاة فضائح المذاهب اللبنانية الثلاثة، أطلقت جمعية "كفى" حملة جديدة استأنفت فيها دعوتها لقانون مدني إلزامي للأحوال الشخصية، في وقت تتولى قيادة هذه المذاهب التصدي لهذا المشروع، وتنجح في عدم إقراره، وهي إذ تفعل ذلك إنما تقوم بحماية الوظيفة التي أناطها بها النظام الطائفي.

الفضائح الثلاثة هي جزء من هذه الوظيفة، فما كان بالوسع حماية رجل دين مغتصب في ظل دولة مدنية، وما كان للمجلس الشيعي إنشاء جامعة في ظل هذه الدولة، ورئيس الحكومة لن يكون حكرا على الطائفة السنية، لكي تهب دار الفتوى لنجدته.

الفساد يبدأ من هناك، وينتهي هناك. من تلك التجربة البائسة مع الدولة ومع أركانها المذهبية، ولا قيامة جديدة ممكنة للبنان من دون هز هذا الهيكل. فتغول الطبقة السياسية على كل شيء وإمعانها في الفساد وفي السلاح وفي الانتهاك، يجري في ظل حمايات يومنها لها النظام الطائفي الذي تحميه الكنيسة ودور الفتوى، ثم يعود هو ويمنحها سلطة قضائية ورخصة جامعية. وآلية الاشتغال هذه هي الدوامة التي أفضت إلى الانهيار اللبناني الذي نشهده اليوم.           
 

قصر العدل في روما الذي يضم مقر محكمة الاستئناف العليا في إيطاليا (أرشيف)
قصر العدل في روما الذي يضم مقر محكمة الاستئناف العليا في إيطاليا (أرشيف)

بفضل العمل في عدة مؤسسات بحثية دولية، قُيض لكاتب هذه السطور أن يزور العاصمة الإيطالية روما عدة مرات خلال السنوات الماضية. حيث، وخلال كل زيارة من تلك، كانت العلاقة التي تربط سكان المدينة الحاليين بالذاكرة والتاريخ الأقدم للمدينة مثار غرابة وإعجاب على الدوام. بالضبط من حيث ما هم عليه من غنى ووصال وفاعلية في علاقتهم من مدينتهم القديمة. 

كان يحدث ذلك، مقابل العوز والمتاركة والقطيعة التي كان كاتب هذه السطور عليها، في علاقته العقلية والوجدانية والثقافية مع الحاضرة التاريخية التي ولد وعاش بين ثناياها. هو المتأتي من مكان كان يوماً عاصمة إمبراطورية تاريخية كبرى، شبيهة بروما نفسها، من قرية موزان شمال شرقي سوريا، التي تضم رفاة مدينة أوركيش التاريخية، التي كانت عاصمة المملكة الحورية القديمة. 

فأبناء مدينة روما الحاليون، وبمختلف أجيالهم، يعيشون المدينة القديمة وكأنها شيء حاضر وحيوي في تفاصيل حياتهم الراهنة. كانت روما القديمة، ولا تزال، ذات وجود متدفق في روما الراهنة، وفي أكثر من مستوى: عمارتها القديمة جزء مشهدي لا يمكن غض الطرف عنه في كل تفاصيل المدينة الحالية، بما في ذلك داخل بيوت سكانها، وسيرة التوأمين اللذين أسسا المدينة كثيفة في الذاكرة الجمعية، ومرويات حُقب المدينة القديمة وحكاياتها الشهيرة ومراحل تحولها الرئيسية جزء من الآداب والمناهج التربوية التي تنتجها المدينة الحديثة. وإلى جانب ذلك، ثمة متاحف وتماثيل مرئية ومنتجات تقنية وأنواع كثيرة من الآداب والفنون التي يفرزها الحاضرون يوماً، مبنية كلها وذات علاقة وثيقة مع ما كانت عليه المدينة القديمة، حيث إن السكان الحاليون في باطن وعيم يتصورون أنفسهم كامتداد روحي وثقافي وتاريخي لما كانت عليه روما القديمة.  

يحدث كل ذلك، في وقت لا يعاني فيه سكان روما الحاليون مع أية مشكلة أو صِدام مع الحداثة، بكل منتجاتها وأدوات فعلها ونوعية التفكير وأشكل السلوك التي تنفرز عنها. بل على العكس تماماً، يبدو الحضور الكثيف للمدينة التاريخية وذاكرتها في حاضر السكان، وكأنه أهم مصادر الغنى والحيوية للسكان، ما لم نقل الثقة بالذات، التي تنتج ممرات للاعتراف بالآخر وفسحة لطراوة الوجدان والمخيلة، تلك الأشياء التي تمنح السكان الحاليين قوة وجدانية وعقلية للانخراط كل اشكال الحداثة.  

على الدفة الأخرى، فإن كاتب السطور لم يسبق له أن عرف شيئاً عن العاصمة التاريخية القديمة التي ولد، هو وأبوه وجده وكامل أفراد عائلته، على بُعد عدة مئات من الأمتار منها. لم يعرف حتى اسمها التاريخي ولا مؤسسها ولا الحاضرة والمضامين التي كانت عليه هذه المدينة التاريخية. ليس هو فحسب، بل كامل الفضاء الاجتماعي والثقافي والإنساني المحيط بذاك المكان، الذين كانت تلك الحاضرة على الدوام واحدة من أكبر مجاهيل الحياة وأكثرها غموضاً بالنسبة لهم. 

فما عرفته شخصياً عن هذه المدينة القديمة، وبعد سنوات كثيرة من العيش بالقرب منها والمرور اليومي بها، كان بفعل فضول استثنائي ومهني خاصٍ جداً، لم يكن متوفراً إلا للقليلين. تلك المدينة التي كانت حاضرة عمرانية وثقافية وتجارية طوال آلاف السنين، عاصمة للملكة الحورية لوقت طويل، ثم صارت جزءا من الفضاء السياسي والإنساني لممالك "أكاد" ومن بعدهم "ماري"، تحوي قصوراً ومعابداً وأسواقاً ونصوصاً وتماثيل ومنتجات تاريخية لا تُقدر بثمن، لها سيرة وتاريخ وشخصيات ومنتجات أدبية ودينية وثقافية هائلة، كانت يوماً منارة إنسانية لقرابة ربع العالم.   

كل ذلك كان مجهولاً كبيراً لكل البشر المحيطين بالمكان، ولا يزال. وحدهم أعضاء بعثات التنقيب الأجنبية كانوا يعرفون ما بداخل ذلك المكان/الحاضرة، هؤلاء الذين كانوا محاطين بسور فعلي وآخر أمني، يعملون بصمت داخل مكاتبهم، يستخرجون الآثار ويجرون الدراسات بلغاتهم الأجنبية، ولا يجدون وقتاً ومعنى لأن يشرحوا ويفسروا للسكان المحيطين ما يعثرون عليه ويكتشفونه داخل المدينة. حتى أن بعض السكان المحليين، الذين كانوا يعملون كعمال سخرة لدى أعضاء تلك البعثات، أنما كان ممنوعاً عليهم مسّ أي شيء تاريخي قد يجدونه أثناء عمليات النبش والتنقيب.  

لم تكن تلك القطيعة على المستوى المادي فحسب، فجهل السكان بالمكان ومحتوياته وسيرته، كان استعارة كبرى عن قطيعة هؤلاء مع التاريخ نفسه، وتالياً مع جزء من ذواتهم وخصائصهم، ككائنات تملك خاصية متمايزة عن باقي المخلوقات، على مستوى العلاقة مع الذاكرة والتاريخ الأبعد مما هو حاضر راهناً. وتالياً ككائنات خُلقت وراكمت مجموعة كبرى من المنتجات والذواكر والأفكار والقيم والآداب والتجارب، التي تشكل بمجموعها المصدر الأولي والدائم للثراء الإنساني.  

فما كان خاصاً بالبقعة التي نشأ فيها كاتب هذه السطور، كان يمتد لأن يكون ظاهرة عامة في كل مكان آخر. فكامل شمال شرق سوريا كان قائماً على بحر من الحواضر التاريخية القديمة، تحوي سهوبه كنوزاً من الآثار والمنتجات الإنسانية، لكنها جميعاً كانت عوالم مجهولة تماماً بالنسبة للسكان، غير حاضرة أو ذات معنى في الذاكرة الجمعية، لا يتم تداولها في المناهج التربوية وليس لها من قيمة في المنتجات الأدبية والثقافية والفنية والسياحية لأبناء المكان، ولا فاعلية لها في الضمير والمخيلة والعقل العام.  

يمتد ذلك الأمر ليشمل سوريا كلها، ومنها بنسب مختلفة لكل بلدان منطقتنا، الذين، ولغير صدفة، يعيشون صداماً ورفضاً للغالب الأعم من ظواهر ومنتجات الحداثة، المرابطين في خنادق المركزية والمحافظة والماضوية.  

من تلكم الثنائية، تبدو العلاقة الثنائية شديدة الوضوح، بين مجتمعات سائلة، تعتبر نفسها جزءا حيوياً من تاريخ قديم ومتقادم، منتج ومراكم لكل أنواع الثراء الإنساني، وأخرى تعتبر نفسها يتيمة، ولدت للتو كجيل أول ووحيد، ليس لها في التاريخ أي ثراء، خلا بعض حكايات الذكورة الرعناء، عن البطولة والحروب ومفاخرها، وتالياً لا تنتج إلا شيئاً واحداً: العصبيات الخالية من أية قيمة.