يعكس التحرك ضد حركة حماس إدراكا متزايدا وفهما أكبر لما تشكله هذه الجماعات من خطورة
يعكس التحرك ضد حركة حماس إدراكا متزايدا وفهما أكبر لما تشكله هذه الجماعات من خطورة

حدثان مميزان وقعا الأسبوع الماضي، ولكل منهما تأثيره الخاص. أما الأول فهو الحكم على المحامي والمفكر المصري أحمده عبده ماهر بالسجن خمس سنوات بتهمة ازدراء الأديان (17 نوفمبر 2021). وهو حكم مفاجئ وكان له وقع الصدمة على الكثيرين في مصر وخارجها، لأنه يتناقض مع ما سبق أن نادى به الرئيس المصري الجنرال عبد الفتاح السيسي نفسه ودعا إليه من ضرورة إصلاح التراث الديني.

الواقع أن تهمة ازدراء الأديان فوق أنها تهمة سخيفة ولا محل لها من الإعراب في المجتمعات المتحضرة، فإنها ضعيفة من الناحية القانونية لأنها غير واضحة أو محددة حسبما تقتضيه صياغة المواد القانونية. والحكم على عبده ماهر هو أكبر دليل على ذلك، بالنظر إلى أنه لم يزدرِ الدين وإنما انتقد كتب الأحاديث وما ألفه البشر من التراث الديني. وكان في كل ذلك مدافعا عن الإسلام والقرآن وليس العكس!

ولا بأس أن نشير هنا إلى حقيقة أن ازدراء الأديان لا تعني في الواقع جميع الأديان، وإنما تعني حصرا ازدراء الإسلام، لأن رجال الدين المسلمين ومعهم مرددي أقوالهم ما انفكوا يزدرون باقي الأديان ليل نهار من دون أن يتعرض أي منهم للمساءلة أو المحاكمة.

أما المغزى الحقيقي لما جرى فهو أن هذا النوع من المحاكمات ذكّرنا بمحاكم التفتيش التي كانت سائدة في بعض المجتمعات الغربية إبان العصور الوسطى. وكانت وظيفتها هي التفتيش في ضمائر الناس وأفكارهم وآرائهم عن كل ما يشكل إساءة أو تعارضا مع الدين. وكان المتهمون في هذه المحاكم غالبا ما يدانون وتتم معاقبتهم بمختلف أنواع العقوبات الوحشية المعروفة في ذلك الوقت.

وفي حين تخلت أوروبا عن هذه المحاكم منذ وقت طويل بعد أن جلبت العار لهذه الدول، تلقفت المجتمعات الإسلامية هذه المحاكم وسنت لها قوانين وتشريعات تحت عنوان "ازدراء الأديان"!

يعتقد بعض حسني النية بأن من يحرك هذا النوع من القضايا ويدافع عنها ويعطيها شكلها النهائي في مصر هم بعض المحامين من طالبي الشهرة أو الإسلاميين الموتورين، لكن حسب ما يتسرب من هنا وهناك فإن من يحرك هذه القضايا أو يشجع عليها في الواقع هي الأجهزة الأمنية، وفي حالتنا هذه الأجهزة الأمنية المصرية. فهي التي تشغّل هؤلاء المحامين وتطلب منهم رفع مثل هذه القضايا لأغراض سياسية أو دعائية. بخلاف ذلك فإنه لا أحد يستطيع أن يفعل شيئا من هذا النوع من دون موافقة السلطات. بل أن رسالة قصيرة على الواتساب يرسلها جهاز الأمن لأي محام كفيلة بإخراسه إلى الأبد.
لذلك إذا كان هناك من يلام ومن هو المسؤول عن إنشاء ورعاية محاكم التفتيش في مصر والدفع بسن القوانين القرووسطية فهو السلطة العسكرية الحاكمة، وليس أي أحد آخر.  

أما الخبر الثاني فهو إعلان وزيرة الداخلية البريطانية بريتي باتيل (19 نوفمبر 2021) أنها اتخذت إجراءات لحظر حركة "حماس" بأكملها في المملكة المتحدة، وأنها تعتزم استصدار قانون من البرلمان البريطاني بهذا الشأن يعامل الحركة بوصفها منظمة إرهابية. 

الوزيرة البريطانية بررت قرارها بأنه "لم يعد بإمكانها الفصل بين الجناحين العسكري والسياسي للحماس، وأن القرار يستند إلى معلومات استخبارية تؤكد ارتباطها بالإرهاب".

وقالت الوزيرة أن "حماس" تحظى بـ"قدرات إرهابية ملموسة" بما يشمل الوصول إلى ترسانة أسلحة "واسعة ومتطورة" و"منشآت لتدريب الإرهابيين".  وأعربت عن أملها في أن "تساعد هذه الخطوة على مكافحة اللاسامية وحماية الجالية اليهودية".

هل تستحق حماس هذا التصنيف؟

قطعا تستحق ذلك، فهي منظمة إرهابية بامتياز وهي لا تختلف عن تنظيم القاعدة أو داعش إلا في الدرجة وليس في النوع، وكان يفترض أن تتخذ بريطانيا هذا القرار منذ أمد بعيد، فقد سبقتها إلى ذلك كل من كندا والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة. لذلك فالسؤال هو ليس بشأن صحة القرار من عدمه وإنما بكونه قد تأخر كثيرا. لكن كما يقال فإن يأتي متأخرا أفضل من ألا يأتي أبدا. 

وكما هو متوقع في مثل هذه الحالات فقد سارعت إلى التعاطف والدفاع عن حماس ضد القرار البريطاني المنظمات الإرهابية الأخرى من الحوثيين إلى الجهاد الإسلامي وغيرهم، وكان لافتا حالة الغضب الممزوجة بالحزن التي سادت المواقع الإخبارية التابعة لقطر وللإخوان المسلمين وابنتهم المدللة حماس، مثل الجزيرة، والعربي الجديد، والقدس العربي، وغيرها. 

بالطبع أهمية تصنيف حماس منظمة إرهابية في بريطانيا، لا تنبع فحسب من النشاطات التي تقوم بها الحركة هناك، وإنما من أمرين. الأول تأثيره المعنوي والسياسي وخاصة على جماعات الإسلام السياسي، والأمر الثاني كون بريطانيا هي أحد المعاقل المهمة لجماعة الإخوان المسلمين في أوروبا وقد وفرت على مدى عقود الملاذ والملجأ للعديد من قيادات ونشطاء الجماعات الإسلامية والإرهابيين من كل صنف ونوع.

لذلك فإن التحرك ضد حركة حماس يعكس إدراكا متزايدا وفهما أكبر لما تشكله هذه الجماعات من خطورة ليس فقط على مجتمعات الشرق الأوسط، ولكن أيضا على بريطانيا نفسها وعلى أوروبا والغرب بصورة عامة.  

لقد حاولت حماس وغيرها أن تصور القرار بالبريطاني بأنه موجه ضد القضية الفلسطينية، لكن الصحيح أنه موجه ضد الجماعات الفلسطينية الإرهابية وليس ضد الفلسطينيين أو قضيتهم. وقد حان الوقت كي تقوم بريطانيا والولايات المتحدة وغيرهما من الدول الغربية بوضع الجماعة الأم نفسها، أي الإخوان المسلمين، على قوائم الإرهاب. 

يريد "حزب الله" المرتبط ارتباطًا وثيقًا بالأجندة الإيرانية أن يُبقي لبنان "عمقًا استراتيجيًا للجمهورية الإسلامية في إيران"
يريد "حزب الله" المرتبط ارتباطًا وثيقًا بالأجندة الإيرانية أن يُبقي لبنان "عمقًا استراتيجيًا للجمهورية الإسلامية في إيران"

كأنّ هناك عقلًا واحدًا يتحكّم بصانعي الفوضى في العالم، اذ إنّ هؤلاء لا يجدون سوى وصفة واحدة لإحلال السلام: الاستسلام لهم!

ومن يدقق بالعبارات التي يستعملها صانعو الفوضى في العالم، يتفاجأ بأدبيّات موحّدة، فالقيادة الروسية بزعامة فلاديمير بوتين تحمّل الغرب مسؤوليّة دخول حربها على أوكرانيا عامها الثاني، لأنّ هذا الغرب يزوّد أوكرانيا بمقوّمات الصمود العسكري والإنساني، مما يحول دون استسلامها.

بالنسبة للقيادة الروسيّة: السلام مستحيل، والتصعيد ضرورة، والدمار واجب، والقتل حتمي، طالما أنها عاجزة عن تحقيق أهدافها المعلنة في أوكرانيا، فالطريق إلى السلام قصير جدًا، إذا سارت كييف بشروط موسكو.

هذه العقلية الروسيّة لا تعير أيّ اهتمام للقانون الدولي وللسيادة الوطنية وللمصالح الإقليمية وللسلم الدولي ولموازين القوى، فهي إمّا تنتصر وإمّا تفني العالم، من خلال رفع مستوى التهديد باللجوء إلى احتياطاتها الخطرة من الرؤوس النووية.

وثمّة دول مستفيدة من هذا الانحراف الروسي، فالصين التي تنافس الولايات المتحدة الأميركية على زعامة العالم، تجد في القيادة الروسيّة ضالتها، إذ إنّ هوسها بالانتصار المستحيل سوف يوهن موسكو ويلحقها ببكين، وسوف يضعف الاتحاد الأوروبي ويبعده عن دائرة التأثير في صناعة موازين القوى الاستراتيجية في المستقبل.

ولكنّ دون هذا الهوس الروسي من جهة أولى وهذا الهدف الصيني، من جهة ثانية، يقف وعي غربي جماعي، إذ اكتشفت دوله أنّ تعاضدها ووقوفها في صف واحد مع الولايات المتحدة الأميركية، وحده كفيل بتوفير مستقبل سيادي لها ولشعوبها.

قبل الغزو الروسي لأوكرانيا، كان الغرب شبه مفتّت ووحدته شبه متفسّخة، إذ كانت المصالح الاقتصاديّة تتقدّم على كل المخاوف الاستراتيجية.

بعد الغزو الروسي، وفي ظل القراءة العميقة للأداء الروسي، اختلفت الأحوال، إذ إنّ الوقاية من مخاطر المستقبل تمرّ بتوفير الشروط اللازمة للحيلولة دون استسلام أوكرانيا، بصفتها بوابة أوروبا،  أمام "الدب الروسي" الذي سوف يسلّم نفسه والآخرين لمشيئة "التنّين الصيني".

ومن روسيا ننتقل مباشرة إلى لبنان، حيث منطق "حزب الله" لا يختلف بشيء عن منطق "حزب الكرملين".

يريد "حزب الله" المرتبط ارتباطًا وثيقًا بالأجندة الإيرانية أن يُبقي لبنان "عمقًا استراتيجيًا للجمهورية الإسلامية في إيران"، وفق "تكليف" صادر عن المرشد الاعلى علي خامنئي، وذلك خلافًا لإرادة سائر القوى السياسية التي تريد أن يعود لبنان عنصرًا فاعلًا في محيطه العربي وفي بعده الدولي.

ولهذا يسعى "حزب الله" إلى أن يفرض رئيس الجمهورية الذي يناسب مخططه، وهو من أجل تحقيق ذلك يترك البلاد لقمة سائغة في فمّ الفراغ المنتتج للفوضى وللفقر وللجوع.

وكالعادة  لا  يتحمّل "حزب الله" تبعة ما يقدم عليه، بل يلقيه على عاتق من يتصدّى لمخططاته، وهو، من أجل إعطاء صدقية لمقولات "الهروب إلى الأمام"، يقحم الولايات المتحدة الأميركية ويهددها بفوضى تشمل كل المنطقة.

ولسان "حزب الله" يقول: هاتوا الرئيس الذي نريد  ويحقق لنا ما نرغب به فنعفيكم من الفوضى والكوارث!

وترفض غالبية اللبنانيين الرئيس الذي يصرّ عليه "حزب الله"، وتطرح عليه حلولًا وسطًا، لكنّ الحزب يرفض ذلك، على قاعدة: استسلموا تسلموا!

صحيح أنّ القوى التي ترفض الرضوخ لـ"حزب الله" ليست أوكرانيا والقوى الخارجية المؤيّدة لها لا تفتح أمامها مخازن السلاح وخزائن المال، ولكنّ الصحيح أيضًا أنّ من بيدهم القدرة على انتشال لبنان من جحيمه يقولون للبنانيّين: إذا استسلمتم لإرادة "حزب الله" لا تهرعوا علينا، فنحن لن نساعد دولة تضع إمكاناتها في مساعدة أعدائنا.

وكما تعرض روسيا الاستسلام لتوقف حربها في أوكرانيا كذلك يعرض "حزب الله" الاستسلام على سائر اللبنانّيين حتى لا يوقعهم أكثر في الفوضى والجوع.

المشكلة مع هذا المحور الذي يعاني منه السوريون واليمنيون والعراقيون والإيرانيون أنّه يعرض عليك الحياة لينتزع منك…الحياة!