تحرص معظم دول العالم في الذكرى السنوية ليوم الاستقلال الخاص بكل منها على منح هذه المناسبة الوطنية تميزها الاستثنائي بصفتها رمزا جامعا. فتتبارى لاستعادة زخم المعاني الملهمة لاستنهاض الحاضر عبر الخطب الحماسية والاحتفالات العامة، والأغاني والأفلام والصور ومختارات من عبارات مؤثرة تخلد ذكرى رجال الاستقلال وشهدائه، وتقديم بعض العطايا الرمزية أو إصدار بعض مراسيم العفو كنوع من المكرمات الحكومية.
بدهي أن كل ما يتعلق بهذا اليوم التاريخي في حياة الأمم يستحق التحية والاحترام حين تثبت أنها أهل لمفهوم الاستقلال ومصداقية معطياته في الحاضر. وهي معطيات ملموسة وواضحة تتعلق بمعايير بنية الدول واستقلالية قرارها ومدى قوتها وتحررها وتقدمها، حرضت قرائح العديد من اللبنانيين مؤخرا، فأسهبوا عبر صفحات وسائل التواصل الاجتماعي في نقاشها ومقارنتها بمناسبة الاحتفال بيوم استقلال بلادهم الذي وافق يوم 22 الفائت من نوفمبر الجاري ومعناه.
تحت وطأة أحوالهم الفاقعة في مرارتها، شكك البعض بما أسموه "وطنيات فارغة" قادتهم إلى الجوع والعوز، وعبروا عن غضبهم من استفزازية الإنفاق على مظاهر احتفالية اعتبروها شكلية وفارغة من محتواها، في وقت ضاعت به البلاد وتشتت العباد، وتورطوا أكثر وأكثر جراء الانقسامات المتعلقة بالتبعيات السياسية والاقتصادية والأيديولوجية والحزبية والطائفية الصارخة، التي تناقض، بل تنسف جميع معاني الاستقلال.
في واقع الأمر، ليس لبنان وحده من يقع ضمن هذا المخاض من الأسئلة الوجودية والسيادية المتعلقة بمعاني الاستقلال. إذ تتبارى العديد من دول العالم بما فيها بعض الدول العربية، بالتفاخر والبذخ الملفت على أعياد الاستقلال داخل البلاد أو عبر سفاراتها حول العالم. فيما تؤكد جميع سياساتها المعلنة وغير المعلنة تبعياتها المتعلقة بالقرار السياسي أو الاقتصادي، حتى إن بعضها ينفق مبالغ باهظة لأجل المظاهر الدعائية التي تستورد مستلزماتها بالكامل، دون أن تنتج بنفسها مسمارا أو عزقة لبرغي صغير.
الإنتاج الفكري والفلسفي الذي تصدره بعض الدول المتقدمة يقع في خانة الاستقلال. قوائم دور النشر ومبيعات الكتب وعدد المسارح ودور السينما وجميع أنشطة الثقافة والفنون تندرج ضمن معايير الاستقلال. الحداثة استقلال، والأبحاث العلمية والطبية وعدد الحاصدين للجوائز العالمية استقلال. رخاء الشعوب استقلال، وكل ما تقدم يفضي في النهاية إلى الحرية التي تشكل جوهر الاستقلال ومعناه الأسمى.
تلقف الدول لكل ما تنتجه الدول المتقدمة ينفي عنها صفة المستقلة، هي مستهلكة حتى العظم لكنها تدعي الاستقلال. وإن جربنا الابتعاد قليلا عن معنى الاستقلال الخاص بسيادة الدول، وجربنا المكاشفة على صعيد الأفراد، لن يكون مفاجئا أو صادما معرفة أن العديد من العاملين في الشأن العام غير مستقلين، وإن ادعوا ذلك.
يقال فلان نائب مستقل أو وزير مستقل، ويقال أحزاب مستقلة وقضاء مستقل وإعلام مستقل. ويقال مفكرون وكتاب مستقلون. لكن التدقيق في المحتوى والنتاج الصادر عن البعض، يشير باستمرار إلى تبعية ما، يتظللون بظلها، ويصطفون معها. من نبعها تستلهم الأفكار، ولخدمتها تدبج الديباجات، مدحا لها أو ذما بمناهضيها، حتى إن العثور على محتوى موضوعي يقف على مسافة واحدة من الجميع، يكاد يكون نادرا وبشق الأنفس.
لغة الكراهية المطلقة والدائمة التي يبديها بعض الاصطفافيين الذين يعرفون عن أنفسهم بالمستقلين اتجاه بعض الدول، دون أن يعثروا على فضيلة واحدة لديها يمكن الحديث عنها ولو مرة واحدة في العمر، لا تختلف عن لغة المديح المكال من قبلهم باستمرار لبعض الدول الأخرى التي يدافعون عنها دون توقف، ودون أن يعثروا لديها على نقيصة واحدة يمكن نقدها أو الحديث عنها عند حدوثها.
الفكر المستقل لا يمتدح ولا يذم مثل شعراء البلاط، بل يبحث عن الحقيقة ويضيء عليها أينما وجدت. لا يغضب لجرائم بعض الدول ويغض الطرف عن جرائم لدول أخرى. المستقل يراقب الجميع ولا يتبع لأحد أو يصطف مع أحد بالمطلق. واضعا في حسبانه أن السياسة مد وجزر تتغير بحسب مصالحها، وأن موالاته اليوم لأحدهم قد تنقلب غدا لتتحول إلى عبء ثقيل يجب التخلص منه.
ليس سهلا بالمطلق أن يكون المرء مستقلا، وليس مستحيلا في الوقت ذاته. إذ كثيرا ما قاوم أفراد وجهات اعتبارية مستقلة إغواءات الاصطفاف ونجحوا لكن إلى حين. حيث يتوقف الأمر في النهاية على الاكتفاء الذاتي والركيزة المالية اللتين يستندان إليهما ومدى ثباتهما، وأيضا على الركيزة النفسية الأخلاقية التي يتمتعون بها، حيث يختار البعض التوقف بكرامة وعن قناعة أن أي اصطفاف هو منزلق أخلاقي لا أمان له.
قد يكون أبلغ مثال عن معنى منح الحرية لمفهوم الاستقلالية، هو ما تمنحه بعض المواقع والمنابر التابعة لسياسات عامة حرة من فرص بمثابة اختبار. حيث تذيل أسفل الآراء ووجهات النظر أنها لا تعبر بالضرورة عن رأي ووجهات نظر أصحاب المنبر، تاركة للكتاب مساحاتهم الحرة دون مصادرة آرائهم حتى لو اختلفت مع رأي ووجهات نظر وسياسات المنبر.
وتاركة لهم مساحة مخفية لإعادة النظر في استقلاليتهم الذاتية، التي تعني في نهاية الأمر، مسؤوليتهم الفردية عن صنع تاريخهم وأدبياتهم غير التابعة أو المصطفة لأي جهة بالمطلق، باستثناء الاصطفاف اللا مشروط مع كل ما يدعم الحقيقة ومفاهيم الحرية والعدالة والقيم الإنسانية النبيلة السامية إلى الأبد.

