Holiday wreaths adorn the windows of the White House in Washington, DC on November 26, 2021. (Photo by Daniel SLIM / AFP)
كثيرة هي الملفات العالقة بين أوروبا والولايات المتحدة

يبدو أن الزمن الذي كانت فيه "رغبات واشنطن أوامر"، ينضبط لها أصدقاؤها وحلفاؤها، ويتحسب لها كثيراً، خصومها وأعداؤها، قد ولّى، أو هو في طريقه إلى ذلك... صفحة الهيمنة الأميركية على النظام العالمي، انقضت، ونظام "القطب الواحد" في هزيعه الأخير، والعالم يخوض غمار "تعددية قطبية" تتسم بقدر كبير من الفوضى واللايقين، إلى أن تتضح ملامح النظام العالمي الجديد.

تبدأ الحكاية من الضفة الأوروبية للأطلسي، حيث شهدت العلاقة بين شاطئيه، أكبر اهتزازة لها منذ الحرب العالمية الثانية، تحت إدارة الرئيس السابق دونالد ترامب، الذي لم ينجح في إخفاء رغبته في تفكيك الاتحاد، وتشجيع بريطانيا على المضي قدماً في مشروع "بريكسيت"، ونال قادة "القارة العجوز" من لسانه الطويل الذي لا يهدأ عن "التغريد"، ما نالهم من أقذع الصفات، وأفضى ذلك كله إلى تآكل "مداميك" الثقة المتبادلة، قبل أن يأتي جو بايدن بخطاب جديد ومقاربة مختلفة.

لكن العام الأول على ولاية جو بايدن، لن ينقضي، قبل أن تتراجع الإدارة عن بعض من قواعد "مبدأ بايدن" في السياسة الخارجية: احترام التعددية وتعميق الشراكة عبر الأطلسي... أفغانستان والانسحاب الأميركي المتسرع والمنفرد، كان الشرارة الأولى التي دفعت بالأوروبيين لإبداء الحذر من مقاربة سيد البيض الجديد، حتى أن وزير خارجية فرنسا، لم يتورع عن اتهامه بالسير على خطى سلفه، متهماً إياه بالضرب عرض الحائط مصالح شركائه ومواقفهم... وفي صفقة الغواصات النووية مع استراليا بدا أن بايدن يعطي الأولوية لبريطانيا في علاقاته العابرة للأطلسي، على حساب الاتحاد الأوروبي، وجاء تحالف "أوكوس"، ليكرس نهجاً ترامبياً من دون ترامب، وليلقي بظلال كثيفة على العلاقات بين شركاء الحرب الباردة.

كثيرة هي الملفات العالقة بين أوروبا والولايات المتحدة، من "غازبروم" والعلاقة مع الصين، وصولاً إلى المنافسة المحتدمة على أسواق السلاح، فضلاَ عن بعض أزمات العالم المفتوحة... ما حدا بدول الاتحاد، وبالذات فرنسا وألمانيا، لإحياء مشاريع قديمة-جديدة عن "الجيش الأوروبي" والسياسة الأمنية والدفاعية الأوروبية... التطمينات المتبادلة بأن خطوات كهذه لن تكون بديلاً عن "الناتو" أو على حسابه، لا تكفي لحجب الخلافات الكامنة تحت السطح.

في الإقليم، ليس صدفة أن أقرب حلفاء واشنطن إلى قلبها وعقلها ومصالحها: إسرائيل، تقيم أوثق العلاقات مع ألد خصوم واشنطن ومنافسيها: الصين... حتى أن الخلاف بشأن العلاقة الإسرائيلية – الصينية، بات اليوم، أحد ثلاث قضايا خلاف جوهرية بين إدارة بايدن وحكومة بينيت، إلى جانب إيران والمسألة الفلسطينية... الصين تدخل بقوة إلى قطاعات اقتصادية حساسة، وإسرائيل تعمل على تطوير "لوبي صهيوني" في الصين، ظناً منها أن المستقبل يعمل لصالحها، تماماً مثلما فعلت قبل مئة عام، حين شرعت في نقل مركز ثقل "اللوبي" من أوروبا إلى الولايات المتحدة الصاعدة كقوة رائدة في العالم. 

تركيا كانت سبّاقة لكسر سياسة "الإملاءات الأميركية"، صفقة صواريخ "إس 400" أكبر دليل على فشل إدارتين تعاقبتا على البيت الأبيض، في إرغام إردوغان على التراجع عنها... أنقرة لم تليين موقفها من كرد سوريا برغم الضغوط الأميركية الهائلة، وقضايا الخلاف بين واشنطن وحكم العدالة والتنمية، لا حصر لها.

إثيوبيا التي كان لواشنطن دوراً "ملهماً" في منح رئيس وزرائها جائزة نوبل للسلام، تعجز الأخيرة اليوم عن دفع آبي أحمد للجنوح لخيار السلم والتفاوض والتسويات مع مصر والسودان حول سد النهضة، ويقف الموفد الأميركي المخضرم جيفري فيلتمان عاجزاً عن منع انزلاق هذا البلد الكبير نحو حرب أهلية قد لا تنتهي بتقسيمها، فيما الصين تعزز قواعد نفوذها في هذه البقعة الاستراتيجية المطلة على القرن الأفريقي.

إيران، الدولة "العدوة" لواشنطن منذ أزيد من أربعة عقود، تجد نفسها اليوم أكثر ثقة بالنفس في صراعها متعدد المجالات مع واشنطن، لديها قواعد إسناد في موسكو وبكين، ولديها أفق مفتوح مع الهند والباكستان ومعاهدة شنغهاي، وعلاقاتها الناشئة مع الضفة الأخرى من الخليج العربي تسهم في تفكيك أطواق عزلتها، وهي تذهب إلى فيينا وبين يديها أوراق عديدة كذلك.

الدول العربية التي استمرأت تاريخياً، علاقة "الاستتباع" للولايات المتحدة، مسّها شيء من الرغبة في التمرد... ولي العهد السعودي يشق طريقاً التفافيا نحو طهران عبر القناة البغدادية، وهو تحدث عن الولايات المتحدة بوصفها واحدة من القوى العظمى، وليست القوة المهيمنة... وتوعد بتنويع علاقات وتحالفات وأسواق بلاده مع المراكز العالمية الناشئة، وهي يقبض على سقوف الإنتاج والأسعار في سوق النفط والطاقة، غير آبه بمواقف سيد البيت الأبيض وتهديده ووعيده... هوامش المناورة أمام المملكة تتسع، وهي لا تشعر بأن مبتدأ جملتها السياسية وخبرها، يجب أن ينحصرا بالتسبيح بحمد الولايات المتحدة.

الإمارات العربية المتحدة، القوة الثانية في الخليج، ورائدة مسار "إبراهام" واتفاقاته التطبيعية، وأول دولة عربية ستحصل على طائرات إف 35 الأميركية المتطورة، تشق "طريق حرير" خاصٍ بها، يمر بإيران، الدولة المزعزعة للاستقرار كما في الخطاب الأميركي، ولا ينتهي في تركيا، الدولة التي تتسبب للبيت الأبيض بكثير من الصداع... علاقات تجارية مزدهرة ومتشعبة، وعلاقات تعاون أمني وسياسي من تحت الطاولة، لا تخفى مراميها على أحد، وهي لا تمانع "مناكفة" واشنطن في أثيوبيا بدعمها لآبي أحمد، أو في ليبيا وسوريا وغيرها من ملفات المنطقة.

موفدو واشنطن إلى القرن الأفريقي وإيران وفلسطين والعراق وبقية دول المنطقة، يجوبون المنطقة جيئة وذهاباً، من دون أن ينجحوا في تسجيل أي اختراق يذكر على أي من جبهات التوتر المذكورة... حتى بالنسبة لبلد صغير مثل لبنان، عجزت واشنطن من خلف باريس، عن زحزحة أحزاب طوائف وحارات وميليشيات عن مواقفهم المتعنتة التي أدت بهذا البلد إلى الانهيار... وفي السودان، لم يكن الوضع أفضل مع ثنائي العسكر: البرهان وحميدتي.

لم تعد لواشنطن "الهيبة" التي كانت لها زمن "القطبين"، وبالذات في زمن "القطب الواحد"، ومع تآكل "الهيبة" تتآكل "الهيمنة" على الساحة الدولية وساحات الإقليم، وحلفاء واشنطن وأصدقاؤها ما عادوا يصغون لها كما كانوا يفعلون من قبل، ودول الإقليم تبحث عن خيارات وبدائل وتحالفات جديدة، فيما بينها ومع بعض الأقطاب الدولية الناشئة استعداداً لملء الفراغ الأميركي، وتعويضاَ عن انصراف الجهد والموارد الأميركية صوب المحيطين": الهادي والهندي.

لكن ذلك، لن يمنع أبداً من الاعتراف، بأن الولايات المتحدة، ستظل حتى إشعار آخر، لاعباً دولياً وإقليمياً مهماً، بل واللاعب الأول على المسرحين العالمي والإقليمي... ما تغير هو أن واشنطن، لم تعد لاعباً أوحداً أو لاعباً مهيمناً، وقيادتها للعالم والإقليم، بدأت تواجه تحديات، يختلف المراقبون والمحللون في تقدير قدرة واشنطن على مواجهتها والتعامل معها.

قصر العدل في روما الذي يضم مقر محكمة الاستئناف العليا في إيطاليا (أرشيف)
قصر العدل في روما الذي يضم مقر محكمة الاستئناف العليا في إيطاليا (أرشيف)

بفضل العمل في عدة مؤسسات بحثية دولية، قُيض لكاتب هذه السطور أن يزور العاصمة الإيطالية روما عدة مرات خلال السنوات الماضية. حيث، وخلال كل زيارة من تلك، كانت العلاقة التي تربط سكان المدينة الحاليين بالذاكرة والتاريخ الأقدم للمدينة مثار غرابة وإعجاب على الدوام. بالضبط من حيث ما هم عليه من غنى ووصال وفاعلية في علاقتهم من مدينتهم القديمة. 

كان يحدث ذلك، مقابل العوز والمتاركة والقطيعة التي كان كاتب هذه السطور عليها، في علاقته العقلية والوجدانية والثقافية مع الحاضرة التاريخية التي ولد وعاش بين ثناياها. هو المتأتي من مكان كان يوماً عاصمة إمبراطورية تاريخية كبرى، شبيهة بروما نفسها، من قرية موزان شمال شرقي سوريا، التي تضم رفاة مدينة أوركيش التاريخية، التي كانت عاصمة المملكة الحورية القديمة. 

فأبناء مدينة روما الحاليون، وبمختلف أجيالهم، يعيشون المدينة القديمة وكأنها شيء حاضر وحيوي في تفاصيل حياتهم الراهنة. كانت روما القديمة، ولا تزال، ذات وجود متدفق في روما الراهنة، وفي أكثر من مستوى: عمارتها القديمة جزء مشهدي لا يمكن غض الطرف عنه في كل تفاصيل المدينة الحالية، بما في ذلك داخل بيوت سكانها، وسيرة التوأمين اللذين أسسا المدينة كثيفة في الذاكرة الجمعية، ومرويات حُقب المدينة القديمة وحكاياتها الشهيرة ومراحل تحولها الرئيسية جزء من الآداب والمناهج التربوية التي تنتجها المدينة الحديثة. وإلى جانب ذلك، ثمة متاحف وتماثيل مرئية ومنتجات تقنية وأنواع كثيرة من الآداب والفنون التي يفرزها الحاضرون يوماً، مبنية كلها وذات علاقة وثيقة مع ما كانت عليه المدينة القديمة، حيث إن السكان الحاليون في باطن وعيم يتصورون أنفسهم كامتداد روحي وثقافي وتاريخي لما كانت عليه روما القديمة.  

يحدث كل ذلك، في وقت لا يعاني فيه سكان روما الحاليون مع أية مشكلة أو صِدام مع الحداثة، بكل منتجاتها وأدوات فعلها ونوعية التفكير وأشكل السلوك التي تنفرز عنها. بل على العكس تماماً، يبدو الحضور الكثيف للمدينة التاريخية وذاكرتها في حاضر السكان، وكأنه أهم مصادر الغنى والحيوية للسكان، ما لم نقل الثقة بالذات، التي تنتج ممرات للاعتراف بالآخر وفسحة لطراوة الوجدان والمخيلة، تلك الأشياء التي تمنح السكان الحاليين قوة وجدانية وعقلية للانخراط كل اشكال الحداثة.  

على الدفة الأخرى، فإن كاتب السطور لم يسبق له أن عرف شيئاً عن العاصمة التاريخية القديمة التي ولد، هو وأبوه وجده وكامل أفراد عائلته، على بُعد عدة مئات من الأمتار منها. لم يعرف حتى اسمها التاريخي ولا مؤسسها ولا الحاضرة والمضامين التي كانت عليه هذه المدينة التاريخية. ليس هو فحسب، بل كامل الفضاء الاجتماعي والثقافي والإنساني المحيط بذاك المكان، الذين كانت تلك الحاضرة على الدوام واحدة من أكبر مجاهيل الحياة وأكثرها غموضاً بالنسبة لهم. 

فما عرفته شخصياً عن هذه المدينة القديمة، وبعد سنوات كثيرة من العيش بالقرب منها والمرور اليومي بها، كان بفعل فضول استثنائي ومهني خاصٍ جداً، لم يكن متوفراً إلا للقليلين. تلك المدينة التي كانت حاضرة عمرانية وثقافية وتجارية طوال آلاف السنين، عاصمة للملكة الحورية لوقت طويل، ثم صارت جزءا من الفضاء السياسي والإنساني لممالك "أكاد" ومن بعدهم "ماري"، تحوي قصوراً ومعابداً وأسواقاً ونصوصاً وتماثيل ومنتجات تاريخية لا تُقدر بثمن، لها سيرة وتاريخ وشخصيات ومنتجات أدبية ودينية وثقافية هائلة، كانت يوماً منارة إنسانية لقرابة ربع العالم.   

كل ذلك كان مجهولاً كبيراً لكل البشر المحيطين بالمكان، ولا يزال. وحدهم أعضاء بعثات التنقيب الأجنبية كانوا يعرفون ما بداخل ذلك المكان/الحاضرة، هؤلاء الذين كانوا محاطين بسور فعلي وآخر أمني، يعملون بصمت داخل مكاتبهم، يستخرجون الآثار ويجرون الدراسات بلغاتهم الأجنبية، ولا يجدون وقتاً ومعنى لأن يشرحوا ويفسروا للسكان المحيطين ما يعثرون عليه ويكتشفونه داخل المدينة. حتى أن بعض السكان المحليين، الذين كانوا يعملون كعمال سخرة لدى أعضاء تلك البعثات، أنما كان ممنوعاً عليهم مسّ أي شيء تاريخي قد يجدونه أثناء عمليات النبش والتنقيب.  

لم تكن تلك القطيعة على المستوى المادي فحسب، فجهل السكان بالمكان ومحتوياته وسيرته، كان استعارة كبرى عن قطيعة هؤلاء مع التاريخ نفسه، وتالياً مع جزء من ذواتهم وخصائصهم، ككائنات تملك خاصية متمايزة عن باقي المخلوقات، على مستوى العلاقة مع الذاكرة والتاريخ الأبعد مما هو حاضر راهناً. وتالياً ككائنات خُلقت وراكمت مجموعة كبرى من المنتجات والذواكر والأفكار والقيم والآداب والتجارب، التي تشكل بمجموعها المصدر الأولي والدائم للثراء الإنساني.  

فما كان خاصاً بالبقعة التي نشأ فيها كاتب هذه السطور، كان يمتد لأن يكون ظاهرة عامة في كل مكان آخر. فكامل شمال شرق سوريا كان قائماً على بحر من الحواضر التاريخية القديمة، تحوي سهوبه كنوزاً من الآثار والمنتجات الإنسانية، لكنها جميعاً كانت عوالم مجهولة تماماً بالنسبة للسكان، غير حاضرة أو ذات معنى في الذاكرة الجمعية، لا يتم تداولها في المناهج التربوية وليس لها من قيمة في المنتجات الأدبية والثقافية والفنية والسياحية لأبناء المكان، ولا فاعلية لها في الضمير والمخيلة والعقل العام.  

يمتد ذلك الأمر ليشمل سوريا كلها، ومنها بنسب مختلفة لكل بلدان منطقتنا، الذين، ولغير صدفة، يعيشون صداماً ورفضاً للغالب الأعم من ظواهر ومنتجات الحداثة، المرابطين في خنادق المركزية والمحافظة والماضوية.  

من تلكم الثنائية، تبدو العلاقة الثنائية شديدة الوضوح، بين مجتمعات سائلة، تعتبر نفسها جزءا حيوياً من تاريخ قديم ومتقادم، منتج ومراكم لكل أنواع الثراء الإنساني، وأخرى تعتبر نفسها يتيمة، ولدت للتو كجيل أول ووحيد، ليس لها في التاريخ أي ثراء، خلا بعض حكايات الذكورة الرعناء، عن البطولة والحروب ومفاخرها، وتالياً لا تنتج إلا شيئاً واحداً: العصبيات الخالية من أية قيمة.