في الديمقراطيات الهشّة لا يمكن الرهان على شعارات الدعاية الانتخابية، ولا يمكن تحديد المواقف السياسية اللاحقة على أساسها، فالقاعدة العامّة التي تحكم العَمليةَ السياسية في العراق تقوم على أساس: كلام الانتخابات تُمحيه التوافقات. وحكومة الأغلبية كان شعار الدعاية الانتخابية لِزعيم ائتلاف دولة القانون السيد نوري المالكي في انتخابات 2018، وهو اليوم أول مَن يتراجع عنه صراحةً بالدعوةِ إلى حكومة توافقية!
بيد أنَّ السيد مقتدى الصَّدر في انتخابات تشرين الأول/ أكتوبر هو مَن تبنّى الدعوةَ إلى حكومة أغلبية وطنية، ويبدو أنَّ الصدرَ، لِحد هذه اللحظة، مُصِرٌّ على المُضيّ قدماً لتحقيقها أو الذهاب نحو المعارضة داخل البرلمان. في آخر لقاءات السيد الصدر، كان واضحاً وصريحاً، بأنَّ «الحَل الوحيد لإنقاذ العراق هو أن يكونوا حكومة أغلبية وأنا أكون لِلمعارضة، أو أنا أكون حكومة أغلبية وطنية وهم يكونون معارضة، أمّا أن اشترك بِخلطة العطار فأنا لم اشترك». وهنا تحديداً يمكن الرهان، في حال ثبات الصدر على هذا الموقف، على انتهاء صلاحية خلطة العطار التي كان تُحضر بإرادات خارجية وتجعل الكلَّ في السلطة والكلَّ في معارضة السلطة.
صراع الصدريين مع أحزاب المعارضة التي أتت مِن الخارج، هو صراع قديم-جديد، فهو يعكس مدى الخلاف في الرؤية السياسية والعلاقة مع المجتمع، فالصدرُ -رغم تذبذب مواقفه من الاحتجاجات الشعبية- لا يستطيع إلا أن يكون في أغلب المواقف منسجماً مع خطاب الاحتجاجات ويحاول الثبات على صورته النمطية باعتبارها امتداد لِرمزيةٍ دينية تعبّر عن مواقف الجمهور في مواجهة قوى السلطة.
أما العناوين السياسية التي مارست العملَ السياسي من خلال معارضتها للنظام السابق فهي لا ترتبط بعلاقة وثيقة مع الجمهور بحكم عملها خارج العراق وعدم معرفة الشارع بشخصياتها التي ثبتت حضورَها من خلال دخولها في منظومة السلطة. ولذلك عملت على تحصين نفسها من خلال تثبت ركائز منظومة العمل السياسي بما يضمن ديمومةَ بقاءها في دوائر السلطة والنفوذ، وأهملت توثيقَ علاقتها مع الجمهور، وتعالَت عليها في أغلب مواقفها وعملت على وفق نمط تفكيرٍ تقليدي ينظر إلى الجمهورِ مِن منظارٍ مَصلحي، وليس باعتباره مواطناً والأولَوية تكون في الاستجابة لمطالبهِ واحتياجاته.
الصدريون -على عكس القوى السياسية الشيعية الأخرى في العراق- يمثّلون أنموذجاً لجماعات الإسلام السياسي التي توظّف التحشيدَ العقائدي في التنافسِ السياسي، وتكون مناطق اشتغالها في هوامش المُدُن. ولذلك هي الأكثر نجاحاً في التوظيف السياسي لِجمهورها وتحويله إلى رقم صعب في المعادلة السياسية. ومن جانب آخر يشكّل الصدريون الضدَّ النوعي لِلفصائل المسلَّحة، وهنا تحديداً هم الطرف الذي يُحسَب له أكثر مِن حساب في التحذير من حربٍ شيعية- شيعية.
في حال ذهاب الصدريين إلى المعارضة ستكون الحكومةُ تحت المِجهَر، وتكون الصفقات بين الفرقاء السياسيين التي تشكلت على أساسها الحكومة في مواجهة حائط الصَّد الصدري في تمريرها وتنفيذها، لاسيما أن الذهاب نحو المعارضة يعني وجود عدد من النواب المستقلين ممكن أن توحّدهم مواقفُ المعارضة مع النواب الصدريين ويشكلون الثلث المعطَّل للاتفاقات التي تحاول الحكومةُ تمريرها في مشاريع الموازنة الاتحادية القادمة. فالمعارضة لن تكون معارضةً ديكورية وإنما معارضة فاعلة تستجوِب الوزراءَ على كلّ شاردةٍ وواردة.
مشكلة التيار الصدري لا تنحصر مع الفرقاء السياسيين، وإنّما مع شارعٍ مُتذمّر لم يعد يثق بكلّ الوعود والخطابات السياسية التي تتبخَّر مع أوّل اختبار حقيقي لِمصداقيتها وتحويلها إلى واقع ملموس، فالصدريون تبنّوا حكومةَ التكنوقراط (المستقلين) في حكومات العبادي وعبد المهدي والكاظمي، وهذه الحكومات استكملت مسيرةَ الفشل والفساد ولم تنتج تغيّراً في إدارة مؤسسات الدولة. ولذلك مسألة الثقة في الدعوةِ لحكومةِ الأغلبية مع أطراف سياسية مؤسسة وشريكة في جمهورية الفوضى قد تكون معركةً متعددة الجبهات، أهمّها الرغبة في إسقاط هذه الحكومة مِن قبل القوى المعارضة، وجبهة الجمهور الذي ينتظر الكثيرَ من الاستحقاقات على المستوى الاقتصادي والخَدَمي. والمعركة الأصعب في جبهة إيقاف تداعيات الفَساد وسوء الإدارة لِلسنوات الماضية. وكيفية تحقيق الانقلاب الوظيفي لِمنظومة الحكم التي أصبحت تقتصر على تحقيق مصالح الطبقة السياسية وإهمال مصالح الشعب.
سواء أكان الصدرُ هو مَن يشكّل حكومةَ الأغلبية أو يذهب إلى المعارضة، فالموضوع لا يقتصر على هذه الخيارات فقط. وإنما بالسلوك السياسي الذي يجب أن يَشرع الصدريون في تغييره، فحكومة الأغلبية لا تعني الاستئثار بالحكم أو تقاسم مغانم السلطة مع الشركاء القدماء-الجُدُد في هذه الحكومة. وهذه الحكومة إذا لم تتشكل على أساس مشروع واضح وخارطة طريق تريد استعادة الدولة وفاعلية النظام السياسي فالذهاب إلى المعارضة أفضل بكثير مِن حكومة أغلبية تتشكل على وفق صفقة يشترط فيها ضمان تحقيق مصالحهم الخاصة وليس المصلحة العامة.
مشكلةُ الصدر قد تكون مع الفرقاء السياسيين الشيعة باعتبارهم المسؤولين عن تسميه رئيس الحكومة، فهم لا يستطيعون الرضوخ لِمطالبته بحكومةٍ أغلبية؛ كونها تعني قبولَهم بشروطِ الصدر التي تهدد مناطقَ نفوذهم وهيمنتهم على الدولة ومواردها. ولا هم قادرون على شطبه وتجاهله؛ لأنَّه يمتلك المقاعد البرلمانية الأكثر عدداً. وإذا توجّه نحو المعارضة وشكّل تحالفاً معارِضاً داخل البرلمان واستند إلى سَخَطِ الشارع وتذمّره فإن أي حكومة تتشكل سوف تسقط في أوّل اختبار سياسي لها. ولا هم قادرون على التعامل معه بمنطق المصالح العامة، لأنَّ الصدرَ في المقابل لا يمكنه الذهاب نحو حكومة أغلبية بشراكة مع أطراف سياسية لا تتوافق معه بالحد الأدنى مِن الغاية من هذه الحكومة، وهي تحقيق الإصلاح كما يرفع شعارَه الصدريون! فالزعامات الكردية تعوّدوا على شراكةٍ في مغانم السلطة وتقاسم لاقتصاد الدولة ويصوّتون لِمَن يضمن مصالحَهم. أما القيادات السنية التي تصدّرت انتخابات أكتوبر/ تشرين الأول تبحث عن ضمان لتثبيت الواقع السياسي الجديد وبما يضمن توسيع دائرة نفوذها وترسيخ زعماتها، وهذا يحتاج إلى اتفاقات ماليّة وسياسية مع الطرف الذي سوف يشكّل الحكومة.
لذلك أعتقد أن حكومة مشروع إنقاذ وطني بشروط الصدر قد تكون أهم مِن الدعوة إلى حكومة أغلبية بتوافقات يفرضها الفرقاء السياسيون. فحكومةٌ يكون هدفُها الرئيس تحقيق مشروع استعادة الدولة ضمن خارطة طريقٍ واضحة المَعالم وبقيادات قادرة على تحمّل المسؤولية، هي الحَلّ في ظِلّ أزمة الصراع على البقاء في السلطة، وفي ظلّ أزمة الثقة بين شركاء سياسيين لا يؤمنون بالمصلحةِ العامة وإنقاذ النظام من تراكمات الفساد.

