متظاهر يحمل صورة لهتلر خلال احتجاج ضد اجتماع قادة الأحزاب اليمينية المتطرفة في أوروبا - يناير 2017
متظاهر يحمل صورة لهتلر خلال احتجاج ضد اجتماع قادة الأحزاب اليمينية المتطرفة في أوروبا - يناير 2017

يتشابه المستبدون عموماً، مع تمايزات بالطبع تعود للسمات الشخصية والاجتماعية والثقافة التي تحيط بكلٍ منهم. وستقيمون التشبيهات والمقارنات مع من تعيشون في ظله بأنفسكم. سأتتبع الصفات التي طبعت هتلر، انطلاقاً من رواية La part de l’autre لمؤلفه اريك- ايمانويل شميت، والذي عالج فيها شخصية أدولف هتلر. وافترض شخصية أخرى وبيوغرافيا مختلفة، فيما لو ان هتلر قُبِل في كلية الفنون في فيينا، وبالتالي لم يمرّ بفترة الضياع والبؤس التي عاشها لأربع سنوات.

يفترض أن ادولف. هـ، كما يسمي الشخصية الخيالية، يخضع للعلاج عند فرويد ويعفي البشرية من عصابه وجنونه فيصبح رساماً مشهوراً ورب عائلة. في نفس الوقت يسرد المحطات الأساسية في حياة هتلر الحقيقي؛ من منظار أفكار حنة أرندت عن الديكتاتور وتفاهة الشر التي استنتجتها من محاكمة آيخمن، أحد الضباط النازيين الذين نفذوا عمليات الهولوكوست، والذي أنكر مسؤوليته عن الجرائم أثناء محاكمته، بزعم أنه مجرد أداة، وأنه كان ينفذ الأوامر فحسب. وبذا يعتبر نفسه غير مذنب. أثارت تبريرات آيخمن ودفاعاته السؤال التالي في ذهن أستاذ علم النفس ستانلي ميلغرام: إلى أي مدى يمكن للإنسان العادي أن يمضي في تنفيذ أفعال شريرة إذا أُمر بذلك؟ وهذا ما دفعه إلى القيام بتجربته الشهيرة، والتي درس فيها سلوك الطاعة ومدى الانصياع للسلطة.

استنتج، كأرندت، أن العالم مليء بالشر لأنه مليء بالبشر العاديين الذين يخضعون للسلطة دون أي تساؤل، لأنهم يعتقدون أنهم يقومون بالواجب.

برأي ارندت، أن مشكلتنا مع اشباه "الموظف السفاح" آيخمن، تكمن في عاديته كالكثيرين ممن يشبهونه، ليسوا ساديين ولا يعانون شذوذاً، لكنهم أشخاصًا عاديّين إلى درجة رهيبة. أنهم مجرد مسوخ من إفراز الأنظمة التوتاليتارية. يمارسون جرائم قتل وإبادة جماعيّة، ليسوا لأنهم شريرين أو عنصريين، حتى أنهم يغفلون عن مدى خطورة أفعالهم، لأنّها أفعال تندرج في القوانين السائدة التي وضعتها الأنظمة الشموليّة. ولكثرتها وكثرة من يقومون بها، تصبح عادية ومقبولة. فهم يخضعون للقانون، الذي يوفّر لهم درعًا حامية "أخلاقية"، لأنها تحول المسألة من سؤال الضمير: مثل "هل ما أقوم به أخلاقيّ؟" إلى "هل ما أقوم به قانونيّ؟". وبهذا يحصلون على براءة ذمة. وهذا التمرين يطبق في لبنان ويجري إلزام القضاء به. فتشوّه القوانين وتصبح غطاء اخلاقياً وعذراً للخضوع لإرادة الديكتاتورية الحاكمة.

فمن هو هتلر الذي أقام هذا النظام الجهنمي؟ 

هتلر الفاشل والهارب من الجندية والذي التحق بالجيش الألماني صدفة، لعدم التدقيق بأوراقه، كي يجد سقفاً يأويه؛ قرر بعد تجربته في الجيش تعلم الصبر. رتب أفكاره: إذا كان الهدف الاستيلاء على السلطة، فهذا يتطلب تنظيم الوقت والقبول بما سيتطلبه طموحه. وسيصل إلى السلطة لاحقاً بالوسائل الشرعية. من أدوات الصنعة: الاستيلاء على خطاب العدو وتطبيقه باسمه. وليس مهماً الدخول في تفاصيل صفات العدو، المهم تعيين العدو، والشحن ضده.

بداية، استهان به الخصوم من الطبقة السياسية كمنافس غير خطر لأنه مختلف عنهم تماماً. يخضع للنشوة وللغضب ولفواصل هذيانية. لم يدركوا أنها حقبة، تعب فيها الناس من السياسات التقليدية، وأنهم يحبونه تحديدا لاختلافه، لأنه يقدم نفسه كعلاج وكمخلص – أنه الشافي شبه الإلهي الذي سينهض بالوطن. إنه كالنبي، كالشهيد، يحرق نفسه ويستهلكها لكي يشهد على الحق؛ يقنع مستمعيه أنه على استعداد للموت في سبيل الحقيقة!

عندما قُصفت ميونخ اهتم بالسؤال عن شقته، وارتاح لتضررها، فلسلامتها تأثير سيء على الجمهور. أما أعداد الجرحى والأموات، فلم تهمه؛ بل استحسن الأمر: فأهل ميونخ سيفهمون أن المانيا في حرب. تعليقه أن الانجليز قاموا عنهم بالعمل، لأنه كان سيتوجب هدم المباني في كل الأحوال لتجديد العمران بعد الحرب!!

حينها فهمت سكرتيرته، أن جنونه لا يأتي من الأفكار الغريبة، الكارهة للبشر أو المبالغ فيها، ولا حتى من تجاهله للعوائق الواقعية، بل من النقص المطلق في التعاطف مع الآخرين. فالبشر بالنسبة له موضع اشمئزاز وقرف، تعوزهم إرادته. الكائن الإنساني ليس سوى بكتيريا كونية.

تحول هتلر من شخص غير قادر على التكلم في مكان عام، إلى معلم خطابة، يستخدم الإيقاع ويقطّعه، خطبه حامية ونارية تشعل الهتافات، يتمكن من إشراك الجمهور بالانفعالات. يحول أقل اجتماع عام إلى سيرك. يستفز الجمهور فيلتهم الطعم، ويخلق الموالين له عفوياً.

دائما يلعب كل شيء أو لا شيء. كان يعرف كل الصفات التي ينعتونه بها: محرض، رأس مشتعل، ريفي اشتهر وسيُستهلك بسرعة، كابورال فظ لا يملك شيئا من صفات الزعيم. لكن ما يهمّه موقف الحشود التي يعبئها. استطاع إقامة عبادة حول شخصه. ففي حقبته التي انهارت فيها الملكية وبهت النظام البرلماني وبلغ نهايته، كانت الحاجة ماسة الى رجل قوي، قيصر آت من الشعب. فكيف إذا أصبح مبشراً بخطاب مسيحي!

استولى على خطاب الآخر. أن مواجهة الآريين واليهود هي مواجهة بين الله والشيطان. اليهودي هو مسخ الانسان، بعيد عن البشر كما الحيوان عن الانسان. صار بإمكانه أن يعتمد على الولاء غير المشروط لأناس مختلفين جدا، يخالط مجموعاتهم بشكل منفصل ويقيم معهم صلة فريدة، فيما يستخدمهم ضد بعضهم البعض. كان يخاطبهم: يجب أن تناضلوا معي، وتنتصرون معي. وإلا فتموتون معي.

كان يأمر بالقيام بما يلزم للتخلص من اليهود. لكنه لم يكن يريد الاطلاع على التفاصيل. يترك لضباطه القيام بالاهتمام بالتفاصيل ويظل بعيدا عن وعي، بأنه بذلك يورط الجميع بحيث لا يعود بإمكانهم التراجع. يوقعهم في فخه. المطلوب من الآخرين أن يكونوا: أما شركاء متواطئين أو ضحايا.

في معركة ستالينغراد، فكر البعض من حوله أن مئتا ألف قتيل ومئة وثلاثون ألف جريح تكفي كي يفهم أن المعركة خسرانة وأن الجنرال فون يولوس معه الحق بالحد من النزف. لكن أحدا لم يتجرأ على قول ذلك بصوت عال. أما هتلر فرفض الاستسلام واتهم الفيلد ماريشال بالخيانة والضعف والجنون: "هذا الرجل ليس لديه أي إرادة. أن قوة الإرادة! هي التي تصنع القدر والوطن! وهو ما فعلته خلال كل حياتي تعرّضت لأزمات وضعت إرادتي على المحك. لكن إرادتي برهنت دائما انها الأقوى.

بدأت تظهر في المدن كتابات: "هتلر كذاب"، "هتلر قاتل". وظهرت مجموعات مقاومة، من الأوساط المحافظة وهناك من حضّر لهجومات عليه. لذا امتنع عن اللقاءات العامة واكتفى بإقناع وترهيب القريبين منه. وبدأت الشائعات عن الشيخوخة المبكرة، ونوبات الجنون.

بزعم إرادته الصلبة، رفض القيام بمفاوضات من أجل السلم كما يريد بعض الألمان. مطلوب الحرب الشاملة والكلية! توجه إلى غوبلز: إذا تبين أن الشعب الألماني ضعيف، فهو لا يستحق إذن سوى الفناء بواسطة شعب آخر. لأنني لا يمكن ان أتعاطف معه. 

ظل يلقي تعليماته، من مخبئه سيئ التهوئة تحت الارض: لا للحل السياسي، ولا التفاوض، لا للاستسلام. سأقاتل طالما لدي جندي واحد. وعندما يتركني آخر جندي، سأطلق رصاصة في رأسي. أنا لا احمي نفسي، بل أحمي المانيا من عار هدنة كارثية.

أما حالته الجسدية فرثة، فلقد أصبح مجرد شبح من لحم، يجسد حال المانيا: محني الظهر، مضطرب الحركات لإصابته بباركنسون خفيف، يديه رخوتان، مذهول الهيئة، وجهه بلون التراب، يتكلم بصعوبة مع خيط لعاب يسيل على زاوية شفتيه. وحركته تسبب أوجاعا ثقيلة وأذنيه الصديديتين تنزفان.

وكان طبيبه يحشوه بالأدوية: منومات لينام، ومنشطات ليستطيع النهوض، وحبوب لتجميد خروجه وملينات للتبرز. كل وظائفه الحيوية كانت تحتاج إلى المساعدة. أصبح مدمناً ومسموم، صار هيكله خزانة صيدلاني مليئة بالمواد الكيميائة.

وحول مثل هذه التفاهات يلتف ملايين البشر.

قصر العدل في روما الذي يضم مقر محكمة الاستئناف العليا في إيطاليا (أرشيف)
قصر العدل في روما الذي يضم مقر محكمة الاستئناف العليا في إيطاليا (أرشيف)

بفضل العمل في عدة مؤسسات بحثية دولية، قُيض لكاتب هذه السطور أن يزور العاصمة الإيطالية روما عدة مرات خلال السنوات الماضية. حيث، وخلال كل زيارة من تلك، كانت العلاقة التي تربط سكان المدينة الحاليين بالذاكرة والتاريخ الأقدم للمدينة مثار غرابة وإعجاب على الدوام. بالضبط من حيث ما هم عليه من غنى ووصال وفاعلية في علاقتهم من مدينتهم القديمة. 

كان يحدث ذلك، مقابل العوز والمتاركة والقطيعة التي كان كاتب هذه السطور عليها، في علاقته العقلية والوجدانية والثقافية مع الحاضرة التاريخية التي ولد وعاش بين ثناياها. هو المتأتي من مكان كان يوماً عاصمة إمبراطورية تاريخية كبرى، شبيهة بروما نفسها، من قرية موزان شمال شرقي سوريا، التي تضم رفاة مدينة أوركيش التاريخية، التي كانت عاصمة المملكة الحورية القديمة. 

فأبناء مدينة روما الحاليون، وبمختلف أجيالهم، يعيشون المدينة القديمة وكأنها شيء حاضر وحيوي في تفاصيل حياتهم الراهنة. كانت روما القديمة، ولا تزال، ذات وجود متدفق في روما الراهنة، وفي أكثر من مستوى: عمارتها القديمة جزء مشهدي لا يمكن غض الطرف عنه في كل تفاصيل المدينة الحالية، بما في ذلك داخل بيوت سكانها، وسيرة التوأمين اللذين أسسا المدينة كثيفة في الذاكرة الجمعية، ومرويات حُقب المدينة القديمة وحكاياتها الشهيرة ومراحل تحولها الرئيسية جزء من الآداب والمناهج التربوية التي تنتجها المدينة الحديثة. وإلى جانب ذلك، ثمة متاحف وتماثيل مرئية ومنتجات تقنية وأنواع كثيرة من الآداب والفنون التي يفرزها الحاضرون يوماً، مبنية كلها وذات علاقة وثيقة مع ما كانت عليه المدينة القديمة، حيث إن السكان الحاليون في باطن وعيم يتصورون أنفسهم كامتداد روحي وثقافي وتاريخي لما كانت عليه روما القديمة.  

يحدث كل ذلك، في وقت لا يعاني فيه سكان روما الحاليون مع أية مشكلة أو صِدام مع الحداثة، بكل منتجاتها وأدوات فعلها ونوعية التفكير وأشكل السلوك التي تنفرز عنها. بل على العكس تماماً، يبدو الحضور الكثيف للمدينة التاريخية وذاكرتها في حاضر السكان، وكأنه أهم مصادر الغنى والحيوية للسكان، ما لم نقل الثقة بالذات، التي تنتج ممرات للاعتراف بالآخر وفسحة لطراوة الوجدان والمخيلة، تلك الأشياء التي تمنح السكان الحاليين قوة وجدانية وعقلية للانخراط كل اشكال الحداثة.  

على الدفة الأخرى، فإن كاتب السطور لم يسبق له أن عرف شيئاً عن العاصمة التاريخية القديمة التي ولد، هو وأبوه وجده وكامل أفراد عائلته، على بُعد عدة مئات من الأمتار منها. لم يعرف حتى اسمها التاريخي ولا مؤسسها ولا الحاضرة والمضامين التي كانت عليه هذه المدينة التاريخية. ليس هو فحسب، بل كامل الفضاء الاجتماعي والثقافي والإنساني المحيط بذاك المكان، الذين كانت تلك الحاضرة على الدوام واحدة من أكبر مجاهيل الحياة وأكثرها غموضاً بالنسبة لهم. 

فما عرفته شخصياً عن هذه المدينة القديمة، وبعد سنوات كثيرة من العيش بالقرب منها والمرور اليومي بها، كان بفعل فضول استثنائي ومهني خاصٍ جداً، لم يكن متوفراً إلا للقليلين. تلك المدينة التي كانت حاضرة عمرانية وثقافية وتجارية طوال آلاف السنين، عاصمة للملكة الحورية لوقت طويل، ثم صارت جزءا من الفضاء السياسي والإنساني لممالك "أكاد" ومن بعدهم "ماري"، تحوي قصوراً ومعابداً وأسواقاً ونصوصاً وتماثيل ومنتجات تاريخية لا تُقدر بثمن، لها سيرة وتاريخ وشخصيات ومنتجات أدبية ودينية وثقافية هائلة، كانت يوماً منارة إنسانية لقرابة ربع العالم.   

كل ذلك كان مجهولاً كبيراً لكل البشر المحيطين بالمكان، ولا يزال. وحدهم أعضاء بعثات التنقيب الأجنبية كانوا يعرفون ما بداخل ذلك المكان/الحاضرة، هؤلاء الذين كانوا محاطين بسور فعلي وآخر أمني، يعملون بصمت داخل مكاتبهم، يستخرجون الآثار ويجرون الدراسات بلغاتهم الأجنبية، ولا يجدون وقتاً ومعنى لأن يشرحوا ويفسروا للسكان المحيطين ما يعثرون عليه ويكتشفونه داخل المدينة. حتى أن بعض السكان المحليين، الذين كانوا يعملون كعمال سخرة لدى أعضاء تلك البعثات، أنما كان ممنوعاً عليهم مسّ أي شيء تاريخي قد يجدونه أثناء عمليات النبش والتنقيب.  

لم تكن تلك القطيعة على المستوى المادي فحسب، فجهل السكان بالمكان ومحتوياته وسيرته، كان استعارة كبرى عن قطيعة هؤلاء مع التاريخ نفسه، وتالياً مع جزء من ذواتهم وخصائصهم، ككائنات تملك خاصية متمايزة عن باقي المخلوقات، على مستوى العلاقة مع الذاكرة والتاريخ الأبعد مما هو حاضر راهناً. وتالياً ككائنات خُلقت وراكمت مجموعة كبرى من المنتجات والذواكر والأفكار والقيم والآداب والتجارب، التي تشكل بمجموعها المصدر الأولي والدائم للثراء الإنساني.  

فما كان خاصاً بالبقعة التي نشأ فيها كاتب هذه السطور، كان يمتد لأن يكون ظاهرة عامة في كل مكان آخر. فكامل شمال شرق سوريا كان قائماً على بحر من الحواضر التاريخية القديمة، تحوي سهوبه كنوزاً من الآثار والمنتجات الإنسانية، لكنها جميعاً كانت عوالم مجهولة تماماً بالنسبة للسكان، غير حاضرة أو ذات معنى في الذاكرة الجمعية، لا يتم تداولها في المناهج التربوية وليس لها من قيمة في المنتجات الأدبية والثقافية والفنية والسياحية لأبناء المكان، ولا فاعلية لها في الضمير والمخيلة والعقل العام.  

يمتد ذلك الأمر ليشمل سوريا كلها، ومنها بنسب مختلفة لكل بلدان منطقتنا، الذين، ولغير صدفة، يعيشون صداماً ورفضاً للغالب الأعم من ظواهر ومنتجات الحداثة، المرابطين في خنادق المركزية والمحافظة والماضوية.  

من تلكم الثنائية، تبدو العلاقة الثنائية شديدة الوضوح، بين مجتمعات سائلة، تعتبر نفسها جزءا حيوياً من تاريخ قديم ومتقادم، منتج ومراكم لكل أنواع الثراء الإنساني، وأخرى تعتبر نفسها يتيمة، ولدت للتو كجيل أول ووحيد، ليس لها في التاريخ أي ثراء، خلا بعض حكايات الذكورة الرعناء، عن البطولة والحروب ومفاخرها، وتالياً لا تنتج إلا شيئاً واحداً: العصبيات الخالية من أية قيمة.