بشار الأسد - الجولان - مظاهرة
"تطبيع العلاقات العربية والدولية مع نظام الأسد وإعادة تأهيله تعني مسامحة جرائم بشار الأسد ضد شعبه"

خلال الخمسين سنة الماضية تعاقب على حكم بعض الدول العربية طغاة حكموا بالسيف وارتكبوا جرائم ضد الإنسانية وعاثوا في بلادهم الخراب وحولوا بلدانهم إلى أرض يباب. 

بعضهم قتلوا بالسيف الذي حكموا به: صدام حسين، علي عبدالله صالح ومعمر القذافي، وبعضهم غيبهم المرض وهم في السلطة مثل حافظ الأسد، أو خلع من الحكم مثل عمر البشير الذي تسعى المحكمة الجنائية الدولية إلى محاكمته بتهم ارتكاب جرائم إبادة جماعية وجرائم ضد الإنسانية في دارفور.

خلال حكمه الطويل، غزا صدام حسين دولتين جارتين خلال عقد من الزمن: إيران والكويت، وتسبب بحربين مكلفتين، ومارس القتل الجماعي ضد شعبه بما في ذلك استخدام الأسلحة الكيماوية ضد الأكراد العراقيين. 

صدام أعطى العراق اسم "جمهورية الخوف" خلال حكمه الدموي، واحتل المركز الأول في نادي طغاة العرب، إلى أن خلفه على هذا العرش الراسخ على قمة هرم من الجثث بشار الأسد، وهو الطاغي العربي المعاصر الوحيد الذي يستطيع أن يقول إنه استخدم كل سلاح متاح في ترسانته ضد شعبه خلال عقد من الزمن حوّل خلاله سوريا إلى أرض محروقة، ما أدى إلى قتل نصف مليون سوري وتشريد واقتلاع حوالي عشرة ملايين مواطن. 

بشار الأسد، المنبوذ دوليا والمسؤول الأول بين مجموعة من الأطراف الدموية التي ساهمت في نحر السوريين مثل "الدولة الإسلامية" (داعش) وجبهة النصرة، وإيران وروسيا وتركيا وحزب الله، يجد نفسه الآن على مشارف العودة إلى "الحظيرة العربية" وإلى حد أقل إلى ما يسمى "المجتمع الدولي" على خلفية التسليم الإقليمي والدولي المتزايد بأنه باق في السلطة في المستقبل المنظور على الأقل، وأنه حافظ على وحدة سوريا ولو نظريا، على الرغم من أن أراضي سوريا خاضعة لاحتلال أو سيطرة جيوش إسرائيلية وتركية وإيرانية وأميركية.  

في السنوات الماضية، بدأت دول عربية وأوروبية سيرها البطيء على طريق دمشق. في 2018، افتتحت  دولة الإمارات العربية المتحدة سفارتها في دمشق واستأنفت المساعدات الإنسانية وغيرها إلى سوريا، ولحقتها البحرين والأردن، وقامت عمان بإعادة سفيرها إلى دمشق. 

وفي الثالث من أكتوبر الماضي، جرى اتصال هاتفي بين العاهل الأردني، الملك عبدالله الثاني، وبشار الأسد، هو الأول بعد عشر سنوات من دعوة العاهل الأردني للرئيس السوري بالتنحي عن السلطة. 

وفي التاسع من نوفمبر، قام وزير خارجية الإمارات، الشيخ عبدالله بن زايد، بزيارة دمشق واجتمع بالأسد في خطوة رئيسية باتجاه التطبيع الكامل للعلاقات بين البلدين. 

وفي اليوم التالي دعا وزير خارجية الجزائر، رمطان لعمامرة، إلى عودة سوريا إلى جامعة الدول العربية. وقال إن بلاده التي ستستضيف الاجتماع المقبل للجامعة، في شهر مارس المقبل، تتطلع إلى إجماع عربي بهذا الشأن.

 وكان وزير خارجية مصر، سامح شكري، قد اجتمع بنظيره السوري، فيصل مقداد، على هامش أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة.

وعلى الرغم من تبادل الزيارات بين مسؤولين سوريين وسعوديين إلا أن الرياض لم تعد فتح سفارتها في دمشق، ويعتقد أن عودة سوريا إلى جامعة الدول العربية لن تكون ممكنة دون موافقة مصر والسعودية. 

وعلى الرغم من وجود قرارات من الاتحاد الأوروبي تدين النظام السوري، إلا أن دولا مثل بلغاريا وهنغاريا واليونان وقبرص قد أعادت فتح سفاراتها في دمشق، وإن أبقت تمثيلها على مستوى القائم بالأعمال. 

الدول العربية التي تسعى إلى تطبيع العلاقات مع سوريا، دون الإصرار كشروط مسبقة على بدء عملية إصلاح سياسي حقيقية أو حتى إجراءات مثل إطلاق سراح سجناء سياسيين، تبرر موقفها بالقول إنها تريد أن تساعد سوريا على الإفلات من النفوذ الإيراني ومساعدتها على التصدي للاحتلال التركي واحتواء القوى الإسلامية التي تسيطر على مدينة إدلب ومحيطها.

كما تقول هذه الدول إنها تريد احتواء مضاعفات حروب سوريا الاقتصادية والاجتماعية على جيرانها، مثل الأردن والعراق ولبنان وخاصة أعباء اللاجئين، كما يتبين من جهود مصر والأردن توفير الطاقة الكهربائية إلى لبنان.

يعكس ذلك أيضا قلق بعض دول المنطقة من الانحسار التدريجي للانتشار العسكري الأميركي، ومعه انحسار الاهتمام السياسي النسبي بالمنطقة، والأهم من ذلك عدم معارضة واشنطن، بشكل علني وفعلي، لمساعي تطبيع العلاقات العربية مع نظام الأسد، هي التي تفسر هذه الظاهرة.  

يؤكد المسؤولون في إدارة الرئيس بايدن أن الولايات المتحدة ستواصل تمسكها بمقاطعة نظام الأسد سياسيا واقتصاديا، وهذا ما أوضحه وزير الخارجية، أنطوني بلينكن، قبل أسابيع حين قال إن سياسة واشنطن في سوريا تهدف إلى مواصلة المساعدات الإنسانية، والتصدي لتنظيم (داعش) وإبقاء الضغوط على نظام الأسد ودعم اتفاقات وقف إطلاق النار المحلية.

وأضاف "ما لم نفعله، وما لا نعتزم فعله، هو إظهار أي دعم للجهود الرامية إلى تطبيع العلاقات أو إعادة الاعتبار للأسد، أو إلغاء أي عقوبة ضد سوريا أو تغيير موقفنا من معارضة إعادة البناء في سوريا، إلا في حال حدوث تقدم غير قابل للإلغاء باتجاه الحل  السياسي". 

ولكن هذا الموقف الأميركي الرسمي لم يترجم إلى معارضة علنية أو فعلية لمحاولات التطبيع العربية مع نظام الأسد. كما أن رغبة واشنطن بمساعدة الدول العربية المتضررة من  الأزمة السورية مثل الأردن ولبنان دفعتها للإعلان بأنها لن تستخدم العقوبات المفروضة على التعامل الاقتصادي مع سوريا وفقا "لقانون قيصر" لمعاقبة مصر والأردن في سعيهما لإيصال إمدادات الطاقة من مصر عبر سوريا إلى لبنان.

إذا، هناك معارضة أميركية مبدئية ونظرية للتطبيع مع نظام الأسد في سوريا، ولكن واشنطن لن تترجم هذه المعارضة في نقد علني أو في إجراءات عملية ضد الأطراف التي تسعى للتطبيع السياسي مع سوريا. 

ويقول السفير الأميركي السابق في سوريا  والدبلوماسي المخضرم، كريستوفر روس، في مقابلة خاصة: "قال بريت ماكغورك، منسق شؤون الشرق الأوسط في البيت الأبيض إن إدارة الرئيس بايدن لا تعتزم السعي إلى تغيير الأنظمة في الشرق الاوسط. ونظام الأسد هو امتحان لهذا الموقف".

ويضيف روس "لقد حاولنا خلال عقد من الزمن إيجاد بديل، ولكن الحقيقة المرّة أن الأسد وقواته، بممارساتها الوحشية ومؤيديه العرب وغيرهم، هم اللاعبون الوحيدون القادرون على المضي إلى ما وراء سفك الدماء والحفاظ بشكل أو بآخر على وحدة سوريا، والبدء بإعادة بناء اقتصادها المدمّر" ويرى السفير روس أن "هذه الواقعية تتطلب وتفسر رغبة دول عربية وغير عربية باتخاذ خطوات لاستئناف العلاقات مع بشار الأسد". 

ولكن هذه الحقيقة المرّة تشمل أيضا أن تطبيع العلاقات مع نظام الأسد، يعني التعايش مع نظام مارس القتل الجماعي وارتكب جرائم ضد الإنسانية، كما أن مثل هذه الأنظمة غير قابلة لتغيير أساليبها. وحتى إذا لم تعد هناك أعمال قتل جماعي في سوريا، فإن الطبيعة القمعية لنظام الأسد سوف تبقى كما هي، لأنه غير قادر على الاستمرار في السلطة دونها. 

إعادة سوريا إلى "الحظيرة العربية" لن يؤدي بالضرورة إلى تقليص النفوذ الإيراني بشكل جذري في سوريا، لأنه نفوذ وصل إلى مختلف أوجه الحياة السياسية والاقتصادية والمذهبية والثقافية في سوريا.

 ويمكن القول إن تدخل إيران وحزب الله أنقذ نظام الأسد من السقوط في بداية الانتفاضة المسلحة، ولاحقا ساهم  التدخل الروسي في تعزيز ديمومة النظام.

وعودة الدول العربية إلى دمشق دبلوماسيا لن تساهم في إنهاء الاحتلال التركي لشمال سوريا، وهذا الاحتلال مرشح للبقاء في المستقبل المنظور.

أما مسألة إعادة إعمار سوريا والاستثمار في عملية إعادة البناء، فهذه أهداف لن تتحقق في أي وقت قريب، في غياب المستثمرين الأجانب، والغربيين تحديدا، مع استمرار العقوبات الأميركية.

تطبيع العلاقات العربية والدولية مع نظام الأسد وإعادة تأهيله تعني مسامحة جرائم بشار الأسد ضد شعبه وهي جرائم مستمرة، ودماؤها لم تجف حتى الآن. 

قصر العدل في روما الذي يضم مقر محكمة الاستئناف العليا في إيطاليا (أرشيف)
قصر العدل في روما الذي يضم مقر محكمة الاستئناف العليا في إيطاليا (أرشيف)

بفضل العمل في عدة مؤسسات بحثية دولية، قُيض لكاتب هذه السطور أن يزور العاصمة الإيطالية روما عدة مرات خلال السنوات الماضية. حيث، وخلال كل زيارة من تلك، كانت العلاقة التي تربط سكان المدينة الحاليين بالذاكرة والتاريخ الأقدم للمدينة مثار غرابة وإعجاب على الدوام. بالضبط من حيث ما هم عليه من غنى ووصال وفاعلية في علاقتهم من مدينتهم القديمة. 

كان يحدث ذلك، مقابل العوز والمتاركة والقطيعة التي كان كاتب هذه السطور عليها، في علاقته العقلية والوجدانية والثقافية مع الحاضرة التاريخية التي ولد وعاش بين ثناياها. هو المتأتي من مكان كان يوماً عاصمة إمبراطورية تاريخية كبرى، شبيهة بروما نفسها، من قرية موزان شمال شرقي سوريا، التي تضم رفاة مدينة أوركيش التاريخية، التي كانت عاصمة المملكة الحورية القديمة. 

فأبناء مدينة روما الحاليون، وبمختلف أجيالهم، يعيشون المدينة القديمة وكأنها شيء حاضر وحيوي في تفاصيل حياتهم الراهنة. كانت روما القديمة، ولا تزال، ذات وجود متدفق في روما الراهنة، وفي أكثر من مستوى: عمارتها القديمة جزء مشهدي لا يمكن غض الطرف عنه في كل تفاصيل المدينة الحالية، بما في ذلك داخل بيوت سكانها، وسيرة التوأمين اللذين أسسا المدينة كثيفة في الذاكرة الجمعية، ومرويات حُقب المدينة القديمة وحكاياتها الشهيرة ومراحل تحولها الرئيسية جزء من الآداب والمناهج التربوية التي تنتجها المدينة الحديثة. وإلى جانب ذلك، ثمة متاحف وتماثيل مرئية ومنتجات تقنية وأنواع كثيرة من الآداب والفنون التي يفرزها الحاضرون يوماً، مبنية كلها وذات علاقة وثيقة مع ما كانت عليه المدينة القديمة، حيث إن السكان الحاليون في باطن وعيم يتصورون أنفسهم كامتداد روحي وثقافي وتاريخي لما كانت عليه روما القديمة.  

يحدث كل ذلك، في وقت لا يعاني فيه سكان روما الحاليون مع أية مشكلة أو صِدام مع الحداثة، بكل منتجاتها وأدوات فعلها ونوعية التفكير وأشكل السلوك التي تنفرز عنها. بل على العكس تماماً، يبدو الحضور الكثيف للمدينة التاريخية وذاكرتها في حاضر السكان، وكأنه أهم مصادر الغنى والحيوية للسكان، ما لم نقل الثقة بالذات، التي تنتج ممرات للاعتراف بالآخر وفسحة لطراوة الوجدان والمخيلة، تلك الأشياء التي تمنح السكان الحاليين قوة وجدانية وعقلية للانخراط كل اشكال الحداثة.  

على الدفة الأخرى، فإن كاتب السطور لم يسبق له أن عرف شيئاً عن العاصمة التاريخية القديمة التي ولد، هو وأبوه وجده وكامل أفراد عائلته، على بُعد عدة مئات من الأمتار منها. لم يعرف حتى اسمها التاريخي ولا مؤسسها ولا الحاضرة والمضامين التي كانت عليه هذه المدينة التاريخية. ليس هو فحسب، بل كامل الفضاء الاجتماعي والثقافي والإنساني المحيط بذاك المكان، الذين كانت تلك الحاضرة على الدوام واحدة من أكبر مجاهيل الحياة وأكثرها غموضاً بالنسبة لهم. 

فما عرفته شخصياً عن هذه المدينة القديمة، وبعد سنوات كثيرة من العيش بالقرب منها والمرور اليومي بها، كان بفعل فضول استثنائي ومهني خاصٍ جداً، لم يكن متوفراً إلا للقليلين. تلك المدينة التي كانت حاضرة عمرانية وثقافية وتجارية طوال آلاف السنين، عاصمة للملكة الحورية لوقت طويل، ثم صارت جزءا من الفضاء السياسي والإنساني لممالك "أكاد" ومن بعدهم "ماري"، تحوي قصوراً ومعابداً وأسواقاً ونصوصاً وتماثيل ومنتجات تاريخية لا تُقدر بثمن، لها سيرة وتاريخ وشخصيات ومنتجات أدبية ودينية وثقافية هائلة، كانت يوماً منارة إنسانية لقرابة ربع العالم.   

كل ذلك كان مجهولاً كبيراً لكل البشر المحيطين بالمكان، ولا يزال. وحدهم أعضاء بعثات التنقيب الأجنبية كانوا يعرفون ما بداخل ذلك المكان/الحاضرة، هؤلاء الذين كانوا محاطين بسور فعلي وآخر أمني، يعملون بصمت داخل مكاتبهم، يستخرجون الآثار ويجرون الدراسات بلغاتهم الأجنبية، ولا يجدون وقتاً ومعنى لأن يشرحوا ويفسروا للسكان المحيطين ما يعثرون عليه ويكتشفونه داخل المدينة. حتى أن بعض السكان المحليين، الذين كانوا يعملون كعمال سخرة لدى أعضاء تلك البعثات، أنما كان ممنوعاً عليهم مسّ أي شيء تاريخي قد يجدونه أثناء عمليات النبش والتنقيب.  

لم تكن تلك القطيعة على المستوى المادي فحسب، فجهل السكان بالمكان ومحتوياته وسيرته، كان استعارة كبرى عن قطيعة هؤلاء مع التاريخ نفسه، وتالياً مع جزء من ذواتهم وخصائصهم، ككائنات تملك خاصية متمايزة عن باقي المخلوقات، على مستوى العلاقة مع الذاكرة والتاريخ الأبعد مما هو حاضر راهناً. وتالياً ككائنات خُلقت وراكمت مجموعة كبرى من المنتجات والذواكر والأفكار والقيم والآداب والتجارب، التي تشكل بمجموعها المصدر الأولي والدائم للثراء الإنساني.  

فما كان خاصاً بالبقعة التي نشأ فيها كاتب هذه السطور، كان يمتد لأن يكون ظاهرة عامة في كل مكان آخر. فكامل شمال شرق سوريا كان قائماً على بحر من الحواضر التاريخية القديمة، تحوي سهوبه كنوزاً من الآثار والمنتجات الإنسانية، لكنها جميعاً كانت عوالم مجهولة تماماً بالنسبة للسكان، غير حاضرة أو ذات معنى في الذاكرة الجمعية، لا يتم تداولها في المناهج التربوية وليس لها من قيمة في المنتجات الأدبية والثقافية والفنية والسياحية لأبناء المكان، ولا فاعلية لها في الضمير والمخيلة والعقل العام.  

يمتد ذلك الأمر ليشمل سوريا كلها، ومنها بنسب مختلفة لكل بلدان منطقتنا، الذين، ولغير صدفة، يعيشون صداماً ورفضاً للغالب الأعم من ظواهر ومنتجات الحداثة، المرابطين في خنادق المركزية والمحافظة والماضوية.  

من تلكم الثنائية، تبدو العلاقة الثنائية شديدة الوضوح، بين مجتمعات سائلة، تعتبر نفسها جزءا حيوياً من تاريخ قديم ومتقادم، منتج ومراكم لكل أنواع الثراء الإنساني، وأخرى تعتبر نفسها يتيمة، ولدت للتو كجيل أول ووحيد، ليس لها في التاريخ أي ثراء، خلا بعض حكايات الذكورة الرعناء، عن البطولة والحروب ومفاخرها، وتالياً لا تنتج إلا شيئاً واحداً: العصبيات الخالية من أية قيمة.