جامع الأزهر - مصر - القاهرة - عيد الفطر
"تقييم وطأة الحركات الإسلامية كان أكثر اضطراباً في أمس هو اليوم غابر"

بعد أن تقدمت الحركات السياسية الإسلامية إلى الواجهة، في أعقاب تراجع الطروحات القومية واليسارية في المحيط العربي، سعت مراكز الأبحاث في الغرب، وما يتعداه، إلى إيجاد السبل لاستيعاب العلاقة بين الدين والسياسة في السياق الإسلامي عامة، والعربي خاصة، لمعالجتها، لمواجهتها، لفضّها.

ليس في الأمر ما يريب بالضرورة. لا شك أن قسماً هاماً من هذه المساعي كان ولا يزال يهدف إلى معالجة تداعيات البروز الديني السياسي الإسلامي العربي على الدول الغربية وشركائها في المنطقة، ولا سيما على إسرائيل.

غير أن ذلك لا يعني حتماً أن المقصود هو الأذى والعداء. بل أن معظم التقييم الصادر عن جهود البحث هذه يرى في الجموح الديني المسيّس سبباً مباشراً لخراب المجتمعات العربية والإسلامية التي يزعم الانتصار لها، مع ما يصاحب ذلك من الإضرار بمصالح الدول الغربية، والتضييق على إسرائيل.

مجدداً، وكي لا يكون في الموضوع أي إبهام: بما يقارب الإجماع، الرأي السائد الغالب في الغرب اليوم لدى كافة من نظَر في مسألة صعود التوجهات الإسلامية بعد سقوط القومية واليسار، هو أن هذه التوجهات آيلة إلى الفشل الذريع، وأنه ليس لديها مضامين ذات قيمة، سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية، تقدمّها لمجتمعاتها، بل هي مشاريع تشتيت وتدمير، قاصرة، واهمة، ساقطة. ولكنها، إذ تعيث بأهلها فساداً وخراباً، من شأنها الإضرار بالاستقرار العالمي وبالمصالح الغربية وبحسن حال إسرائيل، ولو إلى حين.

جهود تبين البدائل، ووسائل التلطيف والإخماد، ليست بالتالي وليدة "رعب" من إسلام منتصر، أو "حسد"، لأن الإسلام دين الحق البيّن هو بعهدة آخرين (ليس واضحاً ما الذي يمنع عندها من اعتناقه)، بل هي وحسب من باب درء الشرّ المزعج من جهة، وشفقة على المسلمين وغيرهم من الذين قُدّر لهم تحمل أوزار هذه الحركات إذ تسير بهم حتماً إلى الهاوية.

تقييم وطأة الحركات الإسلامية كان أكثر اضطراباً في أمس هو اليوم غابر. يوم كان الخطر الكامن في الحركات الإسلامية لا يزال مبهم الملامح، ويوم كانت نظم احتواء هذا الخطر والتحصين إزاءه غير مكتملة، انصبت الجهود باتجاه إيجاد مقاربة لتنفيس زخم الحركات الإسلامية من منطلق ديني عقدي فكري.

من هنا كان الكلام عن "تجفيف المنابع"، والحديث عن "الإسلام المعتدل"، والسعي إلى اعتماد "الوسطية" في مواجهة السلفية، واستدعاء "الأزهرية" و"الصوفية" وسائر المصادر الصناعية القائمة والمستحدثة، والمطالبة بتعديل المناهج الدراسية، وغيرها من الأفكار التي تشترك بفرضية واهية، هي أن الجمهور مادة قابلة للتطويع دينياً بمجرد ترويج الكم والنوع المناسبين من الطروحات.

ثمة فصول تاريخية، هنا وهناك، اقترب معها هذا التصور من صحّته. نشأة العديد من الديانات كانت من هذا القبيل. إلا أن هذه الفصول نادرة، وليس ما يشير إلى أن أحدها على وشك التحقق. غير أن هذه الندرة لا تعترض الوهم النخبوي الذي يظهر بأحد أشكال ثلاثة:

إما أبوية فوقية تقرّر للعامة ما هو صالحها، ولا تتوانى عن الاصطفاف مع الاستبداد، كما الفقهاء في بلاط السلطان، طمعاً بتحقيق ما هي عاجزة عنه دون قبضة الحديد، أي وضع رؤيتها موضع التطبيق. وحظوط هذه للإنجاز معدومة، إلا من خدمات تمنحها للاستبداد، من حيث تدري وتبغي، ومن حيث لا تدري ولا تبغي.

أو استعلائية منقطعة عن العامة تشتمهم لغبائهم ولعجزهم عن الارتقاء، أي لتخلّفهم عن إدراك عظمة رؤيتها، منكفئة عن السلطان، لتقتصر على تداول الأفكار في أوساط تشبهها، وعلى الشهادة للتاريخ.

أو تدريجية تدليسية تبحث عن إيجاد المزيج السحري الذي من شأنه أن يفطم العامة من إدمانها على الدين غير المنسجم مع القناعات التي رسا عليها الفكر المتقدم.

يشترك بعض المفكرين النخبوين مع الإسلاميين بقناعة أن العوام مأزومون بإيمانهم ودينهم، وأن مفتاح حل الأزمة هو بما لديهم من إصلاح وتجديد، وأنه يكفي وحسب أن تتوفر لهم الموارد، تمويلاً أو تمكيناً، ليدخل الناس في رؤيتهم أفواجاً.

ليس الأمر كذلك البتة. دين الناس ليس غشاءاً هشاً يتبدل بحجم الاستثمار. وإذا كان ثمة قبول للسلفية أو الجهادية، أو الإلحاد (والإلحاد مذهب إسلامي معاصر)، فمن شأن ضخ الأموال الهادفة أن يشكل إبرازاً للقبول لا أن يتسبب به.

قد لا يكون التوجه الغربي اليوم مبنياً على قراءة مشابهة للمناعة الدينية لدى المجتمعات المسلمة، إزاء الدعوات السياسية الإسلامية ونقيضها على حد سواء، غير أن التوجه العملي لجهود التواصل الغربي مع هذه المجتمعات قد انتقل في العقد المنصرم من السعي إلى التأثير الفكري عليها إلى العمل على احتواء ما قد تنتجه من أسباب أذى.

فعلياً وعملياً، الغرب على وجه الإجمال قد تخلى عن وظيفة التصدي الفكري للحركات الإسلامية وإصلاح الإسلام "من الداخل"، تاركاً خوض غمار هذه المهمة العويصة لمن شاء من حكام الدول الإسلامية.

على أنه في الغرب، كما في الشرق، من يثابر على خوض المعركة بمنهجية الأمس، لقناعته العملانية بجدواها، وإن على خلاف مع الغالبية، من باب عدم التسليم بالفشل، أو لتجاوز التزامه بها الوجه العملي ليبلغ الأبعاد العقائدية.

أي أنه بالفعل، في بعض الأوساط التبشيرية وغيرها، من يمنّي نفسه بإمكانية كسب المسلمين للمسيح، مهما كان الشكل والذريعة، من "الإسلام العيسوي" إلى "الإبراهيمية" مروراً بـ "وصايا نوح"، وفي بعض الأوساط "التنويرية" من يتمنى عتق المسلمين من عبودية النقل، وإن تحت مسمّى "القرآنية" ومكافحة السلفية. ولكن الحقيقة الواقعة هي أن احتمالات نجاح هؤلاء كافة هي بالفعل "أضغاث أحلام"، نظراً للمناعة لدى الجمهور إزاء دعوات التبديل الديني.

في مقال سابق، اقترحتُ أن "الإبراهيمية" مصطلح يجوز أن يسقط على ثلاث ظواهر: (١) دعوة معنوية بأبعاد أخلاقية ودينية، وهي ذات نوايا حسنة إنما بأقدار من التسطيح، (٢) مجموع مبادرات سياسية الطابع، تستدعي "المشتركات الإبراهيمية" دون اعتبار جدي لاختلاف مضامينها، فتأتي بمضمون مغرِض وإن عن غير عمد، (٣) قراءة للظاهرتين السابقتين من وجهة نظر تفترض تماهيمهما ضمن مؤامرة.

ما أشار إليه شيخ الأزهر، ووافقته عليه الكنيسة القبطية، هو حالة مشتقة من ثالث هذه التجليات، لا تكاد أن تتجاوز الضجة الإعلامية.

يمكن إدراج موقف الأزهر والكنيسة ضمن دائرة الحيطة. ولكن عند التقصي بشأن ظاهرة يزعم لها أنها "دين جديد"، كما أنه يتوجب تجنب الغفلة الموصلة إلى التفريط، فإنه لا بد من تجنب الوهم المودي إلى الإفراط.

ليس ثمة "ديانة إبراهيمية". لم يدعُ أحدٌ إلى الخروج من الإسلام والمسيحية واليهودية والدخول بدين "إبراهيمي" جديد. لا حاجة لإدانتها، ولا جدوى من التنويه بها. بل لا بد من مراعاة السياقات والقدرات والمناعات عند اعتبار "الخطر" المزعوم، ولا بد من التمييز بين التأملات والأفكار والمبادرات والطموحات، واختلاف أوزانها ومقاديرها، عند نسج رواية تبدو لناسجها أنها "مؤامرة" فعلية، فيما هي لا تتعدى أن تكون لمن استعرضوا أوجهاً منها كجزء من حل لمشكلة لا يحيطون بها، على قصورهم وعجزهم ومهما انتفخت طموحات البعض منهم، إلا مغامرة كلامية.

المنطقة تواجه مخاطر حقيقية عميقة، مادية في أمنها المائي والغذائي، في بيئتها واقتصادها وتزايد سكانها، ومعنوية في انحلال نظمها الاجتماعية والأمنية، في انفراط العقد الاجتماعي بين مواطنيها وسياسييها، في انهيار نظمها التعليمية وضمور ثقافتها السياسية.

أما "الديانة الإبراهيمية"، فليست ضمن جدول هذه المخاطر، وحياكة الروايات التهويلية بشأنها مضيعة لجهود وطاقات، المشاكل الحقيقة للمنطقة، بما فيها تذويب القضية الفلسطينية، أولى بها. ولا هي طبعاً الحل، والسعي إلى استخراجها انتقائياً من تراث يحويها عند هوامشه، وتقديمها على أنها ذات منفعة، بدوره تشتيت مقابل، يستعيض عن التهويل باستغبائه لجمهوره.

ظاهرة "الديانة الإبراهيمية" بالتأكيد ليست تحدياً للأديان القائمة، ولو كانت فرضاً من باب التحدي، فهي عبثية و"أضغاث أحلام". غير أنها ظاهرة خطيرة بالفعل فيما تكشف عنه من جنوح فكري في المنطقة لهدر الطاقات والجهد والوقت فيما يتعدى مقتصاه.

يريد "حزب الله" المرتبط ارتباطًا وثيقًا بالأجندة الإيرانية أن يُبقي لبنان "عمقًا استراتيجيًا للجمهورية الإسلامية في إيران"
يريد "حزب الله" المرتبط ارتباطًا وثيقًا بالأجندة الإيرانية أن يُبقي لبنان "عمقًا استراتيجيًا للجمهورية الإسلامية في إيران"

كأنّ هناك عقلًا واحدًا يتحكّم بصانعي الفوضى في العالم، اذ إنّ هؤلاء لا يجدون سوى وصفة واحدة لإحلال السلام: الاستسلام لهم!

ومن يدقق بالعبارات التي يستعملها صانعو الفوضى في العالم، يتفاجأ بأدبيّات موحّدة، فالقيادة الروسية بزعامة فلاديمير بوتين تحمّل الغرب مسؤوليّة دخول حربها على أوكرانيا عامها الثاني، لأنّ هذا الغرب يزوّد أوكرانيا بمقوّمات الصمود العسكري والإنساني، مما يحول دون استسلامها.

بالنسبة للقيادة الروسيّة: السلام مستحيل، والتصعيد ضرورة، والدمار واجب، والقتل حتمي، طالما أنها عاجزة عن تحقيق أهدافها المعلنة في أوكرانيا، فالطريق إلى السلام قصير جدًا، إذا سارت كييف بشروط موسكو.

هذه العقلية الروسيّة لا تعير أيّ اهتمام للقانون الدولي وللسيادة الوطنية وللمصالح الإقليمية وللسلم الدولي ولموازين القوى، فهي إمّا تنتصر وإمّا تفني العالم، من خلال رفع مستوى التهديد باللجوء إلى احتياطاتها الخطرة من الرؤوس النووية.

وثمّة دول مستفيدة من هذا الانحراف الروسي، فالصين التي تنافس الولايات المتحدة الأميركية على زعامة العالم، تجد في القيادة الروسيّة ضالتها، إذ إنّ هوسها بالانتصار المستحيل سوف يوهن موسكو ويلحقها ببكين، وسوف يضعف الاتحاد الأوروبي ويبعده عن دائرة التأثير في صناعة موازين القوى الاستراتيجية في المستقبل.

ولكنّ دون هذا الهوس الروسي من جهة أولى وهذا الهدف الصيني، من جهة ثانية، يقف وعي غربي جماعي، إذ اكتشفت دوله أنّ تعاضدها ووقوفها في صف واحد مع الولايات المتحدة الأميركية، وحده كفيل بتوفير مستقبل سيادي لها ولشعوبها.

قبل الغزو الروسي لأوكرانيا، كان الغرب شبه مفتّت ووحدته شبه متفسّخة، إذ كانت المصالح الاقتصاديّة تتقدّم على كل المخاوف الاستراتيجية.

بعد الغزو الروسي، وفي ظل القراءة العميقة للأداء الروسي، اختلفت الأحوال، إذ إنّ الوقاية من مخاطر المستقبل تمرّ بتوفير الشروط اللازمة للحيلولة دون استسلام أوكرانيا، بصفتها بوابة أوروبا،  أمام "الدب الروسي" الذي سوف يسلّم نفسه والآخرين لمشيئة "التنّين الصيني".

ومن روسيا ننتقل مباشرة إلى لبنان، حيث منطق "حزب الله" لا يختلف بشيء عن منطق "حزب الكرملين".

يريد "حزب الله" المرتبط ارتباطًا وثيقًا بالأجندة الإيرانية أن يُبقي لبنان "عمقًا استراتيجيًا للجمهورية الإسلامية في إيران"، وفق "تكليف" صادر عن المرشد الاعلى علي خامنئي، وذلك خلافًا لإرادة سائر القوى السياسية التي تريد أن يعود لبنان عنصرًا فاعلًا في محيطه العربي وفي بعده الدولي.

ولهذا يسعى "حزب الله" إلى أن يفرض رئيس الجمهورية الذي يناسب مخططه، وهو من أجل تحقيق ذلك يترك البلاد لقمة سائغة في فمّ الفراغ المنتتج للفوضى وللفقر وللجوع.

وكالعادة  لا  يتحمّل "حزب الله" تبعة ما يقدم عليه، بل يلقيه على عاتق من يتصدّى لمخططاته، وهو، من أجل إعطاء صدقية لمقولات "الهروب إلى الأمام"، يقحم الولايات المتحدة الأميركية ويهددها بفوضى تشمل كل المنطقة.

ولسان "حزب الله" يقول: هاتوا الرئيس الذي نريد  ويحقق لنا ما نرغب به فنعفيكم من الفوضى والكوارث!

وترفض غالبية اللبنانيين الرئيس الذي يصرّ عليه "حزب الله"، وتطرح عليه حلولًا وسطًا، لكنّ الحزب يرفض ذلك، على قاعدة: استسلموا تسلموا!

صحيح أنّ القوى التي ترفض الرضوخ لـ"حزب الله" ليست أوكرانيا والقوى الخارجية المؤيّدة لها لا تفتح أمامها مخازن السلاح وخزائن المال، ولكنّ الصحيح أيضًا أنّ من بيدهم القدرة على انتشال لبنان من جحيمه يقولون للبنانيّين: إذا استسلمتم لإرادة "حزب الله" لا تهرعوا علينا، فنحن لن نساعد دولة تضع إمكاناتها في مساعدة أعدائنا.

وكما تعرض روسيا الاستسلام لتوقف حربها في أوكرانيا كذلك يعرض "حزب الله" الاستسلام على سائر اللبنانّيين حتى لا يوقعهم أكثر في الفوضى والجوع.

المشكلة مع هذا المحور الذي يعاني منه السوريون واليمنيون والعراقيون والإيرانيون أنّه يعرض عليك الحياة لينتزع منك…الحياة!