لبنان - العراق - بغداد - مظاهرات
"القتل جزء من هويتي النظامين في لبنان وفي العراق"

إلى لقمان سليم 

تغطي ظاهرة "الإفلات من العقاب" مساحات واسعة من الشأن العام العربي عموماً والمشرقي خصوصاً، وإذا كان العراق متصدراً القائمة لجهة إفلات المرتكبين فيه من المحاسبة، فإن لبنان يبلي بلاءً حسناً في هذا المجال، أما سوريا، فلا يصح فيها أي قول على هذا الصعيد، ذاك أننا ما زلنا هناك في مرحلة سابقة على هذا التطلب وهذا الترف.

ومناسبة هذا الكلام تنظيم مؤسسة "أمم" ومنتدى الشؤون السجنية في الشرق الأوسط، ورشة عمل في إسطنبول عن القضية السجنية في العراق، شاركت فيها مجموعة من الناشطين العراقيين أطلقت مؤخراً مشروعاً وجمعية لإنهاء الإفلات من العقاب، وباشرت عملاً وبحوثاً وضغوطاً لشرح الظاهرة في العراق، لا سيما في ظل تولي ميليشيات مسلحة قريبة من إيران استهداف ناشطين في المدن العراقية وقتل وخطف المئات منهم. 

الحال من بعضه في العراق وفي لبنان، وتشابه الجناة يردنا إلى تشابه الضحايا، وفي كلا البلدين لم نشهد حتى الآن خطوات تُشعر الجناة بأن ثمة من سيحاسبهم، رغم أننا حيال جرائم شبه معلنة، وأن خيوطاً كثيرة تفضي إلى هوياتهم.

ميليشيات تعمل بموازاة نفوذ عميق لرعاتها في الداخل وفي الإقليم، ووظيفة القتل هي إزاحة كل من يهدد نفوذ السلطة الموازية، أو كل من يعترض طريقها.

وإذا كان العراق قد كشف عن وجه بعض المنفذين، وألقى القبض على عدد من قتلة هشام الهاشمي وعلى عناصر من فرقة الموت في البصرة، فإن لبنان لم يجرؤ على التقدم خطوة واحدة على هذا الصعيد. لكن يبقى أننا في العراق حيال بعض المنفذين، أما مصدري أوامر القتل، فمعظمهم في البرلمان وفي مفاصل السلطة، ينعمون بالغنائم فيما العراقيون غارقون بالجوع. 

القتل جزء من هويتي النظامين في لبنان وفي العراق، والغريب أن مستويات التشابه بينهما تسابق بعضها بعضاً، حكومات ضعيفة وفاسدة، وأجهزة أمنية تتداخل وظائفها وغارقة في الفساد، وميليشيات مسلحة محصنة بقوانين وببيانات وزارية، وكل هذا الخراب متوج بنفوذ إيراني يشرف على الجريمة ويتخذ مسافات متفاوتة منها. 

ولكي يستقيم القتل لا بد من تحويل "الإفلات من العقاب" إلى حقيقة بديهية لا نقاش حولها! الانتخابات العراقية الأخيرة، وعلى رغم الفشل الكبير للفصائل المسلحة فيها، لم تنعقد على برامج تلحظ أن ثمة قتلاً يومياً يجري من دون محاسبة القَتَلة، والنقاش في لبنان حول قضية التحقيق في انفجار مرفأ بيروت قائم على قاعدة أن القتل أمر لا يستحق أن يهتز النظام بسببه. القتل يجب أن يتحول إلى فعل يومي وعادي، ويجب أن تستدخله الوجدانات بوصفه احتمالاً قائماً على الفاعلين أن يأخذوه كاعتبار رادع لحريتهم. وهذه العلاقة بين القاتل وبين الرعية لن تستقيم إلا إذا سادت ثقافة الإفلات من العقاب. 

لكن في مقابل هذه الحقيقة الكابوسية، ثمة من يقاوم. قتلوا لقمان سليم في لبنان، فاستأنفت مؤسسته البحث عن صيغة لمواجهة القتلة عبر صياغة برنامج كان بدأه لقمان عنوانه "من قتل من؟"، وقتلوا صفاء السراي في كربلاء فاستيقظ رفاقه في الساحات وباشروا بحثاً عن قتلة كل الناشطين في العراق.

صحيح أنه بحثٌ من خارج صندوق السلطة وحشودها، إلا أنه ينطوي على إصرار مؤسس لفرص محاسبة مستقبلية. فالجريمة ممتدة على طول التجربة السياسية في البلدين، لا بل هي سبقتهما وأسست لهما، والبحث يقتضي مد جسور بين الجريمة والجريمة، وبين القاتل الراهن والقاتل السابق. 

لكن مقاومة القتل لا تقتصر على فعلي المواجهة هذه، إنما تمتد لتأخذ أشكالاً لن ينجو القتلة منها. فالقتيل هو امتداد لنموذج سياسي واجتماعي آخذ بالتبلور وبالتشكل على نحو واضح. فشل الفصائل المسلحة في الانتخابات العراقية هو أحد تجليات هذا المسار، والمقاومة الضارية لرغبة السلطة في لبنان في منع التحقيق بانفجار المرفأ أيضاً.

نظاما الحكم في البلدين لن يتمكنا من هضم ارتكاباتهما وسيواصلان التخبط بالجريمة. والضغوط أفضت في العراق إلى الكشف عن منفذي جريمة قتل هشام الهاشمي، وهوية المخططين معروفة وتوثيقها لن يكون بالأمر الصعب إذا ما استمرت الضغوط.  

لجيل الساحات في العراق إنجازات تبشر بأن "إنهاء الإفلات من العقاب" يسابق "ثقافة الإفلات من العقاب"، وهو قادر على الضغط على رغم أن الطريق طويل. أما في لبنان، فعلينا أن ننتظر معركة التحقيق بانفجار المرفأ، ويمكننا التعويل على شجاعة القاضي طارق بيطار.          

قصر العدل في روما الذي يضم مقر محكمة الاستئناف العليا في إيطاليا (أرشيف)
قصر العدل في روما الذي يضم مقر محكمة الاستئناف العليا في إيطاليا (أرشيف)

بفضل العمل في عدة مؤسسات بحثية دولية، قُيض لكاتب هذه السطور أن يزور العاصمة الإيطالية روما عدة مرات خلال السنوات الماضية. حيث، وخلال كل زيارة من تلك، كانت العلاقة التي تربط سكان المدينة الحاليين بالذاكرة والتاريخ الأقدم للمدينة مثار غرابة وإعجاب على الدوام. بالضبط من حيث ما هم عليه من غنى ووصال وفاعلية في علاقتهم من مدينتهم القديمة. 

كان يحدث ذلك، مقابل العوز والمتاركة والقطيعة التي كان كاتب هذه السطور عليها، في علاقته العقلية والوجدانية والثقافية مع الحاضرة التاريخية التي ولد وعاش بين ثناياها. هو المتأتي من مكان كان يوماً عاصمة إمبراطورية تاريخية كبرى، شبيهة بروما نفسها، من قرية موزان شمال شرقي سوريا، التي تضم رفاة مدينة أوركيش التاريخية، التي كانت عاصمة المملكة الحورية القديمة. 

فأبناء مدينة روما الحاليون، وبمختلف أجيالهم، يعيشون المدينة القديمة وكأنها شيء حاضر وحيوي في تفاصيل حياتهم الراهنة. كانت روما القديمة، ولا تزال، ذات وجود متدفق في روما الراهنة، وفي أكثر من مستوى: عمارتها القديمة جزء مشهدي لا يمكن غض الطرف عنه في كل تفاصيل المدينة الحالية، بما في ذلك داخل بيوت سكانها، وسيرة التوأمين اللذين أسسا المدينة كثيفة في الذاكرة الجمعية، ومرويات حُقب المدينة القديمة وحكاياتها الشهيرة ومراحل تحولها الرئيسية جزء من الآداب والمناهج التربوية التي تنتجها المدينة الحديثة. وإلى جانب ذلك، ثمة متاحف وتماثيل مرئية ومنتجات تقنية وأنواع كثيرة من الآداب والفنون التي يفرزها الحاضرون يوماً، مبنية كلها وذات علاقة وثيقة مع ما كانت عليه المدينة القديمة، حيث إن السكان الحاليون في باطن وعيم يتصورون أنفسهم كامتداد روحي وثقافي وتاريخي لما كانت عليه روما القديمة.  

يحدث كل ذلك، في وقت لا يعاني فيه سكان روما الحاليون مع أية مشكلة أو صِدام مع الحداثة، بكل منتجاتها وأدوات فعلها ونوعية التفكير وأشكل السلوك التي تنفرز عنها. بل على العكس تماماً، يبدو الحضور الكثيف للمدينة التاريخية وذاكرتها في حاضر السكان، وكأنه أهم مصادر الغنى والحيوية للسكان، ما لم نقل الثقة بالذات، التي تنتج ممرات للاعتراف بالآخر وفسحة لطراوة الوجدان والمخيلة، تلك الأشياء التي تمنح السكان الحاليين قوة وجدانية وعقلية للانخراط كل اشكال الحداثة.  

على الدفة الأخرى، فإن كاتب السطور لم يسبق له أن عرف شيئاً عن العاصمة التاريخية القديمة التي ولد، هو وأبوه وجده وكامل أفراد عائلته، على بُعد عدة مئات من الأمتار منها. لم يعرف حتى اسمها التاريخي ولا مؤسسها ولا الحاضرة والمضامين التي كانت عليه هذه المدينة التاريخية. ليس هو فحسب، بل كامل الفضاء الاجتماعي والثقافي والإنساني المحيط بذاك المكان، الذين كانت تلك الحاضرة على الدوام واحدة من أكبر مجاهيل الحياة وأكثرها غموضاً بالنسبة لهم. 

فما عرفته شخصياً عن هذه المدينة القديمة، وبعد سنوات كثيرة من العيش بالقرب منها والمرور اليومي بها، كان بفعل فضول استثنائي ومهني خاصٍ جداً، لم يكن متوفراً إلا للقليلين. تلك المدينة التي كانت حاضرة عمرانية وثقافية وتجارية طوال آلاف السنين، عاصمة للملكة الحورية لوقت طويل، ثم صارت جزءا من الفضاء السياسي والإنساني لممالك "أكاد" ومن بعدهم "ماري"، تحوي قصوراً ومعابداً وأسواقاً ونصوصاً وتماثيل ومنتجات تاريخية لا تُقدر بثمن، لها سيرة وتاريخ وشخصيات ومنتجات أدبية ودينية وثقافية هائلة، كانت يوماً منارة إنسانية لقرابة ربع العالم.   

كل ذلك كان مجهولاً كبيراً لكل البشر المحيطين بالمكان، ولا يزال. وحدهم أعضاء بعثات التنقيب الأجنبية كانوا يعرفون ما بداخل ذلك المكان/الحاضرة، هؤلاء الذين كانوا محاطين بسور فعلي وآخر أمني، يعملون بصمت داخل مكاتبهم، يستخرجون الآثار ويجرون الدراسات بلغاتهم الأجنبية، ولا يجدون وقتاً ومعنى لأن يشرحوا ويفسروا للسكان المحيطين ما يعثرون عليه ويكتشفونه داخل المدينة. حتى أن بعض السكان المحليين، الذين كانوا يعملون كعمال سخرة لدى أعضاء تلك البعثات، أنما كان ممنوعاً عليهم مسّ أي شيء تاريخي قد يجدونه أثناء عمليات النبش والتنقيب.  

لم تكن تلك القطيعة على المستوى المادي فحسب، فجهل السكان بالمكان ومحتوياته وسيرته، كان استعارة كبرى عن قطيعة هؤلاء مع التاريخ نفسه، وتالياً مع جزء من ذواتهم وخصائصهم، ككائنات تملك خاصية متمايزة عن باقي المخلوقات، على مستوى العلاقة مع الذاكرة والتاريخ الأبعد مما هو حاضر راهناً. وتالياً ككائنات خُلقت وراكمت مجموعة كبرى من المنتجات والذواكر والأفكار والقيم والآداب والتجارب، التي تشكل بمجموعها المصدر الأولي والدائم للثراء الإنساني.  

فما كان خاصاً بالبقعة التي نشأ فيها كاتب هذه السطور، كان يمتد لأن يكون ظاهرة عامة في كل مكان آخر. فكامل شمال شرق سوريا كان قائماً على بحر من الحواضر التاريخية القديمة، تحوي سهوبه كنوزاً من الآثار والمنتجات الإنسانية، لكنها جميعاً كانت عوالم مجهولة تماماً بالنسبة للسكان، غير حاضرة أو ذات معنى في الذاكرة الجمعية، لا يتم تداولها في المناهج التربوية وليس لها من قيمة في المنتجات الأدبية والثقافية والفنية والسياحية لأبناء المكان، ولا فاعلية لها في الضمير والمخيلة والعقل العام.  

يمتد ذلك الأمر ليشمل سوريا كلها، ومنها بنسب مختلفة لكل بلدان منطقتنا، الذين، ولغير صدفة، يعيشون صداماً ورفضاً للغالب الأعم من ظواهر ومنتجات الحداثة، المرابطين في خنادق المركزية والمحافظة والماضوية.  

من تلكم الثنائية، تبدو العلاقة الثنائية شديدة الوضوح، بين مجتمعات سائلة، تعتبر نفسها جزءا حيوياً من تاريخ قديم ومتقادم، منتج ومراكم لكل أنواع الثراء الإنساني، وأخرى تعتبر نفسها يتيمة، ولدت للتو كجيل أول ووحيد، ليس لها في التاريخ أي ثراء، خلا بعض حكايات الذكورة الرعناء، عن البطولة والحروب ومفاخرها، وتالياً لا تنتج إلا شيئاً واحداً: العصبيات الخالية من أية قيمة.