الحديث عن التطبيع وتهم الخيانة والعمالة تتطاير هنا وهناك
الحديث عن التطبيع وتهم الخيانة والعمالة تتطاير هنا وهناك

في 26 أكتوبر الماضي مر 27 عاما على توقيع معاهدة السلام بين الأردن وإسرائيل. وباستثناء إنهاء حالة الحرب رسميا بين البلدين فإنه من الصعب تذكر أية إنجازات كبيرة أو ملموسة تحققت طوال هذه السنوات جراء تلك المعاهدة.

لكن ما حدث يوم الاثنين الماضي (22 نوفمبر 2021) في معرض "إكسبو دبي 2020" ربما يغير هذا التقييم. فقد وقع الأردن وإسرائيل والإمارات على مذكرة تعاون تشمل إقامة محطة للطاقة الشمسية في الأردن لتزويد إسرائيل بالكهرباء وإقامة محطة تحلية في إسرائيل لتزويد الأردن بالمياه الصالحة للشرب. وستشارك الإمارات في تمويل هذا التعاون الذي يجري برعاية الولايات المتحدة ومباركتها.

كان من المتوقع أن تجد هذه الخطوة غير المسبوقة ترحيبا كبيرا في الأردن الذي يعاني من نقص حاد في المياه وسبق له أن وقع على عدة اتفاقيات لشراء الماء من إسرائيل. لكن ما حدث هو أن الدنيا قامت ولم تقعد، وبدا فجأة كما لو أن الأردن لا تجمعه اتفاقية سلام مع إسرائيل، وأصبح الحديث عن التطبيع وتهم الخيانة والعمالة تتطاير هنا وهناك على وقع تجمعات وتظاهرات لجمعيات ونقابات واتحاد طلابية... إلخ، كلها ترفض السلام والتعاون الاقتصادي وتكاد تدعو إلى الحرب!

فما هو سبب كل هذا التشنج والغضب؟

يقول هؤلاء بإن هذه المشاريع ترهن مصير الأردن لإسرائيل وتقوض أمنه، ولكن لماذا لا يقول الإسرائيليون أيضا الشيء نفسه بأن مثل هذه المشاريع ترهن مصيرهم للأردن أو لمصر في حالة الغاز؟ بل لماذا لا يقول الأوروبيون إن استيرادهم للغاز الروسي هو رهن لمصيرهم لدى روسيا، وقس على ذلك الكثير من أشكال التعاون بين مختلف دول العالم.

الواقع أن المسالة ليست في التعاون الإسرائيلي الأردني نفسه والمكاسب التي سوف يجلبها للأردن وسكانه فذلك أمر واضح تماما، ولكنها في الرغبة لدى البعض في إبقاء الأردن ضمن خانة الممانعة وقطع الطريق على أية إمكانية لإقامة علاقات طبيعية بين البلدين، ولو كان الثمن هو استمرار معاناة الأردن وبقائه دولة مع وقف التنفيذ!

وهذا هو السبب في أن كل خطوة من هذا القبيل تواجه بردود فعل عدائية. وما جرى الأسبوع الماضي لم يكن استثناء.

 ففي يوم الثلاثاء (16 نوفمبر 2021) انسحب طلاب وأعضاء في الهيئة التدريسية في الجامعة الأردنية، من ندوة كان من المقرر أن تقام في كلية الملك عبد الله الثاني لتكنولوجيا المعلومات، بسبب استضافة ممثلين عن جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي الإماراتية، وكان الغرض منها عرض المنح الدراسية التي تقدمها للطلاب الأردنيين.

وسبب الانسحاب، كما قيل، هو أن الجامعة الإماراتية تقيم علاقات مع اثنتين من أبرز المؤسسات التعليمية الإسرائيلية وهما الجامعة العبرية، ومعهد وايزمان للعلوم.

والملفت أن الأمر لم يقتصر على الانسحاب، وإنما تم تجييش مواقع التواصل الاجتماعي للهجوم على السلطات الأردنية واعتبار الأمر بمثابة مؤامرة للتطبيع!

طبعا لا حاجة إلى القول بأن الخاسر الأكبر من ذلك هو الطلاب الأردنيون والجامعات الأردنية نفسها!

وفي شهر مارس 2021 بثت صفحة إسرائيل بالعربية على فيسبوك تقريرا عن مشروع يدعى "يسلمو إيديك"، تقوده نساء إسرائيليات وأردنيات من وادي عربة بطرفيه (الإسرائيلي والأردني)، بهدف دعم مشاريع حرفية يدوية تؤمن للنساء مصادر دخل لإعالة أنفسهن وعائلاتهن.

ويعرض التقرير قيام المشاركات في المشروع الذي انطلق نهاية عام 2018 بأربعين سيدة (20 أردنية، ومثلها إسرائيلية)، بالتعارف وتبادل الزيارات على مستوى العائلات والعمل معا في مشاريع يدوية مشتركة.

لكن هذا أغضب الناشطين في الأردن واستفزهم على نحو خاص، الأمر الذي دفعهم لشن حملة عارمة ضد المشروع وجرى ترهيب النساء الأردنيات المشاركات فيه، وإجبارهن في النهاية على التنصل منه.

والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هو من الذي يدير الأردن حقا؟ هل هو الملك والحكومة أم الناشطين والجماعات الإسلامية والقومية ومناهضي التطبيع؟

ولماذا تقوم الحكومة الأردنية بمبادرات أو مشاريع مشتركة مع الإسرائيليين، ثم تخرج جماعات وناشطون يحتجون عليها وينجحون في الكثير من الأحيان في إفشالها؟ ما هو الهدف من كل ذلك؟  

نفهم بطبيعة الحال أن وضع الأردن من الناحية التاريخية وكذلك التركيبة السكانية معقد ومتشابك مع الضفة الغربية من نهر الأردن.

 لكن هذا التشابك والتعقيد يضفي أيضا تعقيدا آخر على علاقة الأردن مع إسرائيل وخاصة بعد معاهدة السلام.

فالأردن ليس عدوا لإسرائيل، لكنه ليس صديقا لها أيضا. هو ينتقل بين هذا وذاك. لكن هذه الوضعية بالذات يراد منها ألا يصبح الأردن دولة وإنما مجرد مخيم للاجئين!

مع العلم أن إمارة شرق (نهر) الأردن التي أنشأها البريطانيون (أو وافقوا على قيامها، بما أن المنطقة كلها كانت خاضعة للانتداب) في عام 1921، تعتبر هي الدولة الوحيدة التي كانت قائمة في المنطقة في ذلك الوقت، وقد حافظت على وجودها حتى حصول الأردن على استقلاله رسميا عام 1946 مع نهاية الانتداب البريطاني.

ولهذا السبب كان من الطبيعي أن يتولى الأردن مسؤولية الأراضي التي حددها قرار التقسيم للفلسطينيين (في ظل عدم وجود دولة فلسطينية) والتي تناقصت بشكل دراماتيكي بعد خسارة الأردن والجيوش العربية حربي 1948 و1967. 

وكان من الطبيعي أيضا أن تجد أعدادا كبيرة من الفلسطينيين الذين تحولوا إلى نازحين أو لاجئين جراء الحروب العربية الإسرائيلية في الأردن سكنا بديلا لهم.

وكان من المفترض أن يتم هضم هؤلاء واستيعابهم ضمن الدولة الأردنية ومؤسساتها، بالضبط كما فعلت إسرائيل مع مهاجريها القادمين من الدول العربية وغير العربية.

لكن المؤسف أنه لم تتح للأردن أبدا الفرصة للقيام بذلك، حيث تكالب الجميع عليه وأضعفوه، والنتيجة أن المملكة لا تزال حتى اليوم عالقة في منتصف الطريق، تقدم رجلا وتؤخر أخرى.. تارة دولة وتارة مخيم لاجئين!

قصر العدل في روما الذي يضم مقر محكمة الاستئناف العليا في إيطاليا (أرشيف)
قصر العدل في روما الذي يضم مقر محكمة الاستئناف العليا في إيطاليا (أرشيف)

بفضل العمل في عدة مؤسسات بحثية دولية، قُيض لكاتب هذه السطور أن يزور العاصمة الإيطالية روما عدة مرات خلال السنوات الماضية. حيث، وخلال كل زيارة من تلك، كانت العلاقة التي تربط سكان المدينة الحاليين بالذاكرة والتاريخ الأقدم للمدينة مثار غرابة وإعجاب على الدوام. بالضبط من حيث ما هم عليه من غنى ووصال وفاعلية في علاقتهم من مدينتهم القديمة. 

كان يحدث ذلك، مقابل العوز والمتاركة والقطيعة التي كان كاتب هذه السطور عليها، في علاقته العقلية والوجدانية والثقافية مع الحاضرة التاريخية التي ولد وعاش بين ثناياها. هو المتأتي من مكان كان يوماً عاصمة إمبراطورية تاريخية كبرى، شبيهة بروما نفسها، من قرية موزان شمال شرقي سوريا، التي تضم رفاة مدينة أوركيش التاريخية، التي كانت عاصمة المملكة الحورية القديمة. 

فأبناء مدينة روما الحاليون، وبمختلف أجيالهم، يعيشون المدينة القديمة وكأنها شيء حاضر وحيوي في تفاصيل حياتهم الراهنة. كانت روما القديمة، ولا تزال، ذات وجود متدفق في روما الراهنة، وفي أكثر من مستوى: عمارتها القديمة جزء مشهدي لا يمكن غض الطرف عنه في كل تفاصيل المدينة الحالية، بما في ذلك داخل بيوت سكانها، وسيرة التوأمين اللذين أسسا المدينة كثيفة في الذاكرة الجمعية، ومرويات حُقب المدينة القديمة وحكاياتها الشهيرة ومراحل تحولها الرئيسية جزء من الآداب والمناهج التربوية التي تنتجها المدينة الحديثة. وإلى جانب ذلك، ثمة متاحف وتماثيل مرئية ومنتجات تقنية وأنواع كثيرة من الآداب والفنون التي يفرزها الحاضرون يوماً، مبنية كلها وذات علاقة وثيقة مع ما كانت عليه المدينة القديمة، حيث إن السكان الحاليون في باطن وعيم يتصورون أنفسهم كامتداد روحي وثقافي وتاريخي لما كانت عليه روما القديمة.  

يحدث كل ذلك، في وقت لا يعاني فيه سكان روما الحاليون مع أية مشكلة أو صِدام مع الحداثة، بكل منتجاتها وأدوات فعلها ونوعية التفكير وأشكل السلوك التي تنفرز عنها. بل على العكس تماماً، يبدو الحضور الكثيف للمدينة التاريخية وذاكرتها في حاضر السكان، وكأنه أهم مصادر الغنى والحيوية للسكان، ما لم نقل الثقة بالذات، التي تنتج ممرات للاعتراف بالآخر وفسحة لطراوة الوجدان والمخيلة، تلك الأشياء التي تمنح السكان الحاليين قوة وجدانية وعقلية للانخراط كل اشكال الحداثة.  

على الدفة الأخرى، فإن كاتب السطور لم يسبق له أن عرف شيئاً عن العاصمة التاريخية القديمة التي ولد، هو وأبوه وجده وكامل أفراد عائلته، على بُعد عدة مئات من الأمتار منها. لم يعرف حتى اسمها التاريخي ولا مؤسسها ولا الحاضرة والمضامين التي كانت عليه هذه المدينة التاريخية. ليس هو فحسب، بل كامل الفضاء الاجتماعي والثقافي والإنساني المحيط بذاك المكان، الذين كانت تلك الحاضرة على الدوام واحدة من أكبر مجاهيل الحياة وأكثرها غموضاً بالنسبة لهم. 

فما عرفته شخصياً عن هذه المدينة القديمة، وبعد سنوات كثيرة من العيش بالقرب منها والمرور اليومي بها، كان بفعل فضول استثنائي ومهني خاصٍ جداً، لم يكن متوفراً إلا للقليلين. تلك المدينة التي كانت حاضرة عمرانية وثقافية وتجارية طوال آلاف السنين، عاصمة للملكة الحورية لوقت طويل، ثم صارت جزءا من الفضاء السياسي والإنساني لممالك "أكاد" ومن بعدهم "ماري"، تحوي قصوراً ومعابداً وأسواقاً ونصوصاً وتماثيل ومنتجات تاريخية لا تُقدر بثمن، لها سيرة وتاريخ وشخصيات ومنتجات أدبية ودينية وثقافية هائلة، كانت يوماً منارة إنسانية لقرابة ربع العالم.   

كل ذلك كان مجهولاً كبيراً لكل البشر المحيطين بالمكان، ولا يزال. وحدهم أعضاء بعثات التنقيب الأجنبية كانوا يعرفون ما بداخل ذلك المكان/الحاضرة، هؤلاء الذين كانوا محاطين بسور فعلي وآخر أمني، يعملون بصمت داخل مكاتبهم، يستخرجون الآثار ويجرون الدراسات بلغاتهم الأجنبية، ولا يجدون وقتاً ومعنى لأن يشرحوا ويفسروا للسكان المحيطين ما يعثرون عليه ويكتشفونه داخل المدينة. حتى أن بعض السكان المحليين، الذين كانوا يعملون كعمال سخرة لدى أعضاء تلك البعثات، أنما كان ممنوعاً عليهم مسّ أي شيء تاريخي قد يجدونه أثناء عمليات النبش والتنقيب.  

لم تكن تلك القطيعة على المستوى المادي فحسب، فجهل السكان بالمكان ومحتوياته وسيرته، كان استعارة كبرى عن قطيعة هؤلاء مع التاريخ نفسه، وتالياً مع جزء من ذواتهم وخصائصهم، ككائنات تملك خاصية متمايزة عن باقي المخلوقات، على مستوى العلاقة مع الذاكرة والتاريخ الأبعد مما هو حاضر راهناً. وتالياً ككائنات خُلقت وراكمت مجموعة كبرى من المنتجات والذواكر والأفكار والقيم والآداب والتجارب، التي تشكل بمجموعها المصدر الأولي والدائم للثراء الإنساني.  

فما كان خاصاً بالبقعة التي نشأ فيها كاتب هذه السطور، كان يمتد لأن يكون ظاهرة عامة في كل مكان آخر. فكامل شمال شرق سوريا كان قائماً على بحر من الحواضر التاريخية القديمة، تحوي سهوبه كنوزاً من الآثار والمنتجات الإنسانية، لكنها جميعاً كانت عوالم مجهولة تماماً بالنسبة للسكان، غير حاضرة أو ذات معنى في الذاكرة الجمعية، لا يتم تداولها في المناهج التربوية وليس لها من قيمة في المنتجات الأدبية والثقافية والفنية والسياحية لأبناء المكان، ولا فاعلية لها في الضمير والمخيلة والعقل العام.  

يمتد ذلك الأمر ليشمل سوريا كلها، ومنها بنسب مختلفة لكل بلدان منطقتنا، الذين، ولغير صدفة، يعيشون صداماً ورفضاً للغالب الأعم من ظواهر ومنتجات الحداثة، المرابطين في خنادق المركزية والمحافظة والماضوية.  

من تلكم الثنائية، تبدو العلاقة الثنائية شديدة الوضوح، بين مجتمعات سائلة، تعتبر نفسها جزءا حيوياً من تاريخ قديم ومتقادم، منتج ومراكم لكل أنواع الثراء الإنساني، وأخرى تعتبر نفسها يتيمة، ولدت للتو كجيل أول ووحيد، ليس لها في التاريخ أي ثراء، خلا بعض حكايات الذكورة الرعناء، عن البطولة والحروب ومفاخرها، وتالياً لا تنتج إلا شيئاً واحداً: العصبيات الخالية من أية قيمة.