برحيل رسام الكاريكاتير ابراهيم لمهادي قبل أسبوعين، أعيد فتح صفحة هامة من تاريخ الصحافة المغربية
برحيل رسام الكاريكاتير ابراهيم لمهادي قبل أسبوعين، أعيد فتح صفحة هامة من تاريخ الصحافة المغربية

برحيل رسام الكاريكاتير ابراهيم لمهادي قبل أسبوعين، أعيد فتح صفحة هامة من تاريخ الصحافة المغربية. إذ مثلت وفاته عن سن يناهز الثمانين حولا، لحظة لاسترجاع "سنوات الرقابة"، عندما تعرض لمهادي للاعتقال حول رسم له بصحيفة "المحرر" المعارضة. في 1980 لعبت الصدفة دورها بتطابق خطاب للملك الحسن الثاني مع مضمون رسم لابراهيم لمهادي، بل توافق معه في توقيت البث والنشر. ولولا الأقدار لواجه أقدم رواد المشهد الكاريكاتوري في المغرب مصيرا مجهولا. لكن الثمن كان هو اعتزاله الكاريكاتور 18 عاماً، ولم يعد رسام "المحرر" الممنوعة إلى ريشته الساخرة إلا بعد حلول العهد الجديد مع الملك محمد السادس. 

انفتاح وتراجع 

إثر توليه عرش المملكة في نهاية يوليو 1999، أنشأ الملك محمد السادس هيئة "الإنصاف والمصالحة"، بغاية طي صفحة ماضي الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، التي عاشها المغرب ما بين  1956و1999. وبالفعل شهدت السنتين الأوليتين إلى حد ما انفراجا سياسيا، ما بعث الآمال في النفوس. سُمح للمعارض الماركسي أبراهام السرفاتي بالعودة إلى وطنه، وكان أمضى 17 سنة في السجن قبل إبعاده خارج البلاد مع إسقاط الجنسية عنه. وبعد عقد من الأعوام رفعت الإقامة الجبرية عن الإسلامي عبد السلام ياسين مرشد "جماعة العدل والإحسان". وبالموازاة نشطت منظمات المجتمع المدني أكثر، واهتمت فئات أخرى أغلبها من الشباب، بإصدار صحف ومطبوعات، سعت عبرها إلى استغلال بارقة الانفتاح. 

بدا أن الإعلام في المغرب سيقوم بدوره المطلوب في التحول الديمقراطي بعد "سنوات الرصاص" المشؤومة. إذ تم إحياء فن الكاريكاتير، ساعد في ذلك ظهور جيل جديد من الرسامين الساخرين المتمكنين من مهارات جمالية، ولديهم نفس أكثر جرأة. وانتعشت حرية التعبير مع قدوم شباب متحمس عبر عن نفسه لاحقا في "حركة 20 فبراير" 2011. وجازف مغنو الراب باختراق مواضيع كانت محظورة وحارقة.  

لم تنقض سنتين وبضعة أشهر حتى انقلبت الأحوال، بعد أحداث الدار البيضاء الإرهابية في ماي 2003. فتراجع الأمل المنشود، وتحركت آلية القمع والزجر، وبدأت الاعتقالات في صفوف المدافعين عن حقوق الإنسان، وبين المدونين والصحفيين ورسامي الكاريكاتير، وفناني موسيقى الراب، وأفراد "الألتراسات" المشجعين لأندية الكرة، والطلبة والتلاميذ.  

حظر ملكي وتاريخ مهمل 

في 1989، كشف الملك الحسن الثاني عن موقفه من الكاريكاتير، عندما استقبل مجموعة من ألمع الصحفيين الفرنسيين يتقدمهم جان دانييل مؤسس مجلة "لونوفيل أوبسرفاتور"، ضمن برنامج "ساعة الحقيقة" على القناة الفرنسية (أنتين 2)، وجوابا على سؤال الصحفي ألان دوهاميل، قال الملك: "الكاريكاتير لدينا يكاد يكون محظورًا بالإجماع الوطني".   

ورغم أن الكاريكاتير كان حاضرا بصحافة المغرب، ولا يستثني وجوه شخصيات السياسيين والوزراء، فإن التصريح الملكي زرع الخوف لدى أصحاب الصحف، وأدى بالرسامين إلى الانكماش. وكانت صحيفة  Le Canard Enchaîné أيامها أغضبت الحسن الثاني وهو يطالع على صفحتها الأولى وجهه الكاريكاتوري الذي رأته به أكبر صحيفة ساخرة في فرنسا.  

في عهد الحماية الفرنسية كانت الصحف الوطنية تتعمد كتابة عبارة "حذفته الرقابة" وسط مساحات بيضاء كان من المقرر أنها الحيز المخصص لمقالات منعها الرقيب. وبالأسلوب ذاته في الثمانينيات احتج الأديبان عبد الكريم غلاب وعبد الجبار السحيمي (مدير نشر ورئيس تحرير "العلم")، حين كان مكان رسم العربي الصبان يصدر فارغا بأعلى الصفحة الأخيرة من الجريدة. 

ولا شك أن الخزانة الوطنية تفتقر لكتابات توثيقية علمية غير مبتسرة أو مختزلة، تؤرخ لفن الكاريكاتير في الصحافة بالمغرب. لذلك تنتشر بقع من العتمة ومن المغالطات والأخطاء والهنات، بخصوص هذا التعبير الفني، فأسماء عديدة لكاريكاتوريين تكاد لا تذكر ولا يعرفها الجيل الحالي. وفي الحقيقة لم يحظ الكاريكاتير في الصحافة المغربية بمكانته اللائقة، حيث لم تهتم الصحف بتوظيف رسامين ضمن هيئات تحريرها، بل كان أغلب الرسامين هواة متطوعون، ينشرون من دون مقابل. 

شيء من التاريخ 

تاريخيا نمت الصحافة بالمغرب بخطوات بطيئة. فبعد تأسيس أولى الصحف والدوريات باللغات الفرنسية والاسبانية والانجليزية في نهاية القرن الثامن عشر ومستهل القرن التاسع عشر، تأخر ظهور الصحافة المغربية باللغة العربية، ولم تشرع في الانتعاش إلا بدءا من ثلاثينيات القرن العشرين على يد نخبة من الوطنيين من فاس وتطوان خاصة، كثفوا جهودهم في مقاومة المستعمر. رغم ذلك ظلت الصحافة الوطنية باللغة العربية تعاني من منافسة غير متكافئة مع الصحافة الفرنسية الصادرة بالدار البيضاء، أساسا من مجموعة رجل الأعمال الفرنسي إيف ماس، الذي ظلت إصداراته الصحفية تصدر إلى حدود السبعينيات الماضية. لذلك كانت الأسماء الأولى لرسامي الكاريكاتير في المغرب تعود لفرنسيين. قبل أن تطل محاولات خجولة لبعض المغاربة لم يكتب لها الاستمرار. 

مع بداية الستينيات ظهرت صحف أسبوعية اعتمدت الرسم الكاريكاتوري والمواضيع القصيرة، منها الصحف التي أسسها مصطفى العلوي المدغري، مثل "أخبار الدنيا"، و"دنيا الأخبار"، و"الكواليس". وخاض الصحفي والكاتب السعيد الصديقي (شقيق الفنان المسرحي الطيب الصديقي) تجربة الصحافة الهزلية بإصداره لأسبوعية ساخرة باسم "جحا". كان يساعده في طباعتها الممثل أحمد الصعري. وعرف السعيد الصديقي في تلك الفترة من الستينيات بكتابته لزاوية ساخرة باللغة الدارجة على أعمدة أسبوعية "الطليعة"، التي كانت يصدرها الاتحاد المغربي للشغل.  

شيئا فشيئا انفتحت يومية "العلم" التابعة لحزب الاستقلال على الرسم الساخر، واحتضنت أعمالا لفنانين، مثل التشكيلي العربي بلقاضي، وأبو سيف (توقيع ابراهيم لمهادي في بداياته).  

أما يومية الحزب اليساري الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، فكانت تنشر ركنا ساخرا بالعامية بإمضاء "ولد جامع الفنا"، وهو اسم مستعار للصحفي عبد الله رشد. بالموازاة أخذت تظهر على أعمدة "التحرير" رسوم كاريكاتورية موقعة بحرف (ب)، وتعود لفنان سوري فلسطيني، كان في نفس الآن مسؤولا عن الصفحة الفنية، هو الفنان التشكيلي المعروف الراحل برهان كركوتلي، وقد سافر إلى المغرب بناء على دعوة أصدقاء له من الطلبة المغاربة الذين كانوا يدرسون بسوريا، ومن بينهم محمد عابد الجابري سكرتير صحيفة "التحرير" التي كان يديرها الفقيه محمد البصري ويرأس تحريرها عبد الرحمان اليوسفي. وللراحل برهان كركوتلي دراسة رائدة حول الفن التشكيلي بالمغرب خلال تلك الفترة. وقد انتقل إلى ألمانيا سنة 1970 وعاش بها حتى وفاته سنة 2003.  

في يوميتي "البيان" بالعربية والفرنسية، لسان حزب التقدم والاشتراكية، كان لافتا الجهد الذي قام به على مدى أعوام صحفي وناقد ورسام كاريكاتير لامع هو بلعيد بويميد. 

وعندما تأسس التجمع الوطني للأحرار، أصدر الحزب يومية "الميثاق الوطني"، وانضم إلى هيئة تحريرها رسام تونسي يسمى الوسلاتي.  

وبعد استئناف إصدار "المحرر"، انتقل لمهادي في 1975 من النشر في "العلم" إلى اليومية الاتحادية، وصار يوقع باسمه الصريح.  

في نهاية السبعينيات أقام الرسام المصري المرموق بهجت عثمان فترة بالمغرب، فكانت مناسبة نشر بها "بهجاتوس" عدة رسوم كاريكاتورية في "المحرر" مستوحاة من الأحداث الاجتماعية المغربية حينها. 

 أما المصري الآخر جورج بهجوري فظل لسنوات ضيفا دائما على "موسم أصيلة الثقافي"، واستقبلته السيدة ليلى التازي صاحبة رواق "نظر للفن الحديث" بالدار البيضاء في معرض فني مزج فيه بأسلوبه المتميز ما بين التعبير الكاريكاتوري والتشكيل، وعرض لوحات لوجوه عازفين من أجواق موسيقى الأندلسية، أو "موسيقى الآلة" وفق تسمية المغاربة. كما عمل رسامو كاريكاتير فرنسيين وبلجيكيين وتونسيين بمجلات مغربية باللغة الفرنسية. 

 وكانت نشأة الفنان الجزائري العالمي رشيد قاسي في مدينة الجديدة (جنوب الدار البيضاء)، هناك تفتقت موهبته وبدأ خطواته في الرسم، قبل انتقاله إلى فرنسا واشتغاله بكبريات صحفها ومجلاتها.  

في التسعينيات الماضية، أقام بالعاصمة المغربية رسام جزائري آخر، هو علي لمرابطين، المشهور بتوقيع "سْليم"، كرسام بمجلة "ضفاف"، التي كانت تصدر عن مؤسسة الحسن الثاني للمغاربة المقيمين بالخارج، وبعد حوالي سنتين، وبعدما رفض تجديد إقامته هاجر إلى فرنسا ليعمل بصحيفة "لومانيتي" الشيوعية، وظل لسنوات متعاونا من باريس مع أسبوعية "لافي إيكونوميك" التي تصدر بالدار البيضاء، وكانت رسومه تتصدر صفحتها الأولى. 

في نهاية الستينيات برز على صفحات يومية "لوبنيون" اللسان الفرنسي لحزب الاستقلال اسم الرسام محمد الفيلالي، في نفس الوقت الذي احتضنت فيه "العلم" أعمال الرسام العربي الصبان، وقد عملا معا على إصدار أسبوعية هزلية بعنوان "أخبار السوق"، وانضم إليهما الرسام حميد البوهالي، الذي كان ينشر بجرائد مختلفة. لكن التجربة تعرضت لجملة من المصاعب. وبعد أن استقطب البوهالي مجموعة من الساخرين، أصدر الأسبوعية الهزلية "التقشاب"، التي ضمت الرسامين أحمد موتاج وبوشعيب خيري ومحمد عليوات (حمودة) وشكري بهلوي وعبد الكبير العوام وعبد القادر حدوش وعبد اللطيف الكثيري ومحمد الأدغم، بمساهمة الشاعر محمد عرش، الذي يجهل كثيرون موهبته العالية في الكتابة الساخرة. 

 كان لافتا أن هذا الصنف من الإصدارات حطم أرقاما قياسية من حيث الانتشار والمبيعات، فحتى المرتجعات كانت تتم إعادة بيعها في محطات المسافرين، لا سيما وأنها صحافة تعتمد النكتة المرسومة واللهجة العامية الميسرة. وهذا الانتشار حفز فريق "التقشاب" على رفع وتيرة النقد الحاد، ليجد مديرها حميد البوهالي نفسه معتقلا في كوميسارية المعاريف ومهددا بالمتابعة القضائية، إلا أنه بعد 22 يوما من الاعتقال الاحتياطي أفرج عنه، لتنتهي مغامرة "التقشاب" بقرار المصادرة والمنع.  

بعدها ظهرت عناوين أخرى اختفت سريعا ولم تحقق النجاح. ورغم انتشار الصفحات الساخرة بالصحف المغربية اليوم، فإن أغلب محتوياتها مليئ بالفقاعات وبالتهكم والتهريج. 

تجارب و"سْكَفْكَفْ"! 

في مجلة "لوميساج دو لاناسيون" التي أصدرها حزب الاتحاد الدستوري، وكان يديرها عبد الله الستوكي ورأست تحريرها نادية برادلي، ظهر رسام كاريكاتير مبدع هو محمد بكري (الكاف جيم مصرية)، مع الرسام محمد الزناكي. 

في 1983 صدرت أسبوعية "الهدهد" الهزلية باسم أحمد السنوسي، كوميدي كان مهرجا في جلسات الملك الحسن الثاني وصبحيات لأطفال القصر يتقدمهم ولي العهد (الملك الحالي). وبعدما أغدق عليه الحسن الثاني رخص نقل وعقارات، تحول إلى "معارض". كان رسام "الهدهد" هو محمد الأدغم، أما محررها الوحيد فكان الصحفي حسن عمر العلوي المشهور بين الزملاء باسم "فريموس". بعد أسابيع من صدور "الهدهد" تعرضت للرقابة بسبب خبر يخص تهريب العملة الصعبة منسوب لوزير المالية عبد الكامل الرغاي، أما مصدر الخبر فكان أسبوعية "البلاغ المغربي"، التي تم الإفراج عن صاحبها محمد بنيحيى، بعد التحقيق معه لساعات، ليستأنف إصدار صحيفته بشكل طبيعي، فيما توقفت تجربة "الهدهد" تلقائيا عند عددها رقم 13.   

في 2007 أصدر عبد الرحيم التوراني أسبوعية هزلية باسم "الانتهازي"، وكانت هيئة التحرير مكونة من الرسامين ابراهيم لمهادي وسعد جلال وعبد اللطيف الصيباري، بمساهمة من أحمد موتاج، ومن الكاتب الساخر والرسام ابراهيم مبشور، وهشام المنصوري الذي كان يراسل من الصويرة أو أغادير. وتوقفت الجريدة بسبب التضييق البوليسي، وبعدما أبلغ صاحبها من مدير شركة التوزيع "سريس" محمد عبد الرحمان برادة بأنه "على حافة ما لا تحمد عقباه"، حسب ما تناهى إلى سمعه، خاصة وأن "الانتهازي" بنهجها الدونكيشوطي المحارب للطواحين، لم توفر أي جهة من اليمين واليسار أو كبار المسؤولين.  

توالت التجارب في الصحافة الهزلية، منها تجربة العربي الصبان في "المقلاع"، وتجربة الصحفي علي المرابط في "دومان"، وقد صدر في حقه حكم قراقوشي قضى بمنعه من الكتابة لمدة عشر سنوات. والرسام خالد كدار الذي توبع مع مدير صحيفة "أخبار اليوم" توفيق بوعشرين بسبب رسم كاريكاتوري، وحكم عليهما بأربع سنوات، لحسن الحظ غير نافدة. 

في الضفة الأخرى، حيث السجون والمعتقلات السرية، سيعمد فنانون من السجناء السياسيين، للتعبير بالريشة وبالكاريكاتير، منهم عبد اللطيف الدرقاوي وعبد القادر الشاوي ومحمد النضراني وعبد العزيز مريد الذي برع في رسم "الباند ديسيني" (القصص المصورة) المتعثر تطورها بالمغرب. 

أسماء رسامي الكاريكاتير الذين يصعب حصرهم في هذا المقال. لكن نكتفي هنا بالإشارة إلى تجربة تكاد شبه مغمورة لمجموعة من الشباب من الجنسين، أشرفوا على إصدار مجلة ورقية باسم "السْكَفْكَفْ" (وجبة سريعة تعد من أحشاء وبقايا اللحم)، تعمدوا أن ينشروها من دون ترخيص قانوني، ووضعوا لها شعار: "خانز وبنين"، وهو اسم السندويتش الذي يتناوله مشجعو كرة القدم أمام ملاعب الدار البيضاء، ويتكون من شطيرة خبز بها جزر وبطاطس مسلوقين. والكلمة تعني بالفصحى (نتن ولذيذ). وهم يتواجدون في شبكة الانترنيت التي صارت تزخر بحسابات ومدونات وفيدوهات ساخرة مغربية. حيث أتاحت وسائل التواصل الرقمي تفاعل الراغبين في طرح الآراء والمطالب بكل حرية، بعيدا عن قيود الرقابة والتأطير المحسوب للهيئات الحزبية والنقابية وغيرها. 

قصر العدل في روما الذي يضم مقر محكمة الاستئناف العليا في إيطاليا (أرشيف)
قصر العدل في روما الذي يضم مقر محكمة الاستئناف العليا في إيطاليا (أرشيف)

بفضل العمل في عدة مؤسسات بحثية دولية، قُيض لكاتب هذه السطور أن يزور العاصمة الإيطالية روما عدة مرات خلال السنوات الماضية. حيث، وخلال كل زيارة من تلك، كانت العلاقة التي تربط سكان المدينة الحاليين بالذاكرة والتاريخ الأقدم للمدينة مثار غرابة وإعجاب على الدوام. بالضبط من حيث ما هم عليه من غنى ووصال وفاعلية في علاقتهم من مدينتهم القديمة. 

كان يحدث ذلك، مقابل العوز والمتاركة والقطيعة التي كان كاتب هذه السطور عليها، في علاقته العقلية والوجدانية والثقافية مع الحاضرة التاريخية التي ولد وعاش بين ثناياها. هو المتأتي من مكان كان يوماً عاصمة إمبراطورية تاريخية كبرى، شبيهة بروما نفسها، من قرية موزان شمال شرقي سوريا، التي تضم رفاة مدينة أوركيش التاريخية، التي كانت عاصمة المملكة الحورية القديمة. 

فأبناء مدينة روما الحاليون، وبمختلف أجيالهم، يعيشون المدينة القديمة وكأنها شيء حاضر وحيوي في تفاصيل حياتهم الراهنة. كانت روما القديمة، ولا تزال، ذات وجود متدفق في روما الراهنة، وفي أكثر من مستوى: عمارتها القديمة جزء مشهدي لا يمكن غض الطرف عنه في كل تفاصيل المدينة الحالية، بما في ذلك داخل بيوت سكانها، وسيرة التوأمين اللذين أسسا المدينة كثيفة في الذاكرة الجمعية، ومرويات حُقب المدينة القديمة وحكاياتها الشهيرة ومراحل تحولها الرئيسية جزء من الآداب والمناهج التربوية التي تنتجها المدينة الحديثة. وإلى جانب ذلك، ثمة متاحف وتماثيل مرئية ومنتجات تقنية وأنواع كثيرة من الآداب والفنون التي يفرزها الحاضرون يوماً، مبنية كلها وذات علاقة وثيقة مع ما كانت عليه المدينة القديمة، حيث إن السكان الحاليون في باطن وعيم يتصورون أنفسهم كامتداد روحي وثقافي وتاريخي لما كانت عليه روما القديمة.  

يحدث كل ذلك، في وقت لا يعاني فيه سكان روما الحاليون مع أية مشكلة أو صِدام مع الحداثة، بكل منتجاتها وأدوات فعلها ونوعية التفكير وأشكل السلوك التي تنفرز عنها. بل على العكس تماماً، يبدو الحضور الكثيف للمدينة التاريخية وذاكرتها في حاضر السكان، وكأنه أهم مصادر الغنى والحيوية للسكان، ما لم نقل الثقة بالذات، التي تنتج ممرات للاعتراف بالآخر وفسحة لطراوة الوجدان والمخيلة، تلك الأشياء التي تمنح السكان الحاليين قوة وجدانية وعقلية للانخراط كل اشكال الحداثة.  

على الدفة الأخرى، فإن كاتب السطور لم يسبق له أن عرف شيئاً عن العاصمة التاريخية القديمة التي ولد، هو وأبوه وجده وكامل أفراد عائلته، على بُعد عدة مئات من الأمتار منها. لم يعرف حتى اسمها التاريخي ولا مؤسسها ولا الحاضرة والمضامين التي كانت عليه هذه المدينة التاريخية. ليس هو فحسب، بل كامل الفضاء الاجتماعي والثقافي والإنساني المحيط بذاك المكان، الذين كانت تلك الحاضرة على الدوام واحدة من أكبر مجاهيل الحياة وأكثرها غموضاً بالنسبة لهم. 

فما عرفته شخصياً عن هذه المدينة القديمة، وبعد سنوات كثيرة من العيش بالقرب منها والمرور اليومي بها، كان بفعل فضول استثنائي ومهني خاصٍ جداً، لم يكن متوفراً إلا للقليلين. تلك المدينة التي كانت حاضرة عمرانية وثقافية وتجارية طوال آلاف السنين، عاصمة للملكة الحورية لوقت طويل، ثم صارت جزءا من الفضاء السياسي والإنساني لممالك "أكاد" ومن بعدهم "ماري"، تحوي قصوراً ومعابداً وأسواقاً ونصوصاً وتماثيل ومنتجات تاريخية لا تُقدر بثمن، لها سيرة وتاريخ وشخصيات ومنتجات أدبية ودينية وثقافية هائلة، كانت يوماً منارة إنسانية لقرابة ربع العالم.   

كل ذلك كان مجهولاً كبيراً لكل البشر المحيطين بالمكان، ولا يزال. وحدهم أعضاء بعثات التنقيب الأجنبية كانوا يعرفون ما بداخل ذلك المكان/الحاضرة، هؤلاء الذين كانوا محاطين بسور فعلي وآخر أمني، يعملون بصمت داخل مكاتبهم، يستخرجون الآثار ويجرون الدراسات بلغاتهم الأجنبية، ولا يجدون وقتاً ومعنى لأن يشرحوا ويفسروا للسكان المحيطين ما يعثرون عليه ويكتشفونه داخل المدينة. حتى أن بعض السكان المحليين، الذين كانوا يعملون كعمال سخرة لدى أعضاء تلك البعثات، أنما كان ممنوعاً عليهم مسّ أي شيء تاريخي قد يجدونه أثناء عمليات النبش والتنقيب.  

لم تكن تلك القطيعة على المستوى المادي فحسب، فجهل السكان بالمكان ومحتوياته وسيرته، كان استعارة كبرى عن قطيعة هؤلاء مع التاريخ نفسه، وتالياً مع جزء من ذواتهم وخصائصهم، ككائنات تملك خاصية متمايزة عن باقي المخلوقات، على مستوى العلاقة مع الذاكرة والتاريخ الأبعد مما هو حاضر راهناً. وتالياً ككائنات خُلقت وراكمت مجموعة كبرى من المنتجات والذواكر والأفكار والقيم والآداب والتجارب، التي تشكل بمجموعها المصدر الأولي والدائم للثراء الإنساني.  

فما كان خاصاً بالبقعة التي نشأ فيها كاتب هذه السطور، كان يمتد لأن يكون ظاهرة عامة في كل مكان آخر. فكامل شمال شرق سوريا كان قائماً على بحر من الحواضر التاريخية القديمة، تحوي سهوبه كنوزاً من الآثار والمنتجات الإنسانية، لكنها جميعاً كانت عوالم مجهولة تماماً بالنسبة للسكان، غير حاضرة أو ذات معنى في الذاكرة الجمعية، لا يتم تداولها في المناهج التربوية وليس لها من قيمة في المنتجات الأدبية والثقافية والفنية والسياحية لأبناء المكان، ولا فاعلية لها في الضمير والمخيلة والعقل العام.  

يمتد ذلك الأمر ليشمل سوريا كلها، ومنها بنسب مختلفة لكل بلدان منطقتنا، الذين، ولغير صدفة، يعيشون صداماً ورفضاً للغالب الأعم من ظواهر ومنتجات الحداثة، المرابطين في خنادق المركزية والمحافظة والماضوية.  

من تلكم الثنائية، تبدو العلاقة الثنائية شديدة الوضوح، بين مجتمعات سائلة، تعتبر نفسها جزءا حيوياً من تاريخ قديم ومتقادم، منتج ومراكم لكل أنواع الثراء الإنساني، وأخرى تعتبر نفسها يتيمة، ولدت للتو كجيل أول ووحيد، ليس لها في التاريخ أي ثراء، خلا بعض حكايات الذكورة الرعناء، عن البطولة والحروب ومفاخرها، وتالياً لا تنتج إلا شيئاً واحداً: العصبيات الخالية من أية قيمة.