لاجئون سوريون يبحثون عن مستقبل أفضل في أوروبا
لاجئون سوريون يبحثون عن مستقبل أفضل في أوروبا

كل واحدة منهما في مدينة مختلفة، لكن قصتيهما تشابهتا في المحتوى، واختلفتا في النتائج المؤثرة. 

تخص القصة الأولى سيدة عربية لجأت إلى دولة أوربية منذ عامين، تعرضت طفلتها/11/ عاماً قبل أشهر قليلة خلال اللعب إلى حادث انزلاق تسبب لها بكسور حرجة في عظم الفخذ أضف أن السيدة ترعى والدتها المقيمة معها، والتي تعاني بدورها من عجز نسبي في حركة المشي بسبب جراحة قديمة في مفصل الورك.   

بسبب حادثة الطفلة ورحلة العلاج الطويلة غير المأجورة، تنبهت إدارة المشفى أن المنزل المخصص للسيدة اللاجئة يقع في الطابق الرابع من بناء غير مزود بمصعد. وبدون تلكؤ أبلغت الحكومة التي طلبت منها الاخلاء الفوري، وأرسلت لها عمال للمساعدة، ونقلتها إلى منزل أكبر يقع في الطابق الأرضي يسهل من حركة الجدة والحفيدة التي تنقل للمدرسة يومياً تحت إشراف حكومي، وبما ساهم في النهاية في تخفيف عبء كبير عن كاهل ثلاثة أفراد. 

فيما تعاني السيدة الثانية المقيمة في مدينة عربية من صقيع منزلها الواقع في الطابق الخامس من بناء غير مكتمل الاكساء وغير مزود بمصعد وانقطاع شبه مستمر في الماء والكهرباء. وهي الملزمة ثلاث مرات في الأسبوع على حمل ابنها للمشفى لعلاجه المزمن على نفقتها الخاصة بعد يأسها من أي دعم يمكن أن يقدم لها. الأمر الذي اضطرها مؤخراً للانتقال مع الابن إلى غرفة متواضعة ملحقة بطابق أرضي أعارها لها بعض المعارف تعاطفاً معها.   

لا تحتاج القصتان إلى الاستفاضة لشرح الفوارق بين أداء حكومتين، تحترم أحدهما حقوق مواطنيها حتى لو كانوا غير أصيلين، وأخرى لاتكترث بأبسط احتياجات الناس وحقوقهم فقط، بل تجتهد ما أمكنها في إصدار القرارات التعسفية المتتالية وفقاً لسياسة ممنهجة ترمي إلى كسر الأرواح، مع الترهيب المستمر وملاحقة المعترضين بتهم أزلية ثابتة مثل التحريض أو إثارة الشغب أو المساس بهيبة الدولة. 

أية هيبة لدولة لاتجد حلاً واحداً مقنعاً لأزماتها الاقتصادية المتراكمة في حين ينهب مسؤولوها خيرات البلاد ومدخرات العباد ويزدادون غلاًّ وغطرسة؟. أية هيبة لدولة تأخذ ولاتعطي، وتمعن في جورها الضريبي وكأنها تحتفظ بثأر شخصي ضد شعبها وتحرمه من جميع حقوقه المشروعة كدافع للضرائب؟ 

أية هيبة لدولة تدعي استثنائية المرحلة وتطالب بشد الحزام وتقنين المال العام، فيما يتبارى ساستها في الظهور بأفخر الثياب وأفخر أنواع السيارات، والآلاف من أفراد شعبها ينتظرون منذ سنوات في البرد والقيظ حلاً لأزمة المواصلات؟ أية هيبة لدولة تتبجح بدعمها المكلف للسلع الحيوية ويتبين لاحقاً فسادها كفساد مستورديها؟ وأية هيبة لدولة تلهث وراء جلب المستثمرين ثم تطفشهم أو تحتجز ثرواتهم وفقاً لقوانين وشروط معقدة وتعجيزية؟.  

في واقع الأمر، لا دولة معنية مباشرة هنا، ويمكن لكل من يطرح مثل هذه التساؤلات أن يشعر أنها دولته المعنية. وكل من يشعر أن روحه انطفأت وضياء عينيه قد نهب منه، وكل من يحزم حقائبه اليوم محاولاً الهروب والنجاة بسبب واحدة من هذه التساؤلات، ينتمي حتماً إلى واحدة من هذه الدول. 

دول تتناثر في كل مكان، تغولت في مظالمها وقسوتها، تشابهت ملامحها وتفاقم عددها في السنوات الأخيرة مثل استنساخ انشطاري، حتى كادت تشكل مجموعة دولية فاشلة يمكن أن يطلق عليها مجموعة الدول الهشة ذات الهيبة الكرتونية. 

من نافل القول، إن هيبة الدول لا تبنى بالحب والعواطف والمشاعر، ولا بالخوف والتربص والاكراه. الاحترام المتبادل بين الشعب وحكومة بلاده هو المعيار الرئيسي الذي يؤسس لهذه العلاقة التشاركية النفعية التي تخدم الطرفين ومصالحهما وحقوقهما وواجباتهما وفقاً لعقد اجتماعي مبرم بينهما. وحين تختل هذه المعادلة خللاً جوهرياً، يصير الانتماء موجعاً، وفرص الاصلاح مستنفذة، والأرواح المعلّقة جاهزة للرحيل. 

ابنة السيدة ذات 12 عاماً، ربما لم تع إلى الآن تماماً الأسباب التي دفعت أمها إل حملها لبلاد اللجوء، لكنها ستحتفظ بذاكرتها طويلاً أن الحكومة المضيفة كانت لها ملاكاً حارساً عند محنتها وحاجتها الصحية، وستكبر وتتعلم ويزداد انتماؤها ومواطنيتها لهذه الدولة، وقد ترد لها الدين المعنوي بنبوغِ أو إنجاز ما تفتخر أن تنسبه لها مستقبلاً. 

رغم ذلك لاتعتبر مثل هذه الدول واجباتها على أنها ديون تطالب مواطنيها بردها، بل تجترع الحلول وتسخر كل إمكانياتها كحكومة منتخبة، وضع الشعب ثقته بها، مكلفة لخدمة أفراده ورفع مستوى رفاهيتهم الانسانية، وكل مايمكنه أن يعلي من شأنهم وشأن هيبة دولتهم، وجدارتها بحمل صفة الهيبة. 

أحد الحلول التي يمكن أن تخفف من سيل الهجرة وموجات طلب اللجوء اللتين باتتا أشبه بتسونامي بشري حقيقي، هي العمل الجاد على التخفيف أو إيقاف هشاشة بعض الدول ذات الهيبة الكرتونية التي تخرج منها كل هذه الجماعات المهاجرة.  

كيف؟؟؟ الجميع يعلم ماهي الاجابة، لكن البعض يتواطأ لجعلها مهمة معقدة ومتشابكة وعسيرة التنفيذ.  

يريد "حزب الله" المرتبط ارتباطًا وثيقًا بالأجندة الإيرانية أن يُبقي لبنان "عمقًا استراتيجيًا للجمهورية الإسلامية في إيران"
يريد "حزب الله" المرتبط ارتباطًا وثيقًا بالأجندة الإيرانية أن يُبقي لبنان "عمقًا استراتيجيًا للجمهورية الإسلامية في إيران"

كأنّ هناك عقلًا واحدًا يتحكّم بصانعي الفوضى في العالم، اذ إنّ هؤلاء لا يجدون سوى وصفة واحدة لإحلال السلام: الاستسلام لهم!

ومن يدقق بالعبارات التي يستعملها صانعو الفوضى في العالم، يتفاجأ بأدبيّات موحّدة، فالقيادة الروسية بزعامة فلاديمير بوتين تحمّل الغرب مسؤوليّة دخول حربها على أوكرانيا عامها الثاني، لأنّ هذا الغرب يزوّد أوكرانيا بمقوّمات الصمود العسكري والإنساني، مما يحول دون استسلامها.

بالنسبة للقيادة الروسيّة: السلام مستحيل، والتصعيد ضرورة، والدمار واجب، والقتل حتمي، طالما أنها عاجزة عن تحقيق أهدافها المعلنة في أوكرانيا، فالطريق إلى السلام قصير جدًا، إذا سارت كييف بشروط موسكو.

هذه العقلية الروسيّة لا تعير أيّ اهتمام للقانون الدولي وللسيادة الوطنية وللمصالح الإقليمية وللسلم الدولي ولموازين القوى، فهي إمّا تنتصر وإمّا تفني العالم، من خلال رفع مستوى التهديد باللجوء إلى احتياطاتها الخطرة من الرؤوس النووية.

وثمّة دول مستفيدة من هذا الانحراف الروسي، فالصين التي تنافس الولايات المتحدة الأميركية على زعامة العالم، تجد في القيادة الروسيّة ضالتها، إذ إنّ هوسها بالانتصار المستحيل سوف يوهن موسكو ويلحقها ببكين، وسوف يضعف الاتحاد الأوروبي ويبعده عن دائرة التأثير في صناعة موازين القوى الاستراتيجية في المستقبل.

ولكنّ دون هذا الهوس الروسي من جهة أولى وهذا الهدف الصيني، من جهة ثانية، يقف وعي غربي جماعي، إذ اكتشفت دوله أنّ تعاضدها ووقوفها في صف واحد مع الولايات المتحدة الأميركية، وحده كفيل بتوفير مستقبل سيادي لها ولشعوبها.

قبل الغزو الروسي لأوكرانيا، كان الغرب شبه مفتّت ووحدته شبه متفسّخة، إذ كانت المصالح الاقتصاديّة تتقدّم على كل المخاوف الاستراتيجية.

بعد الغزو الروسي، وفي ظل القراءة العميقة للأداء الروسي، اختلفت الأحوال، إذ إنّ الوقاية من مخاطر المستقبل تمرّ بتوفير الشروط اللازمة للحيلولة دون استسلام أوكرانيا، بصفتها بوابة أوروبا،  أمام "الدب الروسي" الذي سوف يسلّم نفسه والآخرين لمشيئة "التنّين الصيني".

ومن روسيا ننتقل مباشرة إلى لبنان، حيث منطق "حزب الله" لا يختلف بشيء عن منطق "حزب الكرملين".

يريد "حزب الله" المرتبط ارتباطًا وثيقًا بالأجندة الإيرانية أن يُبقي لبنان "عمقًا استراتيجيًا للجمهورية الإسلامية في إيران"، وفق "تكليف" صادر عن المرشد الاعلى علي خامنئي، وذلك خلافًا لإرادة سائر القوى السياسية التي تريد أن يعود لبنان عنصرًا فاعلًا في محيطه العربي وفي بعده الدولي.

ولهذا يسعى "حزب الله" إلى أن يفرض رئيس الجمهورية الذي يناسب مخططه، وهو من أجل تحقيق ذلك يترك البلاد لقمة سائغة في فمّ الفراغ المنتتج للفوضى وللفقر وللجوع.

وكالعادة  لا  يتحمّل "حزب الله" تبعة ما يقدم عليه، بل يلقيه على عاتق من يتصدّى لمخططاته، وهو، من أجل إعطاء صدقية لمقولات "الهروب إلى الأمام"، يقحم الولايات المتحدة الأميركية ويهددها بفوضى تشمل كل المنطقة.

ولسان "حزب الله" يقول: هاتوا الرئيس الذي نريد  ويحقق لنا ما نرغب به فنعفيكم من الفوضى والكوارث!

وترفض غالبية اللبنانيين الرئيس الذي يصرّ عليه "حزب الله"، وتطرح عليه حلولًا وسطًا، لكنّ الحزب يرفض ذلك، على قاعدة: استسلموا تسلموا!

صحيح أنّ القوى التي ترفض الرضوخ لـ"حزب الله" ليست أوكرانيا والقوى الخارجية المؤيّدة لها لا تفتح أمامها مخازن السلاح وخزائن المال، ولكنّ الصحيح أيضًا أنّ من بيدهم القدرة على انتشال لبنان من جحيمه يقولون للبنانيّين: إذا استسلمتم لإرادة "حزب الله" لا تهرعوا علينا، فنحن لن نساعد دولة تضع إمكاناتها في مساعدة أعدائنا.

وكما تعرض روسيا الاستسلام لتوقف حربها في أوكرانيا كذلك يعرض "حزب الله" الاستسلام على سائر اللبنانّيين حتى لا يوقعهم أكثر في الفوضى والجوع.

المشكلة مع هذا المحور الذي يعاني منه السوريون واليمنيون والعراقيون والإيرانيون أنّه يعرض عليك الحياة لينتزع منك…الحياة!