أحد أهم ملامح عمق الأزمة السياسية هي غياب تام لقيادة وطنية قادرة على أن تقدّم نفسَها كرمزية وطنية يتفق عليها أغلب العراقيين
أحد أهم ملامح عمق الأزمة السياسية هي غياب تام لقيادة وطنية قادرة على أن تقدّم نفسَها كرمزية وطنية يتفق عليها أغلب العراقيين

قبل يومَين شاركتُ تغريدة على تويتر تعرض حفلَ احتفال توديع المستشارة الألمانية إنجيلنا ميركل لمغادرتها كرسي المستشارية بعد أن بقيت فيه 16 عاماً.

وأثارني جدّاً الاحتفال بمغادرة أعلى منصب في دولة كبرى مثل ألمانيا. غادرتْ ميركل المنصبَ باحتفالية وداعية تاريخية عزفت فيه الأوكسترا العسكرية الألمانية ثلاث أغانٍ من اختيار ميركل وتقول كلمات الأغنية الأولى: "فلتمطر السَّماءُ وروداً حمراء مِن أجلي.. ولتكن معجزات جديدة بانتظاري".

وعندما أردتُ دعوة السياسيين في العراق إلى التمعّن بهذه المناسبة، باعتبارهم لم يستفيدوا من دروس التاريخ، والتمعن بنموذج ميركل في إدارة الدولة.. استوقفني تعليقٌ مِن أحد المتابعين بتويتر عن الإجحاف بالمقارنة وعدم موضوعيتها. كونها تريد أن تقارن بين زعامات سياسية عاثت في الأرض فساداً وأسست منظومة الخراب، مع ميركل التي عملت لعظمة ألمانيا.

لا أنكر عدم واقعية المقارنة، ولكنّها أدوات الباحث المتخصص في العلوم السياسية، بيد أن مقاربتها على الواقع السياسي في العراق لا تخلو مِن الرومانسية، ففي 18 عاماً، ولم يتخلَّ رؤوساء الحكومات بإرادتهم عن المنصب، ولم يغادروه إلا وَهُم مكرَهون. ويعودون ليصدّعوا رؤوسَنا بخطابات عن منجزاتهم في الحكم، وهم لم ينجحوا إلا في إدارة منظومة الفساد والخراب والفشل، ولكنّهم نجحوا في ضمان مصالح المافيات السياسية التي تعمل بعنوان أحزاب وتكتلات.

مأساتنا مع حكّامنا وقادتنا السياسيين الذين تواطأ القَدَرُ معهم علينا، أنهم يرفضون التخلي عن المناصب، ويريدون أن يفرضوا علينا زعامتهم سواء أكانت برمزية دينية أو عائلية أو نفوذاً بسطوة السلاح المنفلت أو منصب سياسي وصلوا إليه بمحض الصدفة! لذلك لم يعد مستغرَباً عندما يطعنون بنتائج الانتخابات ونزاهتها لأنَّهم خسروا مقاعدَهم فيها، فهم يعتبرون السلطةَ والنفوذَ قد باتت حقاً مكتسباً حتّى وإنْ جرى بطرق غير شرعية.

أحد أهم ملامح عمق الأزمة السياسية هي غياب تام لقيادة وطنية قادرة على أن تقدّم نفسَها كرمزية وطنية يتفق عليها أغلب العراقيين. ومَن يراقب وسائل التواصل الاجتماعي يجد هناك رغبة عند العراقيين بالحديث عن رموز يقدمونها باعتبارها شخصيات وطنية تحظى بالمقبولية، ويتم التفاخر بمنجزاتها. لكنَّ جميع هذه الشخصيات، وعلى الرغم من الخلاف بشأن بعض مواقفها، هي شخصيات مِن ماضي العراق وليست حاضره. وقد يكون هوس شعوبنا بالتاريخ وأحداثه سبباً في استحضار تلك النماذج باعتبارها رمزية وطنية. لكنّها في واقع الحال تعبير عن نقص واضح في الشخصيات السياسية التي يمكن أن تحظى بمقبوليتها على اعتبارها قيادات وطنية.

لا يفكر السياسيون في العراق بمدى عمق وخطورة تلك الأزمة، لأنَّ تفكيرَهم بات ينحصر في دائرة التنافس السياسي داخل مكوناتهم الطائفية والقومية. وحتى مَن يحاول أن يقدم بنفسه بعنوان وطني، لا يمكن الرهان عليه؛ لأنّه يسقط في أول اختبار ويعود إلى دائرته السياسية الضيقة. ولم يعد السياسيون يهتمون بالتفكير خارج صندوق عناوينهم المكوناتية، لأنَّهم يدركون تماماً عجزهم عن تقبلهم كقادة لدى مجتمعهم الطائفي والقومي، فكيف لهم أن ينجحوا في أن يكونوا قيادات في فضاء وطني!

كيف يبرز مِن بين الفرقاء السياسيين زعماء وطنيون، وهم لا يجتمعون إلا تحت رعاية خارجية؟! ولا يعتبرون الولاء لدولةٍ أخرى، تهمة بالخيانة أو العمالة للأجنبية؟! حتّى باتوا يعتقدون أن بقاء نفوذهم وسطوتهم السياسية مرتهناً بتنفيذ الأجندة الخارجية وليس تحقيق مصالح مجتمعهم الوطني! وعندما تكون معايير الولاء للوطن مختلفا عليها، وغياب مشروع وطني بالتأكيد ستكون النتيجة غياب لزعامات وطنية. فالكثير من القيادات السياسية تنظر برؤى متقاطعة لمفهوم المصلحة الوطنية، فالقوميُّ ينظر لها مِن منظار مصلحته في ترسيخ زعامته السياسية على قوميته، والطائفيُّ ينظر لها مِن منظور متداخل: الأوّل هو منطقة نفوذه السياسي التي يجب أن تتحصَّن بعنوان (مصلحة الطائفة أو المكوّن). والثاني، اعتباره جزءاً من آيديولوجيات طائفية تتصارع على النفوذ الإقليمي.

حتّى مَن يتصدى إلى رئاسة الحكومة، لا يجري اختيارُه على أساس تنفيذ مشروع وطني، ولا هو يعمل على تحقيق ذلك المشروع بعد تولّيه المنصب، وإنما يكون جلّ انشغاله في ترضية الزعامات السياسية وتحقيق مصالحها، في سبيل البقاء بالمنصب وعلى أمل ضمان تجديد بقائه فيه. تجاربنا المريرة مع الحكومات السابقة رسخت قناعتنا بأنَّ من يصل إلى المناصب العليا في الدولة لا يكون قائداً لِمشروع وطني، وإنما وظيفته الأساس إدارة نظام الحكم لمصلحة مَن يدين لهم بالوصول إلى هذا المنصب!

وحتّى لا نُتهَم بالمقارنات غير الموضوعية مع نماذج من الدولة المتقدمة، نستحضر أنموذجاً لقائد وطني قريب من تعقيداتنا السياسية والاجتماعية. ففي الكتاب الذي ترجمته الأستاذة لطفية الدليمي عن سيرة حياة الرئيس الهندي الراحل أبو بكر زين العابدين عبد الكلام (ت: 2015) وعنوانه: (رحلتي - تحويل الأحلام إلى أفعال) الرئيس الهندي الذي أتى إلى المنصب من عالَم الفيزياء والفضاء يقول في ردّه على سؤال وُجّه له: كيف أصبحت رئيساً لِلهند في تمّوز عام 2002 ؟ وأيّة مواصفات قيادية يحتاجها المرء ليقود بلداً كبيراً ومعقّداً ومُتخَماً بالإشكاليات مثل الهند؟

يقول عبد الكلام: أيّة قيادة، في حقل التكنولوجيا أو السياسة، تتطلَّب أن يحوز القائد على سمات ست أساسية :الأولى هي أن يمتلك القائد الرؤية، والثانية هي أن يكون بمقدوره طَرق وسائل غير مجرّبة أو مستكشفة لأنَّ الناسَ يميلون في الغالب إلى الاندفاع في طرق مطروقة مِن قبل الآخرين ولا يميلون إلى دفع الأثمان المترتبة على مغامرة تجريب وسائل غير مطروقة.

والسمة الثالثة هي أن يعرف القائد كيف يتعامل مع النجاح، والأهم من ذلك بكثير كيف يتعامل مع الفشل. أمّا السمة الرابعة فهي أنه على القائد أن يتحلّى بالشجاعة في اتخاذ قرارات مسؤولة، والسمة الخامسة على القائد أن يكون شَفّافاً وَمرئياً من قبل الجميع، وأخيراً يجب على القائد أن يعمل في نزاهة كاملة وسط محيط من المساعدين والمستشارين الذين يناظرونه نزاهة وعلماً ليتمكّن مِن تحقيق الأهداف المؤشّرة .

وتلك هي خارطة الطريق لِمَن يريد أن يكون زعيماً سياسياً وطنياً.

يريد "حزب الله" المرتبط ارتباطًا وثيقًا بالأجندة الإيرانية أن يُبقي لبنان "عمقًا استراتيجيًا للجمهورية الإسلامية في إيران"
يريد "حزب الله" المرتبط ارتباطًا وثيقًا بالأجندة الإيرانية أن يُبقي لبنان "عمقًا استراتيجيًا للجمهورية الإسلامية في إيران"

كأنّ هناك عقلًا واحدًا يتحكّم بصانعي الفوضى في العالم، اذ إنّ هؤلاء لا يجدون سوى وصفة واحدة لإحلال السلام: الاستسلام لهم!

ومن يدقق بالعبارات التي يستعملها صانعو الفوضى في العالم، يتفاجأ بأدبيّات موحّدة، فالقيادة الروسية بزعامة فلاديمير بوتين تحمّل الغرب مسؤوليّة دخول حربها على أوكرانيا عامها الثاني، لأنّ هذا الغرب يزوّد أوكرانيا بمقوّمات الصمود العسكري والإنساني، مما يحول دون استسلامها.

بالنسبة للقيادة الروسيّة: السلام مستحيل، والتصعيد ضرورة، والدمار واجب، والقتل حتمي، طالما أنها عاجزة عن تحقيق أهدافها المعلنة في أوكرانيا، فالطريق إلى السلام قصير جدًا، إذا سارت كييف بشروط موسكو.

هذه العقلية الروسيّة لا تعير أيّ اهتمام للقانون الدولي وللسيادة الوطنية وللمصالح الإقليمية وللسلم الدولي ولموازين القوى، فهي إمّا تنتصر وإمّا تفني العالم، من خلال رفع مستوى التهديد باللجوء إلى احتياطاتها الخطرة من الرؤوس النووية.

وثمّة دول مستفيدة من هذا الانحراف الروسي، فالصين التي تنافس الولايات المتحدة الأميركية على زعامة العالم، تجد في القيادة الروسيّة ضالتها، إذ إنّ هوسها بالانتصار المستحيل سوف يوهن موسكو ويلحقها ببكين، وسوف يضعف الاتحاد الأوروبي ويبعده عن دائرة التأثير في صناعة موازين القوى الاستراتيجية في المستقبل.

ولكنّ دون هذا الهوس الروسي من جهة أولى وهذا الهدف الصيني، من جهة ثانية، يقف وعي غربي جماعي، إذ اكتشفت دوله أنّ تعاضدها ووقوفها في صف واحد مع الولايات المتحدة الأميركية، وحده كفيل بتوفير مستقبل سيادي لها ولشعوبها.

قبل الغزو الروسي لأوكرانيا، كان الغرب شبه مفتّت ووحدته شبه متفسّخة، إذ كانت المصالح الاقتصاديّة تتقدّم على كل المخاوف الاستراتيجية.

بعد الغزو الروسي، وفي ظل القراءة العميقة للأداء الروسي، اختلفت الأحوال، إذ إنّ الوقاية من مخاطر المستقبل تمرّ بتوفير الشروط اللازمة للحيلولة دون استسلام أوكرانيا، بصفتها بوابة أوروبا،  أمام "الدب الروسي" الذي سوف يسلّم نفسه والآخرين لمشيئة "التنّين الصيني".

ومن روسيا ننتقل مباشرة إلى لبنان، حيث منطق "حزب الله" لا يختلف بشيء عن منطق "حزب الكرملين".

يريد "حزب الله" المرتبط ارتباطًا وثيقًا بالأجندة الإيرانية أن يُبقي لبنان "عمقًا استراتيجيًا للجمهورية الإسلامية في إيران"، وفق "تكليف" صادر عن المرشد الاعلى علي خامنئي، وذلك خلافًا لإرادة سائر القوى السياسية التي تريد أن يعود لبنان عنصرًا فاعلًا في محيطه العربي وفي بعده الدولي.

ولهذا يسعى "حزب الله" إلى أن يفرض رئيس الجمهورية الذي يناسب مخططه، وهو من أجل تحقيق ذلك يترك البلاد لقمة سائغة في فمّ الفراغ المنتتج للفوضى وللفقر وللجوع.

وكالعادة  لا  يتحمّل "حزب الله" تبعة ما يقدم عليه، بل يلقيه على عاتق من يتصدّى لمخططاته، وهو، من أجل إعطاء صدقية لمقولات "الهروب إلى الأمام"، يقحم الولايات المتحدة الأميركية ويهددها بفوضى تشمل كل المنطقة.

ولسان "حزب الله" يقول: هاتوا الرئيس الذي نريد  ويحقق لنا ما نرغب به فنعفيكم من الفوضى والكوارث!

وترفض غالبية اللبنانيين الرئيس الذي يصرّ عليه "حزب الله"، وتطرح عليه حلولًا وسطًا، لكنّ الحزب يرفض ذلك، على قاعدة: استسلموا تسلموا!

صحيح أنّ القوى التي ترفض الرضوخ لـ"حزب الله" ليست أوكرانيا والقوى الخارجية المؤيّدة لها لا تفتح أمامها مخازن السلاح وخزائن المال، ولكنّ الصحيح أيضًا أنّ من بيدهم القدرة على انتشال لبنان من جحيمه يقولون للبنانيّين: إذا استسلمتم لإرادة "حزب الله" لا تهرعوا علينا، فنحن لن نساعد دولة تضع إمكاناتها في مساعدة أعدائنا.

وكما تعرض روسيا الاستسلام لتوقف حربها في أوكرانيا كذلك يعرض "حزب الله" الاستسلام على سائر اللبنانّيين حتى لا يوقعهم أكثر في الفوضى والجوع.

المشكلة مع هذا المحور الذي يعاني منه السوريون واليمنيون والعراقيون والإيرانيون أنّه يعرض عليك الحياة لينتزع منك…الحياة!