لبنان غرق في فوضى سياسية وعنف على خلفية تردي الأوضاع الاقتصادية
لبنان غرق في فوضى سياسية وعنف على خلفية تردي الأوضاع الاقتصادية

يكثر الحديث عن لبنان "العصفورية" هذه الأيام. والعصفورية تعني بيت المجانين. لكن ألطف ما قرأت بخصوصها تعريف أحدهم: 

"قطعة أرض مساحتها 10452 كلم مربع تقع على الشاطئ الشرقي للبحر الأبيض المتوسط، تحدها فلسطين وسوريا يتقاتل كل من فيها ضد كل من فيها وشعبها يعتقد انه أذكى شعوب العالم ويعيش في القرون الوسطى بلا كهرباء وبلا ماء، والعصفورية غارقة بدين عام يتخطى المئة مليار دولار وغارقة في الفساد والتلوث و90% من شعبها موالي لدول الجوار: سوريا، السعودية وإيران. وتأكيدا لجنونهم يحتفلون بعيد الاستقلال".  

في الحقيقة الشعب اللبناني لم يحتفل بعيد الاستقلال. لبنان الرسمي هو الذي احتفل باستقلال يجهد يومياً لإلغائه ويرهنه لإرادة جهة سياسية تتبع لمحور "ممانعة" لم يدخل بلداً إلا وجعله خراباً وبدل أن يحرر فلسطين احتل لبنان.  

هذه الجهة تعطّل حكومته وتريد قبع القاضي الذي لا يخضع لإملاءاتها، وصولاً لتدمير مؤسسة القضاء بأكملها أو تطويعها. تدّعي على فارس سعيد، لأن المطالبة بالحقيقة وبالسيادة يترجمونها "إشعال حرب أهلية". ترد على مطالبة البطريرك بالحياد، بفرض الانحياز و"العيش المشترك" الذي يعني: نريدكم معنا لنحكمكم. هذه الجهة تمحي عروبة لبنان، ما يجبر الساديين على إطلاق  نداء يؤكد عروبته، لكن دون التجرؤ على ذكر إيران التي تلغيها عملياً. 

مجمل التمارين التي حصلت في الأيام القليلة الماضية، تعطي فكرة عن وضع الجمهورية التي أصبحت مركباً تائهاً تقوده دويلة بمجدافين مستعارين من إيران. ففي الوقت الذي كان يغادر فيه رئيس الجمهورية الأراضي اللبنانية للمشاركة بنشاط قطر الرياضي، كان المواطنون يتأهبون للنزول الى الشارع لعجزهم عن تأمين قوت عائلاتهم وحاجاتهم اليومية. فلقد انزلق أكثر من 80% من الشعب نحو الفقر المدقع بحسب احصاءات الامم المتحدة. يومياً نسمع عن حكايات جوع الاطفال وعدم قدرة الاهل على تزويدهم بما يكفيهم من طعام للمدرسة، ناهيك عن تأمين قسط المدرسة او ثمن الدواء.  

لكن من يلتفت الى هذه الترهات أمام  "المقاومة التي تبقى الحِصن القوي لحماية لبنان وقوّته في صونه ومنعته أمام كلّ التهديدات"!! على ما يخطب فينا نائب الحزب محمد رعد؟  

لكن يبدو أن المعترضين في تظاهرات الاثنين لا يوافقونه، فلقد أكد أحدهم: “أن بيروت التي تصدّت للعدو الاسرائيلي في عام 1982 تتصدّى اليوم للظلم الذي يواجه أهلها في معيشتهم”.  

يعنيإن ما يحصل ظلم يعادل ظلم الاحتلال. وما يهددهم اليوم في حياتهم لا يقل خطراً عن التهديد الذي شكله الاحتلال الاسرائيلي عام 1982. 

لكن ليس وضع اللبنانيين ما يشغل بال رئيس جمهوريتنا، بل فقط ماذا سيفعل عندما يحين موعد انتهاء ولايته؟؟ فاللبنانيون لا يطيقون انتهاء عهده المزدهر، فيطمئنهم من قطر:" "لن أسلم الفراغ". بمعنى إنه سيبقى في منصبه فيما لو تعرقلت الانتخابات النيابية. لكنه يستدرك انه "سيغادر قصر بعبدا عند انتهاء ولايته ولكنّ إذا قرّر مجلس النواب بقائه فَسيبقى".  

مشكور الرئيس على هذه التضحية الكبيرة. يبدو أنه يجهل أن ما نعيشه أسوأ من الفراغ. فربما لم يصل إلى مسامع فخامته خبر اللبنانيين الذين يرمون بأنفسهم في أحضان الموج، ليس بحثاً عن أسواق جديدة يتاجرون معها، بل هرباً من جحيم الجمهورية المقاومة ورئيسها القوي، الذي لم يحرِ جواباً عندما سئل عن مصير الوزير المبجل القرداحي.  

أُوصل لبنان الى الحضيض، بخطة محكمة ومتدرجة بدأت منذ الثمانينات، وتفعلت عام2000، وظلت في الظل فلم تظهر للعيان إلا ببطء، منذ اغتيال رفيق الحريري وما تلاه من أحداث. ظلت الخطة موضع شك وعدم يقين عند البعض حتى جاء انتخاب "الماروني القوي" الذي شكل الغطاء والرافعة للمشروع الذي انكشف تماماً فكشّر عن أنيابه بعد أن عاين رفض غالبية اللبنانيين ومقاومتهم له. انهم يرفضون الاحتلال ويريدون إيران برّا. الآن، سيستخدم جميع الوسائل للحفاظ على مكتسباته. إدامة الانهيار الاقتصادي ليس سوى إحدى أداوات الخطة ووسيلتها لسحق كل معارضة. 

حبذا لو تسنى لمؤلفي كتاب "لماذا تسقط الدول" الإطلاع على تجربة لبنان في السقوط المريع والانهيار، لكانا وفّرا على نفسيهما الكثير من التعب. فلقد استعرض دارون اسيموغلو وجيمس روبنسون في كتابهما، النظريات الاقتصادية التي حاولت تفسير التفاوتات في نمو الدول وتطورها وأظهرا تقصيرها. من فرضية الجغرافيا، التي كان مونتسكيو إول من طرحها فأكد لعب المناخ الحار الدور الأساسي في فشل الدول وتأخرها؛ إلى الفرضيات الثقافية التي كان رائدها ماكس فيبر، التي يقبلها المؤلفان بتحفظ. فصحيح إنه من الصعب تغيير الاعراف الاجتماعية وتلك المرتبطة بالثقافة، وأنها مهمة لأنها تظهر الاختلافات المؤسسية المرتبطة بالثقافة احياناً، لكنها في الغالب لا تؤثر ولا تفسر لماذا وصلنا الى هنا ولماذا تستمر اللامساواة.  

بينما أكدا على دور الأحداث التاريخية، بدلاً من العوامل الثقافية ، في تشكيل المسار الاقتصادي، فاتخذا الشرق الأوسط كنموذج. فعندما استغل محمد علي ضعف سيطرة العثمانيين على الأراضي المصرية وحكم مصر بين 1805 و 1848، استطاعت ان تسير في طريق التغيير الاقتصادي السريع، وتمكن من تأسيس سلالته الخاصة، التي حكمت بشكل أو بآخر حتى الثورة المصرية في عهد عبد الناصر في عام 1952. إصلاحات محمد علي، وإن كانت قسرية ، جلبت النمو لمصر باعتبارها بيروقراطية الدولة . 

فإذا كان للأحداث التاريخية دوراً مهماً، إضافة الى العامل السياسي الذي يهمله الاقتصاديون عموماً، حينها كان يمكن للمؤلفين توفير جهد البراهين الكثيرة لعدم كفاية الفرضيات والنظريات الاقتصادية التقليدية وخصوصاً تلك التي تفسر فشل الدول بالجهل التقني بالاقتصاد. كان النموذج اللبناني سيعطيهم كل البراهين الضرورية مجتمعة، كيف ان السياسات وإدارة المؤسسات، وخصوصاً المقصودة، هي التي تدهور أوضاع الدول. كما حصل في بعض تجارب دول افريقيا التي افتقر سكانها جراء حقوق الملكية والمؤسسات الاقتصادية. لقد سمحوا بهذه السياسات ليس لخطل اعتقادهم أنها خطط اقتصادية جيدة، بل لأنها تمكنهم من الإفلات من العقاب وإثراء أنفسهم على حساب البقية. كانت الطريقة التي تسمح لهم بالحفاظ على أنفسهم في السلطة عن طريق شراء دعم المجموعات أو النخب المهمة.  

إنها نفس الوصفة اللبنانية لوضع اليد عليه. فمن أعلن إفلاس الدولة اللبنانية كان يعرف تماماً ماذا يفعل. ومن يعطّل الحكومة الآن يعرف تماماً ماذا يفعل. ومن يضرب القضاء، ويريد تعطيل الانتخابات وتكسير الصناديق عندما يرى انها ليست لصالحه؛ كلها سياسات مقصودة لتيئيس اللبنانيين وتركيعهم. 

كلما مر الوقت كلما ازداد الوضع تعقيدا. 

بكينا على فلسطين، فهل سنبكي على لبنان؟ على اللبناني التصرف بناء على ذلك؟ فماذا هو فاعل؟ 

يريد "حزب الله" المرتبط ارتباطًا وثيقًا بالأجندة الإيرانية أن يُبقي لبنان "عمقًا استراتيجيًا للجمهورية الإسلامية في إيران"
يريد "حزب الله" المرتبط ارتباطًا وثيقًا بالأجندة الإيرانية أن يُبقي لبنان "عمقًا استراتيجيًا للجمهورية الإسلامية في إيران"

كأنّ هناك عقلًا واحدًا يتحكّم بصانعي الفوضى في العالم، اذ إنّ هؤلاء لا يجدون سوى وصفة واحدة لإحلال السلام: الاستسلام لهم!

ومن يدقق بالعبارات التي يستعملها صانعو الفوضى في العالم، يتفاجأ بأدبيّات موحّدة، فالقيادة الروسية بزعامة فلاديمير بوتين تحمّل الغرب مسؤوليّة دخول حربها على أوكرانيا عامها الثاني، لأنّ هذا الغرب يزوّد أوكرانيا بمقوّمات الصمود العسكري والإنساني، مما يحول دون استسلامها.

بالنسبة للقيادة الروسيّة: السلام مستحيل، والتصعيد ضرورة، والدمار واجب، والقتل حتمي، طالما أنها عاجزة عن تحقيق أهدافها المعلنة في أوكرانيا، فالطريق إلى السلام قصير جدًا، إذا سارت كييف بشروط موسكو.

هذه العقلية الروسيّة لا تعير أيّ اهتمام للقانون الدولي وللسيادة الوطنية وللمصالح الإقليمية وللسلم الدولي ولموازين القوى، فهي إمّا تنتصر وإمّا تفني العالم، من خلال رفع مستوى التهديد باللجوء إلى احتياطاتها الخطرة من الرؤوس النووية.

وثمّة دول مستفيدة من هذا الانحراف الروسي، فالصين التي تنافس الولايات المتحدة الأميركية على زعامة العالم، تجد في القيادة الروسيّة ضالتها، إذ إنّ هوسها بالانتصار المستحيل سوف يوهن موسكو ويلحقها ببكين، وسوف يضعف الاتحاد الأوروبي ويبعده عن دائرة التأثير في صناعة موازين القوى الاستراتيجية في المستقبل.

ولكنّ دون هذا الهوس الروسي من جهة أولى وهذا الهدف الصيني، من جهة ثانية، يقف وعي غربي جماعي، إذ اكتشفت دوله أنّ تعاضدها ووقوفها في صف واحد مع الولايات المتحدة الأميركية، وحده كفيل بتوفير مستقبل سيادي لها ولشعوبها.

قبل الغزو الروسي لأوكرانيا، كان الغرب شبه مفتّت ووحدته شبه متفسّخة، إذ كانت المصالح الاقتصاديّة تتقدّم على كل المخاوف الاستراتيجية.

بعد الغزو الروسي، وفي ظل القراءة العميقة للأداء الروسي، اختلفت الأحوال، إذ إنّ الوقاية من مخاطر المستقبل تمرّ بتوفير الشروط اللازمة للحيلولة دون استسلام أوكرانيا، بصفتها بوابة أوروبا،  أمام "الدب الروسي" الذي سوف يسلّم نفسه والآخرين لمشيئة "التنّين الصيني".

ومن روسيا ننتقل مباشرة إلى لبنان، حيث منطق "حزب الله" لا يختلف بشيء عن منطق "حزب الكرملين".

يريد "حزب الله" المرتبط ارتباطًا وثيقًا بالأجندة الإيرانية أن يُبقي لبنان "عمقًا استراتيجيًا للجمهورية الإسلامية في إيران"، وفق "تكليف" صادر عن المرشد الاعلى علي خامنئي، وذلك خلافًا لإرادة سائر القوى السياسية التي تريد أن يعود لبنان عنصرًا فاعلًا في محيطه العربي وفي بعده الدولي.

ولهذا يسعى "حزب الله" إلى أن يفرض رئيس الجمهورية الذي يناسب مخططه، وهو من أجل تحقيق ذلك يترك البلاد لقمة سائغة في فمّ الفراغ المنتتج للفوضى وللفقر وللجوع.

وكالعادة  لا  يتحمّل "حزب الله" تبعة ما يقدم عليه، بل يلقيه على عاتق من يتصدّى لمخططاته، وهو، من أجل إعطاء صدقية لمقولات "الهروب إلى الأمام"، يقحم الولايات المتحدة الأميركية ويهددها بفوضى تشمل كل المنطقة.

ولسان "حزب الله" يقول: هاتوا الرئيس الذي نريد  ويحقق لنا ما نرغب به فنعفيكم من الفوضى والكوارث!

وترفض غالبية اللبنانيين الرئيس الذي يصرّ عليه "حزب الله"، وتطرح عليه حلولًا وسطًا، لكنّ الحزب يرفض ذلك، على قاعدة: استسلموا تسلموا!

صحيح أنّ القوى التي ترفض الرضوخ لـ"حزب الله" ليست أوكرانيا والقوى الخارجية المؤيّدة لها لا تفتح أمامها مخازن السلاح وخزائن المال، ولكنّ الصحيح أيضًا أنّ من بيدهم القدرة على انتشال لبنان من جحيمه يقولون للبنانيّين: إذا استسلمتم لإرادة "حزب الله" لا تهرعوا علينا، فنحن لن نساعد دولة تضع إمكاناتها في مساعدة أعدائنا.

وكما تعرض روسيا الاستسلام لتوقف حربها في أوكرانيا كذلك يعرض "حزب الله" الاستسلام على سائر اللبنانّيين حتى لا يوقعهم أكثر في الفوضى والجوع.

المشكلة مع هذا المحور الذي يعاني منه السوريون واليمنيون والعراقيون والإيرانيون أنّه يعرض عليك الحياة لينتزع منك…الحياة!