كشمير - إسلام - صلاة - النبي محمد
"وهكذا، فالمؤثرون لا يُصْلِحون حقيقة، والمُصلِحون حقيقة لا يُؤثِّرون"

يَتكّون خطاب التنوير العقلاني من بُنْيَة ذهنية أو ثقافية تنتظم فيها المفردات الأساسية على نحو تعاضدي تضامني. يحدث هذا على مستوى إنتاج الخطاب؛ كما على مستوى استهلاكه أو تلقّيه.

ما يعني أنه لا يُمْكن فصل أو تحييد مفردة من هذه المفردات الأساسية دون أن يكون لذلك أثر سلبي على بقية المفردات، سواء من ناحية إضعاف درجة فعاليتها، أو من ناحية تشويهها وتزييفها، وبالتالي تحويلها إلى مفردة فاعلة في الاتجاه المضاد للمقصد الغائي أو الإنساني لخطاب التنوير العقلاني. 

العقلانية التي هي الحاضنة الرؤوم للمكونات الأساسية للتنوير، لا يمكن تصوّرها بدون الحرية. و"الحرية بالعموم" لا يمكن تصوّرها بدون "الحرية الدينية بالخصوص"، والعكس صحيح. والتسامح، كأحد دوافع ومسارات ومخرجات العقلانية، لا يمكن تصوّره دون الحرية الدينية. 

كما أن هذه الحرية الدينية لا يمكن تصورها دون توفر عقلانية محايدة مستضيفة للجدل حول الأديان والمذاهب، نشأةً وتطورًا وتحوّلًا وتفرّعًا. كما أن نبذ الطائفية، والتصدي للإقصاء القائم على أساس ديني لا يمكن أن يكون بمعزل عن القراءة العقلانية للدين.

إذاً، هي بُنْيَة ذِهنية متكاملة للمسار التنويري العقلاني التقدمي. وبالمقابل، هي التي تكشف، بصورة ما، عن البُنْية الذّهنية المتكاملة للخطاب المضاد للتنوير: الخطاب التقليدي أو السلفي، اللاّعقلاني، المتعصب، الإقصائي، الطائفي، العنصري، المنحاز للرؤى والقناعات والأعراف القائمة على تصورات خرافية، والمعادي، بالضرورة، ولو على نحو خَفّي أو مُتَخفٍّ، للمسار العلمي المتفائل بقدرات العقل الإنساني، قدر تفاؤله بالدور الحاسم لإرادة الإنسان. 

في العالمين، العربي والإسلامي، تزدهر شعارات الإصلاح الديني منذ قرنين تقريبا. يكثر صخبها، وتأخذ أحيانا شكل "موضات" للتسويق الشخصي أو المؤسسي. لكن، لا شيء جديد في هذا الفضاء الثقافي أو الديني المأزوم، لا شيء جديد يُحدِث أثرا نوعيا وكبيرا في الوعي الجمعي. 

وفي تصوري أن عدم الفاعلية مَردّه أن دعوات الإصلاح الديني كانت دائما ما تسير في اتجاهين تنعدم جدواهما في الجرد النهائي للتأثر الإصلاحي.

أولهما، اتجاه تكون فيه دعاوى الإصلاح مجرد إعادة تدوير أو إخراج لمنتجات الأسلاف في ثوب جديد (بل ومحاولة للالتفاف على التغيير الحقيقي: العقلاني)، في "دِيكور دعوي" ليس أكثر من محض شعار زائف، وهذا الاتجاه هو الذي توفّر على استجابة جماهيرية واسعة النطاق، لأنه ينطلق من مسلمات الوعي الجماهيري وعود إليها. 

واتجاه ثانٍ تكون فيه دعاوى الإصلاح إصلاحا حقيقيا جذريا قائما على المبادئ الأساسية لخطاب التنوير(وبالتالي، مصادمة لوعي الجماهير). ولكن، للأسف، فإن هذا الاتجاه الثاني بقي معزولا ومحدود التأثير، بل ومَحلَّ هجوم عدائي بالتكفير والتخوين من قبل دعاة الاتجاه الأول، الإصلاح الشعاراتي. وهكذا، فالمؤثرون لا يُصْلِحون حقيقة، والمُصلِحون حقيقة لا يُؤثِّرون!  

إننا كثيرا ما نسمع رجال الدين في العالم الإسلامي يُؤكِّدون على رؤيتهم الإصلاحية، ومن خلالها يُؤكِّدون تسامحهم، وهم يَعقدون لذلك المؤتمرات والندوات والبرامج الفضائية، ويؤلفون في تأكيده الكتب والمقالات. 

ولكن يبقى المحك الحقيقي الذي يكشف الصادق من الكاذب، معروضًا على المختبر العملي الواقعي لِمفردتين أساسيتين مُتَلازمتين، وهما: "الحرية الدينية" و"المنزع الطائفي". فهنا، وهنا بالذات، تنكشف الأوراق، إذ لا يُؤمن، حقيقةً، رافعو لواء الإصلاح والتجديد الديني بالتسامح حقا، من حيث هم لا يؤمنون بالحرية الدينية. وبما أنهم لا يؤمنون في أعماقهم بالحرية الدينية، فبالضرورة هم واقعون تحت سيطرة المنزع الطائفي. 

بل قد يُبالِغ دعاة التسامح الطائفي إلى درجة نفي الاختلاف الطائفي أو تهميشه وتهوينه، إلى درجة ادعاء التطابق أحيانا. ولكنهم، وبعد كل صور المبالغة، يسقطون في أول اختبار، بل يسقطون باختيارهم دون أن يكونوا بحاجة لاختبار أصلا. 

مثلا، عندما يُؤكد كبار رجال الدين السنة، كشيوخ الأزهر ومن يقترب من مكانتهم تأثيرا، أن الشيعة إخواننا، وأنهم مسلمون مثلنا. وفي المقابل، عندما يُؤكد مراجعُ الشيعة مثل هذا أيضا، فإن هؤلاء وهؤلاء يسقطون عند أول اختبار عملي على مسار الحرية الدينية.

 فهؤلاء "المتسامحون جدا" من الطرفين لا يكفّون، حتى وهم يُؤكِّدون صحة إسلام الآخر ووحدة المصير و...إلخ الكلام الجميل، عن التأكيد على وجوب التزام الطرف الآخر بعدم التبشير بمذهبه في النطاق الحيوي لمذهبهم الخاص!

هنا، لا يَتنكّرون فقط للحرية الدينية التي يضطرهم التقدمُ المدني المطالب بالتسامح الديني لإعلان تبنّيهم لها، بل يتنكرون للتسامح الديني ذاته صراحة، بل هم يَتحصّنون بطائفية مُتعصِّبة أشد ما يكون التعصب، في الوقت الذي يُؤكِّدون فيه عدم التعصب.

وفي الوقت الذي يُبالغون فيه في ادعاء التسامح ونبذ الطائفية، يقرّون هامشية الفروق بين الطوائف، بين الطوائف ذاتها التي يرون أن اعتناق أحد أبناء مذهبهم لها عدوان فكري، وعدوان ديني عليهم؛ مُسْتَتبعٌ بـ"أنواع العدوان".

هكذا نجد أن الشيخ السني التقليدي الذي يزعم أنه "غير طائفي"، وأنه "متسامح جدا"، وأنه مؤمن بـ"الحرية الدينية"، يخرج عن صوابه غضبا، إذا ما عرف أن شيعيا يشرح مذهبه للسنة، ويحاول اجتذابهم إليه، أو عرف أن سُنّيا تشيّع.

وفي المقابل، نجد الشيخ الشيعي التقليدي الذي يزعم أنه "غير طائفي"، وأنه "متسامح جدا"، وأنه مؤمن بـ"الحرية الدينية"، يخرج أيضا عن صوابه غضبا، إذا ما عرف أن سنيا يشرح مذهبه للشيعة، ويحاول اجتذابهم إليه، أو عرف أن شيعيا تَسَنّن.

هذا وذاك، كلٌّ منهما يشعر أن ثمة عدوانا صارخا على "الحقيقة المطلقة" التي يحتكرها بكل تفاصيلها، كما يشعر، وهنا المعنى أو الدافع الخفي، أن الآخر يستقطع من أرضية نفوذه المجتمعي المبني على نفوذ مذهبه الخاص!

كل هذا الاضطراب، كل هذه المراوحة بين الادعاء قولا وتكذيبه عملا، ناتج عن كون "حالة التديّن" في أصلها حالة محض وجدانية، وليست عقلانية بأي حال. ومعنى كونها حالة وجدانية أو عاطفية أن تعمّقها وتحكّمها مرتبط بأعراف مجتمعية، وتقاليد متوارثة، أسهمت، وَهْمًا وتَوْهِيمًا، في صنع تصوّر عقائدي يتلبّس المعرفة ويدّعيها ويَتزيّن بها، بل ويُحَاول أن "يَتَعَقلن"؛ فيما هو، بمكوناته الأساسية، مُناقِضٌ، بل ومُنَاهِضٌ لمبادئ التفكير العقلاني.

هكذا نجد أن "الحرية الدينية" و"التسامح" و"اللاّطائفية"، التي ذكرت في بداية المقال علاقتها العضوية بـ"العقلانية التنويرية"، يستحيل أن يتبنّاها المُتديّنون التقليديون، الذين هم، في البداية والنهاية، مجرد مُفْرزَات عاطفية وجدانية لمواضيع أو عقائد أو تصوّرات قائمة على أساس وجداني خالص، مهما ادعت هذه العقائد والتصورات الاندراجَ في خطاب معرفي. 

وسواء شعر هؤلاء المتدينون بطبيعة البنية الذهنية أو الوجدانية التي تَتَلبَّسهم أم لم يَشعروا، وسواء كان وَاعِين بتحيّزاتهم العاطفية ذات الطابع العدواني أم لم يعوا، وسواء أدركوا أنهم دُعَاة تخلّف وتعصّب وحجر عثرة في طريق أي تقدم حقيقي أم لم يدركوا، وسواء عَلِموا بحجم التناقض الذي يقع بين ادعاءاتهم الشعاراتية التسامحية من جهة، ودعواتهم الصريحة للاحتراب الطائفي أم لم يعلموا، ففي الاستحقاق النهائي المؤثر بعمق في حياة مئات الملايين من العرب والمسلمين، يصبح هؤلاء "المتدينون" أشد وأخطر عناصر التدمير المستديم للحاضر والمستقبل.

قصر العدل في روما الذي يضم مقر محكمة الاستئناف العليا في إيطاليا (أرشيف)
قصر العدل في روما الذي يضم مقر محكمة الاستئناف العليا في إيطاليا (أرشيف)

بفضل العمل في عدة مؤسسات بحثية دولية، قُيض لكاتب هذه السطور أن يزور العاصمة الإيطالية روما عدة مرات خلال السنوات الماضية. حيث، وخلال كل زيارة من تلك، كانت العلاقة التي تربط سكان المدينة الحاليين بالذاكرة والتاريخ الأقدم للمدينة مثار غرابة وإعجاب على الدوام. بالضبط من حيث ما هم عليه من غنى ووصال وفاعلية في علاقتهم من مدينتهم القديمة. 

كان يحدث ذلك، مقابل العوز والمتاركة والقطيعة التي كان كاتب هذه السطور عليها، في علاقته العقلية والوجدانية والثقافية مع الحاضرة التاريخية التي ولد وعاش بين ثناياها. هو المتأتي من مكان كان يوماً عاصمة إمبراطورية تاريخية كبرى، شبيهة بروما نفسها، من قرية موزان شمال شرقي سوريا، التي تضم رفاة مدينة أوركيش التاريخية، التي كانت عاصمة المملكة الحورية القديمة. 

فأبناء مدينة روما الحاليون، وبمختلف أجيالهم، يعيشون المدينة القديمة وكأنها شيء حاضر وحيوي في تفاصيل حياتهم الراهنة. كانت روما القديمة، ولا تزال، ذات وجود متدفق في روما الراهنة، وفي أكثر من مستوى: عمارتها القديمة جزء مشهدي لا يمكن غض الطرف عنه في كل تفاصيل المدينة الحالية، بما في ذلك داخل بيوت سكانها، وسيرة التوأمين اللذين أسسا المدينة كثيفة في الذاكرة الجمعية، ومرويات حُقب المدينة القديمة وحكاياتها الشهيرة ومراحل تحولها الرئيسية جزء من الآداب والمناهج التربوية التي تنتجها المدينة الحديثة. وإلى جانب ذلك، ثمة متاحف وتماثيل مرئية ومنتجات تقنية وأنواع كثيرة من الآداب والفنون التي يفرزها الحاضرون يوماً، مبنية كلها وذات علاقة وثيقة مع ما كانت عليه المدينة القديمة، حيث إن السكان الحاليون في باطن وعيم يتصورون أنفسهم كامتداد روحي وثقافي وتاريخي لما كانت عليه روما القديمة.  

يحدث كل ذلك، في وقت لا يعاني فيه سكان روما الحاليون مع أية مشكلة أو صِدام مع الحداثة، بكل منتجاتها وأدوات فعلها ونوعية التفكير وأشكل السلوك التي تنفرز عنها. بل على العكس تماماً، يبدو الحضور الكثيف للمدينة التاريخية وذاكرتها في حاضر السكان، وكأنه أهم مصادر الغنى والحيوية للسكان، ما لم نقل الثقة بالذات، التي تنتج ممرات للاعتراف بالآخر وفسحة لطراوة الوجدان والمخيلة، تلك الأشياء التي تمنح السكان الحاليين قوة وجدانية وعقلية للانخراط كل اشكال الحداثة.  

على الدفة الأخرى، فإن كاتب السطور لم يسبق له أن عرف شيئاً عن العاصمة التاريخية القديمة التي ولد، هو وأبوه وجده وكامل أفراد عائلته، على بُعد عدة مئات من الأمتار منها. لم يعرف حتى اسمها التاريخي ولا مؤسسها ولا الحاضرة والمضامين التي كانت عليه هذه المدينة التاريخية. ليس هو فحسب، بل كامل الفضاء الاجتماعي والثقافي والإنساني المحيط بذاك المكان، الذين كانت تلك الحاضرة على الدوام واحدة من أكبر مجاهيل الحياة وأكثرها غموضاً بالنسبة لهم. 

فما عرفته شخصياً عن هذه المدينة القديمة، وبعد سنوات كثيرة من العيش بالقرب منها والمرور اليومي بها، كان بفعل فضول استثنائي ومهني خاصٍ جداً، لم يكن متوفراً إلا للقليلين. تلك المدينة التي كانت حاضرة عمرانية وثقافية وتجارية طوال آلاف السنين، عاصمة للملكة الحورية لوقت طويل، ثم صارت جزءا من الفضاء السياسي والإنساني لممالك "أكاد" ومن بعدهم "ماري"، تحوي قصوراً ومعابداً وأسواقاً ونصوصاً وتماثيل ومنتجات تاريخية لا تُقدر بثمن، لها سيرة وتاريخ وشخصيات ومنتجات أدبية ودينية وثقافية هائلة، كانت يوماً منارة إنسانية لقرابة ربع العالم.   

كل ذلك كان مجهولاً كبيراً لكل البشر المحيطين بالمكان، ولا يزال. وحدهم أعضاء بعثات التنقيب الأجنبية كانوا يعرفون ما بداخل ذلك المكان/الحاضرة، هؤلاء الذين كانوا محاطين بسور فعلي وآخر أمني، يعملون بصمت داخل مكاتبهم، يستخرجون الآثار ويجرون الدراسات بلغاتهم الأجنبية، ولا يجدون وقتاً ومعنى لأن يشرحوا ويفسروا للسكان المحيطين ما يعثرون عليه ويكتشفونه داخل المدينة. حتى أن بعض السكان المحليين، الذين كانوا يعملون كعمال سخرة لدى أعضاء تلك البعثات، أنما كان ممنوعاً عليهم مسّ أي شيء تاريخي قد يجدونه أثناء عمليات النبش والتنقيب.  

لم تكن تلك القطيعة على المستوى المادي فحسب، فجهل السكان بالمكان ومحتوياته وسيرته، كان استعارة كبرى عن قطيعة هؤلاء مع التاريخ نفسه، وتالياً مع جزء من ذواتهم وخصائصهم، ككائنات تملك خاصية متمايزة عن باقي المخلوقات، على مستوى العلاقة مع الذاكرة والتاريخ الأبعد مما هو حاضر راهناً. وتالياً ككائنات خُلقت وراكمت مجموعة كبرى من المنتجات والذواكر والأفكار والقيم والآداب والتجارب، التي تشكل بمجموعها المصدر الأولي والدائم للثراء الإنساني.  

فما كان خاصاً بالبقعة التي نشأ فيها كاتب هذه السطور، كان يمتد لأن يكون ظاهرة عامة في كل مكان آخر. فكامل شمال شرق سوريا كان قائماً على بحر من الحواضر التاريخية القديمة، تحوي سهوبه كنوزاً من الآثار والمنتجات الإنسانية، لكنها جميعاً كانت عوالم مجهولة تماماً بالنسبة للسكان، غير حاضرة أو ذات معنى في الذاكرة الجمعية، لا يتم تداولها في المناهج التربوية وليس لها من قيمة في المنتجات الأدبية والثقافية والفنية والسياحية لأبناء المكان، ولا فاعلية لها في الضمير والمخيلة والعقل العام.  

يمتد ذلك الأمر ليشمل سوريا كلها، ومنها بنسب مختلفة لكل بلدان منطقتنا، الذين، ولغير صدفة، يعيشون صداماً ورفضاً للغالب الأعم من ظواهر ومنتجات الحداثة، المرابطين في خنادق المركزية والمحافظة والماضوية.  

من تلكم الثنائية، تبدو العلاقة الثنائية شديدة الوضوح، بين مجتمعات سائلة، تعتبر نفسها جزءا حيوياً من تاريخ قديم ومتقادم، منتج ومراكم لكل أنواع الثراء الإنساني، وأخرى تعتبر نفسها يتيمة، ولدت للتو كجيل أول ووحيد، ليس لها في التاريخ أي ثراء، خلا بعض حكايات الذكورة الرعناء، عن البطولة والحروب ومفاخرها، وتالياً لا تنتج إلا شيئاً واحداً: العصبيات الخالية من أية قيمة.