وانتهت الجولة السابعة من المفاوضات الهادفة لإحياء الاتفاق النووي الدولي مع إيران بإخفاق صاحَبه تقويم قاتم من الدول الخمسة زائد واحد حول فرص إحياء الاتفاق الموقع في 2015، بسبب التصلب الإيراني المبني على التقدم التقني الملحوظ الذي حققه الإيرانيون في مجالي تخصيب اليورانيوم وبناء أجهزة طرد مركزي متطورة للغاية.
بعد أكثر من خمسة أشهر من المماطلة وتعليق المفاوضات، وصل إلى فيينا وفد إيراني متشدد يحمل معه مقترحات وطروحات، اعتبرها الأميركيون وحلفاؤهم الأوروبيين تعجيزية.
وقال مسؤول أميركي بارز معنيّ مباشرة بالمفاوضات إن الإيرانيين يواصلون برنامجهم النووي "بطرق استفزازية"، وخاصة زيادة نسبة التخصيب إلى 60 بالمئة، ووضع العقبات أمام فرق التفتيش التابعة للوكالة الدولية للطاقة الذرية.
ولكن هذه الاستفزازات والانتهاكات التقنية لمضمون الاتفاق الذي يفترض بالمفاوضات أن تقوم بإحيائه ليست بأهمية الاستفزازات السياسية التي جلبها الإيرانيون إلى فيينا هذه المرة والمتمثلة برفض حكومة الرئيس الإيراني الجديد، إبراهيم رئيسي، لجميع التسويات والمقترحات التي قبلتها إيران خلال الجولات الست السابقة، وفقا للمسؤول الأميركي.
وأضاف "لقد جاؤوا لطلب المزيد (من التنازلات) ولم يحملوا معهم أي مقترح جدي حول كيفية تحقيق الامتثال الجماعي بخطة العمل الشاملة المشتركة" (اتفاق 2015).
وتابع المسؤول الأميركي في إيجاز خلفي مع المراسلين، يوم السبت، أن الإيرانيين "أثاروا قضايا تتخطى خطة العمل الشاملة المشتركة، وأنهم لن يتخذوا الخطوات التي تسعى إليها ليس فقط الولايات المتحدة، بل مجموعة الخمسة زائد واحد" بأكملها.
وتحدث المسؤول الأميركي عما وصفه "نفاد صبر" جميع الدول المتفاوضة مع إيران في فيينا. وانتهت الجولة السابعة دون تحديد موعد للجولة الثامنة، للسماح للوفود بالتشاور مع حكوماتها.
وقال ممثلو الدول الأوروبية المشارِكة في المفاوضات، وهي فرنسا وبريطانيا وألمانيا، إن الوفد الإيراني الجديد تقدم بتعديلات غير مقبولة للمسودة الأولية التي تم الاتفاق عليها بين الأطراف خلال الجولات الست السابقة على خلفية استمرار إيران في انتهاكاتها التقنية للاتفاق النووي.
وذكرت الدول في بيان مشترك "قبل ما يزيد عن خمسة أشهر، قامت إيران بتعطيل المفاوضات، ومنذ ذلك الوقت قامت بتعجيل برنامجها النووي. وهذا الأسبوع، تراجعت عن التقدم الدبلوماسي الذي تم تحقيقه. وإيران تتراجع تقريبا عن جميع التسويات الصعبة التي تم التوصل إليها خلال المفاوضات الصعبة، وهي تطالب الآن بإدخال تعديلات جوهرية على نص المسودة" التي تم التوصل إليها في الاشهر الماضية.
ويقول المفاوضون إن المسودة تشمل ما بين 70 و80 بالمئة من النص المنشود. ووافق المسؤولون الأوروبيون ضمنا مع ما قاله المسؤول الأميركي، يوم السبت، من أن مطالب إيران في الجولة الأخيرة تخطت بنود اتفاق 2015، وقالوا بصوت واحد: "الوقت يفوت".
وتوحي هذه المواقف الصادرة عن المسؤولين الأميركيين والأوروبيين، أنه إذا لم تتبن إيران مواقف جذرية جديدة تتماشى مع روح "خطة العمل الشاملة المشتركة"، فإن المفاوضات ستصل، وبسرعة، إلى طريق مسدود يصبح بعده من الصعب، إن لم نقل من المستحيل، إحياء الاتفاق.
وخلال تعليق المفاوضات، كان المسؤولون الأميركيون المعنيون مباشرة بالمفاوضات، مثل وزير الخارجية، أنطوني بلينكن، وكبير المفاوضين الأميركيين في فيينا، روبرت مالي، يقولون إن استمرار إيران بالمماطلة وكسب الوقت وفي الوقت ذاته تطوير برنامجها النووي وتحديثه يعني أن المفاوضات سوف تصل إلى نقطة تصبح معها العودة إلى بنود اتفاق 2015 مستحيلة.
ويكرر المفاوض مالي القول: "هذه ليست ساعة زمنية، بل ساعة تكنولوجية"، ويضيف أن استمرار إيران بتطوير برنامجها النووي يعني تقويض الاتفاق، لأن التقدم الذي تكون إيران قد أحرزته لن يكون بالإمكان إلغاؤه. ولن يكون بإمكانك إحياء جثة ميتة".
وتطالب إيران بإلغاء جميع العقوبات الاقتصادية الأميركية، وليس فقط تلك المتعلقة ببرنامجها النووي، كما تطالب بضمانات من واشنطن بأن أي اتفاق جديد يتم التوصل إليه لن يكون باستطاعة أي رئيس جديد أن يلغيه، كما فعل الرئيس السابق، دونالد ترامب، حين ألغى اتفاق 2015 من جانب واحد. (هذا طلب تعجيزي بامتياز لأن الرئيس الأميركي، أي رئيس، غير قادر دستوريا على إعطاء مثل هذه الضمانات).
كما تطالب طهران الآن بأن تسمح لها مجموعة الخمسة زائد واحد بالاحتفاظ بالتقدم التقني الذي أحرزته في السنتين الماضيتين لجهة تطوير أجهزة الطرد المركزي، والأهم من ذلك الاحتفاظ بكميات اليورانيوم المخصب بنسبة 60 بالمئة، وهي نسبة أعلى بكثير من نسبة التخصيب المسموح بها وفقا لاتفاق 2015.
ولا يوجد هناك استخدام مدني لليورانيوم المخصب بنسبة 60 في المئة. وهذا يعني تقريب إيران تقنيا من القدرة على تخصيب اليورانيوم بنسبة 90 بالمئة، وهي النسبة المطلوبة لتصنيع القنبلة النووية، خلال بضعة أسابيع فقط وفقا لما يقوله الخبراء.
وبينما تستمر إيران بتطوير برنامجها النووي، تواصل منعَ فرق التفتيش الدولية من حق الوصول إلى بعض أبرز منشآتها النووية، مثل مفاعل فوردو. وعلى الرغم من تعطيل عملها في إيران، تقول الوكالة الدولية للطاقة الذرية إن إيران تقوم باستخدام أجهزة الطرد المركزي المتطورة لتخصيب اليورانيوم بنسبة 60 بالمئة في مفاعل فوردو في تطور مخالف لبنود اتفاق 2015.
وفي أعقاب الجولة الأخيرة في فيينا، جددت إسرائيل طلبها من الولايات المتحدة "وقفا فوريا" للمفاوضات، وهذا ما فعله رئيس الوزراء، نفتالي بينيت، خلال مكالمة هاتفية مع وزير الخارجية، أنطوني بلينكن، معتبرا أن إيران تمارس "ابتزازا نوويا"، وأن الرد المناسب "يكون بوقف المفاوضات فورا واتخاذ خطوات صارمة من قبل الدول الكبرى".
في السنوات والعقود الماضية، سعت الولايات المتحدة لوقف أو تأخير البرنامج النووي الإيراني بالطرق الدبلوماسية أحيانا، وبواسطة العقوبات الاقتصادية أحيانا أخرى، ومن خلال عمليات التخريب الإلكتروني، إما بمفردها أو بالتعاون والتنسيق مع إسرائيل.
وفي السنوات الأخيرة قامت إسرائيل وفقا لمصادر استخباراتية غربية وتلميحات إسرائيلية بعمليات تخريب إلكترونية للمفاعلات النووية الإيرانية، إضافة إلى اغتيال العلماء النوويين الإيرانيين.
ومع أن هذه العمليات أخّرت البرنامج النووي الإيراني لأشهر، وربما لسنوات، إلا أنه من الواضح أن عمليات التخريب هذه كانت حافزا لإيران لتطوير أجهزة الطرد المركزي وزيادة نسبة تخصيب اليورانيوم.
وهناك حدود لما يمكن أن تحققه الوسائل الالكترونية لتأخير البرنامج النووي الإيراني. كما أنه من الصعب على الولايات المتحدة أن تفرض عقوبات اقتصادية جديدة وجدية أكثر ضد إيران، لم يفرضها ترامب خلال ما عرف بسياسة "الضغوط القصوى"، التي اخفقت في تعديل السلوك الإيراني النووي أو السياسي والتخريبي في منطقة الشرق الأوسط.
جميع المؤشرات تبين أن المفاوضات في فيينا سوف تصل قريبا إلى طريق مسدود، ما سيضع الولايات المتحدة وإسرائيل ودول الخليج العربية أمام خيارات صعبة، إما مواصلة وتصعيد الضغوط السياسية والاقتصادية، وهي ضغوط لم تنجح حتى الآن في تغيير السلوك الإيراني، أو التفكير الجدي والعملي بالخيار العسكري.
وحتى الآن لا توجد هناك مؤشرات أميركية تبين أن الخيار العسكري هو خيار يريد الرئيس جو بايدن أن يلجأ إليه في أي وقت قريب.
مواقف وإجراءات بايدن في منطقة الخليج والشرق الأوسط بشكل عام تعكس رغبته بتخفيض البروفايل العسكري الأميركي، وحتى الدبلوماسي في المنطقة وتركيز الموارد والاهتمام الأميركي على مواجهة التحدي الصيني الاقتصادي والاستراتيجي الصاعد في منطقة شرق آسيا.
معظم الخبراء الأميركيين لا يتوقعون أن تقوم إيران بتصنيع قنابل ذرية في أي وقت قريب، وأن كل ما تريده هو أن تطور قدراتها التقنية وأن تنتج كميات كافية من اليورانيوم المخصب للوقوف على عتبة القدرة على تصنيع القنبلة الذرية دون عبور هذه العتبة واستفزاز ضربة عسكرية مستقبلية أميركية أو إسرائيلية.
ولكن السؤال يبقى: إلى أي مدى يمكن أن تقبل الولايات المتحدة وإسرائيل بمثل هذه المعادلة التي ستبقي المبادرة بيد إيران؟
من زاوية أخرى

