فنون - السودان - ثقافة
"صدقت كلمات الملك فاروق حول الكيفية التي سيتعامل بها الأخوان مع الفنون إذا ما تمكنوا من الوصول للسلطة"

بعد خروجه من البلد في أعقاب ثورة يوليو 1952، كتب آخر ملوك مصر، فاروق الأول، عددا من المقالات يروي فيها بعض الأحداث التي شهدتها فترة حكمه وملابسات رحيله من البلاد، وقد قامت بنشرها صحيفة "ذي صنداي هيرالد" البريطانية ابتداء من شهر أكتوبر في نفس العام. 

وقد أورد الملك المخلوع في تلك المقالات بعض الإشارات لجماعة الإخوان المسلمين التي كانت لاعباً فاعلاً في المسرح السياسي خلال فترة توليه ملك مصر، ومع أنها كانت إشارات عابرة لكنها كانت عميقة وتشي بأن كاتبها قد فهم طبيعة الجماعة فهما دقيقا جعله يتنبأ بالطريقة التي ستتصرف بها إذا ما قُدِّر لها الوصول للسلطة.

قال الملك فاروق : "الطامة الكبرى أنهم إذا انقضوا على الحكم في بلد ما, فعلى الفور سيسارعون إلى إغلاق كل المسارح وصالات الرقص، ولن يسمحوا لأي شخص بمشاهدة أي فلم إذا كان أقل من 21 عاما، على أن يكون الفيلم تعليميا يتم انتقاؤه بواسطة الدولة، فهم يصفون الملاهي العامة بأنها أكثر شرا من احتلال البلاد بواسطة قوات أجنبية".

وأضاف "وقد يتطور الأمر فيمنعون نشر صور البنات في المجلات, وإن كان معظمهم طيبون لا يضمرون شرا، إلا أنهم سمحوا للمتطرفين بالسيطرة على جماعتهم، فالممسكون بزمام أمورهم يملكون عقول عجائز وقلوبا متحجرة لا تعرف التسامح كما لو كانوا أعضاء في محاكم التفتيش، فهم يحطمون أي تمثال عار، ومن المؤكد أنهم صدموا حين شهدوا صور عذارى النيل التي صممها فنان أبي الإيطالي المفضل "فيروتشي" في قاعة الموسيقى بقصر رأس التين".

نجحت الجماعة في الوصول للسلطة في السودان عبر الانقلاب العسكري، في يونيو 1989، وكان من أول الأجندة التي عملت عليها هو تطبيق برنامج أطلقت عليه اسم "المشروع الحضاري" وقالت إن الهدف منه هو "إعادة صياغة الإنسان السوداني" بطريقة تجعله يتمثل التوجه الإسلامي الذي سيعم جميع أرجاء المعمورة ويخرج المجتمعات الإسلامية من سباتها الطويل.

قد غطى المشروع الحضاري مختلف نواحي الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وتم استخدام العديد من الأدوات في تطبيقه شملت القوانين ومناهج التربية التعليم وأجهزة الإعلام وغيرها بهدف أسلمة البلاد والإنسان السوداني، وكانت الثقافة والفنون إحدى المناحي التي تناولها المشروع وفقا لرؤية الجماعة .

فور وصول الجماعة للحكم قامت بإيقاف النشاط المسرحي، وأغلقت "المعهد العالي للموسيقى والمسرح" وهو المؤسسة الأكاديمية الأكبر في البلاد التي تُدرِّس الموسيقى والمسرح، وتم إدراج المسرح ضمن السلطة التي يعاقب عليها "قانون النظام العام" باعتباره من الملاهي .

في هذا السياق، كما يقول عثمان شنقر، كانت للجماعة تجربة طريفة مع "أسلمة المسرح" في بداية حكمها حيث يذكر المشتغلون بالفنون المسرحية، ذلك المخرج المسرحي الملتحي، صاحب التنظير الإسلامي الدرامي الذي ينهض على ما سماه "المسرح العابد" وكل اجتهاده الفكري في الأمر أن يضع ضمن ديكور أيِّ مسرحية مئذنة مسجد في خلفية العرض، وبذلك يكون الفعل المسرحي قد أصبح جزءا من منظومة الفن الإسلامي!

أما الغناء فقد مارسوا فيه ضربا من "التزوير" حتى تتماشى كلمات الأغاني مع الأسلمة التي ينشدونها، فبدلا من أن يبدعوا في كتابة أشعار جديدة عمدوا إلى تبديل كلمات الأغاني المنتشرة أصلاً باعتبار أنها تخدش الحياء العام وتروِّج للمحرمات.

ومن الأمثلة على ذلك أغنية "ليلٌ وخمرٌ وشفاه" للشاعر حسين عثمان منصور التي تقول كلماتها: "يا سُقاة الكأس من عهد الرشيد.. ما لكأسي ظامئاً أبداً وحيد.. ونديمي قد سرى نجما مع الأفق البعيد.. حطم الكأس وولى.. وانطفأ نجم تلألأ.. وغدت تبكي على شفتىَّ أصداء النشيد".                                        

قامت السلطات الرقابية في دولة الجماعة الإخوانية بإجبار المغني على تبديل الكلمات أعلاه، فبدلاً عن أن يُردِّد "يا سقاة الكأس من عهد الرشيد" صار يغني "يا رواة الشعر من عهد الرشيد", وبذلك صارت الأغنية إسلامية بحسب برنامجهم الحضاري، فتأمل!

وفيما يخص الفنون التشكيلية وعلى وجه التحديد النحت، فقد تحققت نبوءة الملك فاروق بحذافيرها حيث تم تحطيم التماثيل وأعمال النحت التي كان يشتغل عليها الطلاب واحتضنها فناء "كلية الفنون الجميلة والتطبيقية"، كما قام أحد وزراء الثقافة في دولة الإخوان بتحويل قاعة العرض التشكيلي في مباني "المجلس القومي للفنون والآداب" إلى مكتب حتى لا تقام معارض فنية تتضمن تماثيل!

ويروي أحد طلاب مدرسة "خورطقت" الثانوية في إقليم كردفان، أن فناء المدرسة كان يضم تماثيل منحوتة من الصخر في غاية الروعة وكانت مما يلفت النظر ويستهوي زوار المدرسة من سودانيين وأجانب، وقد ذهب كل ذلك الجمال وضاع بعد أن امتدت إليه بالتحطيم أيادي مدير المدرسة في عهد الإخوان، باعتبار أن التماثيل أصنام محرمة في الدين.

لم تكن السينما أفضل حالاً من بقية الفنون، حيث قامت جماعة الإخوان، وبمجرد استيلائها على السلطة، بحل مؤسسة الدولة للسينما ومصلحة الثقافة وأهملت الإنتاج السينمائي، وانهارت دور العرض السينمائي في كل أنحاء البلاد وتحولت إلى مبانٍ ينعق فيها البوم.

وهكذا، فقد صدقت كلمات الملك فاروق حول الكيفية التي سيتعامل بها الأخوان مع الفنون إذا ما تمكنوا من الوصول للسلطة، حيث شهدت فترة حكمهم للسودان التي امتدت ثلاثة عقود تراجعا كبيرا في مختلف ضروب الثقافة والفن والإبداع بسبب أفكارهم المتشددة التي قيدت الحريات وكممت الأفواه وأقامت دولة فاشية مكتملة الأركان. 

المسار الحالي للصراع يسير بشكل أفضل بالنسبة لأوكرانيا منه بالنسبة لروسيا
المسار الحالي للصراع يسير بشكل أفضل بالنسبة لأوكرانيا منه بالنسبة لروسيا

يصادف الجمعة (24 فبراير) مرور عام كامل على الحرب الروسية ضد أوكرانيا. ولمن يريد التذكّر فقد كان هدف هذه الحرب التي أمر الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، بشنها وسماها عملية عسكرية خاصة، كان هو إخضاع أوكرانيا عبر احتلال عاصمتها كييف ومدنها الكبرى، وإسقاط حكومتها، وتنصيب أخرى موالية لموسكو، ونزع سلاح الجيش الأوكراني، واعتقال المئات وربما الآلاف من القوميين الأوكرانيين المناوئين لروسيا وقتلهم أو محاكمتهم. 

وللتذكير أيضا فإن أيا من هذه الأهداف لم يتحقق. والفضل في ذلك يعود إلى جملة من العوامل أهمها صمود الأوكرانيين والأداء السيء للجيش الروسي، ومسارعة حكومات الدول الأوروبية والولايات المتحدة إلى تقديم العون والمساعدة للحكومة الأوكرانية.

بعبارة أخرى هذه الحرب لم تفشل فقط في تحقيق أي من أهدافها، ولكنها كانت كارثية على روسيا بجميع المعايير. 

لنتذكر أن مبرر موسكو لخوض هذه الحرب كان هو الخشية من انضمام أوكرانيا إلى حلف الناتو، وبالتالي وصول الحلف إلى حدودها الغربية مباشرة.

ولكن بعد عام من الحرب فإن دولتين أصبحتا قاب قوسين أو أدني من عضوية الناتو، وهما فنلندا والسويد، والأولى تجمعها حدود مباشرة مع روسيا. فهذه الحرب التي أرادت روسيا أن تبعد من خلالها الناتو عن حدودها، هي التي جلبت في الواقع الحلف إليها، في حين أن انضمام أوكرانيا لم يكن أمرا محتما.

يظل بالطبع "الإنجاز" الأكبر للحرب على أوكرانيا هو في تغيير نظرة الأوروبيين لأمنهم وأيضا لعلاقتهم بروسيا. 

هناك من المحللين من يبدي استغرابا من المواقف الأوروبية الحازمة تجاه روسيا ويتصورون خطأ أنها تأتي انصياعا للإرادة الأميركية، ولكن الحقيقة هي أن الغزو الروسي لأوكرانيا شكل تهديدا هو الأبرز من نوعه للقارة الأوروبية منذ الحرب العالمية الثانية. 

وتشعر العديد من الدول الأوروبية بانكشاف أمني بسبب هذه الحرب وتداعيتها. 

وجاء في تقرير أمني سنوي للاستخبارات العسكرية السويدية أن "المخاطر الأمنية على السويد زادت وأصبحت التهديدات للسويد أوسع وأكثر تعقيدا".

كما اعتبرت أن الوضع الأمني حاليا في أوروبا وفي المنطقة السويدية المحاذية "الأسوأ منذ بداية الثمانينيات على الأقلّ".

لكن أجهزة الأمن والاستخبارات العسكرية السويدية اعتبرت في تقريرها أن الوضع "ازداد أماناً" في السويد منذ إرسال طلب انضمامها إلى حلف شمال الأطلسي، وتلقيها ضمانات ثنائية بشأن الأمن من عدة دول، بانتظار العضوية.

الواقع أن الغزو الروسي أحدث حالة من الصدمة العنيفة التي ستظل تؤرق الأوروبيين إلى فترة طويلة قادمة. 

ولذلك لم يكن صدفة أن يخصص مؤتمر ميونيخ للأمن الحيز الأكبر من تركيزه على هذه الحرب. 

وفي هذا المؤتمر قال المستشار الألماني، أولاف شولتز، إنه يجب أن يدرك الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، أن أوروبا الآن موحدة أكثر من أي وقت مضى. في حين قال الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، إن الحلفاء الغربيين جاهزون لنزاع طويل الأمد في أوكرانيا، وإن "الوقت الآن ليس للحوار أو التفاوض، فقد اختارت روسيا الحرب ويجب مواجهتها".

والتشدد الأوروبي تجاه روسيا ليس منفصلا عن الموقف الأميركي الحازم من غزو أوكرانيا.

وتدرك الإدارة الأميركية أن الغزو الروسي ليس مجرد نزاع على الأراضي، ولكنه في العمق منه تهديد وجودي لأوروبا ومحاولة إخضاعها من جهة ومن جهة أخرى إرساء قواعد دولية جديدة يمكن فيها للدول الكبيرة والقوية أن تعبث بالخرائط والحدود كيفما شاءت.  

لذلك اختارت الولايات المتحدة الوقوف مع أوكرانيا حتى النهاية. ولعل الزيارة التي قام بها الرئيس بايدن لكييف هي إشارة قوية ولافتة على المدى الذي يمكن أن تذهب إليه الإدارة الأميركية في التصدي للغزو الروسي.

يبقى القول بأن النهاية العسكرية لهذه الحرب قد لا تكون قريبة، وإن حدوث تغيير سياسي داخل روسيا ربما يظل الخيار الأكثر ملائمة والأقل كلفة، لكن إذا كان ثمة أمل في حدوث مثل هذا التغيير، فهو لن يتم عبر التفاوض مع موسكو أو الضغط على الحكومة الأوكرانية للقبول بالوضع الراهن، وإنما على العكس من ذلك تماما، هو سيتم عبر التمسك بالسياسة الحالية والمتمثلة في تزويد أوكرانيا بما تحتاجه من معدات عسكرية ودعم سياسي ودولي وفي الوقت نفسه فرض المزيد من العقوبات على روسيا وإحكام عزلها. هذه السياسة هي التي ستنضج في الأخير نهاية مقبولة لهذه الحرب.