تركيا - مصر - أعلام - مظاهرات 2011
"من الصعب دخول استثمارات أجنبية أو محلية دون وجود دولة قانون"

صحيح أن الشرق الأوسط عموما قد تحوّل خلال السنوات الأخيرة إلى بيئة طاردة للاستثمار، ولكن في الحالتين المصرية والتركية، كان لطبيعة النظام الحاكم وسياساته الاقتصادية الدور الرئيسي في هروب الاستثمارات. 

فخلال العام الحالي تحول الاقتصاد التركي إلى مركز لاهتمام العالم بعد الانخفاض المتواصل في قيمة الليرة التركية الذي ترافق مع إصرار الرئيس رجب طيب إردوغان على معالجة ذلك بتخفيض قيمة الفائدة دون أن يعرف أحد إن كان سبب هذا الإصرار الخلفية الإسلامية لإردوغان التي تعتبر الفائدة نوعا من الربا المحرّم شرعا، أم لأن الفائدة المنخفضة تسمح بأخذ قروض من البنوك لتمويل مشاريع اقتصادية وبالتالي قد تشجع على الاستثمار.

ولكن تشجيع الاستثمار لم يتحقق ووصل التضخم إلى 20 في المئة وهو معدل مرتفع لا يوجد عادة إلا في الدول غير المستقرة سياسيا، وارتفعت تكاليف المعيشة واندفع الأتراك للتخلّي عن العملة المحلية نحو الذهب والدولار حتى يحتفظوا بقيمة مدخراتهم. 

وخلال محاولتها إنقاذ الليرة استنزفت الحكومة التركية جزءا كبيرا من احتياطي العملات الأجنبية الذي بحوزتها دون تحقيق أي نتيجة حتى الآن، وتوالت استقالات المسؤولين الماليين في الحكومة التركية، بسبب اعتراضهم على سياسات إردوغان الاقتصادية مما دلّل على خضوع السياسة النقدية للسلطة السياسية.
وترافق ذلك مع تراجع السياحة نتيجة كورونا من ناحية ولكن كذلك نتيجة تحوّل صورة تركيا تحت حكم إردوغان إلى بلد إسلامي ذو لون ثقافي واحد احتفل، العام الماضي، بتحويل آيا صوفيا، الكنيسة التاريخية الشهيرة، من متحف إلى مسجد. 

كما قامت السلطات التركية خلال السنوات الماضية باعتقال ومصادرة أموال الكثير من رجال الأعمال بتهمة الانتماء إلى تنظيمات "إرهابية"، وتم وضع مئات الشركات تحت وصاية صندوق الثروة السيادي الذي يرأسه إردوغان، وأدت هذه الإجراءات وغيرها من انتهاكات حقوق الإنسان إلى تأزيم علاقات تركيا مع دول الغرب. 
وتدور أحدث تلك الأزمات حول رجل الأعمال والناشط المدني، عثمان كافالا، المعتقل منذ أربع سنوات، حيث سيطلق المجلس الأوروبي إجراءات تأديبية بحق تركيا إذا لم يطلق سراحه في بداية العام المقبل، وهي خطوة نادرة لم تحدث سابقا سوى مرة واحدة مع أذربيجان. 

وقد أدت هذه السياسات إلى هروب عشرات مليارات الدولارات من تركيا وانسحاب كثير من أصحاب المشاريع لتجنّب المزيد من الخسائر، وحسب جريدة سجل التجار والحرفيين، أعلن أكثر من 47 ألف تاجر وشركة إفلاسهم، ويصوّر إردوغان ما يحدث على أنه حرب اقتصادية تشن على تركيا وأطلق عليها اسم حرب الاستقلال الاقتصادي، لكي يطالب الأتراك بمزيد من الصبر والتحمّل. 
 
إذا كانت هذه نتيجة خروج الاستثمارات من تركيا وهي واحدة من دول مجموعة العشرين التي تضم أكبر اقتصاديات العالم، فكيف سيكون الوضع في مصر؟ 

ففي حين تقترب صادرات تركيا من 200 مليار دولار تراوح صادرات مصر، بما فيها الغاز والبترول، قرابة 29 مليارا فقط، كما يعادل ناتج مصر الوطني نصف نظيره التركي رغم أن مصر أكثر سكانا، أي أن حاجة مصر للاستثمارات الخارجية أكثر إلحاحا من تركيا.

وفي هذا الوضع قال البنك المركزي المصري إن التدفق الاستثماري إلى مصر انخفض خلال العام الحالي بنسبة 19.3 في المئة مقارنة مع العام الذي سبقه، وقال هاني توفيق، رئيس الجمعية المصرية للاستثمار، إن ذلك يعود إلى البيروقراطية وتعدد الجهات الرقابية وارتفاع ثمن الأرض وتكلفة الطاقة، بالإضافة إلى الضرائب العالية وسعر الفائدة المرتفع ومنافسة الدولة للقطاع الخاص. 

وزادت منافسة الدولة للقطاع الخاص مؤخرا نتيجة قيام الجيش بتنفيذ الكثير من المشاريع في القطاعات الاقتصادية والإنتاجية المختلفة، من بناء المدن وإنشاء الطرق والجسور حتى الزراعة والصناعات الغذائية وغيرها، رغم أن كافة الدول الناشئة التي حققت نموا خلال العقود الماضية اعتمدت في نهضتها على القطاع الخاص تحديدا.

وعندما قال رجل الأعمال المعروف نجيب ساويرس إن القطاع الخاص ليس بإمكانه منافسة الجيش الذي لا يدفع ضرائب أو جمارك انطلق الكثير من الإعلاميين المصريين في توقيت واحد بمهاجمته واتهامه بارتكاب مخالفات يحاسب عليها القانون، دون أن يحاول أي منهم مناقشة مضمون كلامه. 

وكان من أطرف الاتهامات التي وجّهت له أنه حقق أرباحا من خلال استثماراته، مع أن هذا هو حال الاستثمارات في جميع أنحاء العالم، فحتى المعجزة الصينية التي جعلت من هذا البلد ثاني اقتصاد في العالم، بعد أن كان مئات الآلاف والملايين يموتون جوعا سنويا، ترافقت مع ظهور أكثر من 4 ملايين مليونير صيني دون أن يشعر الصينيون بأي غضاضة في الثراء الذي حققه هؤلاء، لأن مشاريعهم رفعت مستوى حياة بقية الصينيين. 

كما قام القضاء المصري خلال الفترة الأخيرة بإطلاق سراح رجال أعمال، بعضهم مدان بجرائم جنائية وبعضهم بقضايا فساد، ويقوم الإعلام اليوم بالترويج لهم ولمشاريعهم، وفي نفس الوقت يدين ويحكم بالسجن على رجال أعمال آخرين مشكوك في ولائهم للنظام أو لم يتعاونوا معه كما يجب، بما يلقي بظلال من الشك حول استقلالية القضاء المصري.

وهذا ما ذكرته منظمة العفو الدولية، قبل أسابيع، حول اعتقال أحد رجال الأعمال وابنه أن "السلطات المصرية تسيء استخدام قوانين مكافحة الإرهاب... وتهيب المنظمة بالسلطات المصرية أن تفرج عن الرجلين الذين ما كان ينبغي القبض عليهما أصلا". 

وهذا مثال بسيط عن الموقف الذي تأخذه المنظمات الدولية ودول الغرب من مصر نتيجة سجلها في مجال حقوق الإنسان، وأعقبها بيان الخارجية الهولندية قبل أيام الذي ذكر التضييقات التي يتعرض لها الحقوقيون والصحفيون والأكاديميون المصريون، والتي تتضمن حظر السفر وتصيّد القادمين وتصل حتى الإخفاء القسري، وفي نفس الوقت صدر تقرير البرلمان الإيطالي الذي حمّل الأمن المصري مسؤولية قتل الباحث الإيطالي ريجيني. 

وتأكدت أخيرا النظرة الغربية لطبيعة نظام الحكم في مصر وتركيا في عدم دعوة الرئيس الأميركي، جو بايدن، للرئيسين، إردوغان وعبد الفتاح السيسي، إلى قمة الديمقراطية التي ستعقد في التاسع والعاشر من هذا الشهر.

بما يعني أن الولايات المتحدة لا تعتبر الانتخابات، التي تجري في هذين البلدين، حرة أو نزيهة أو ذات مصداقية، كما أكد ذلك على أن المؤتمرات والقرارات التي تتحدث عن إلغاء قوانين الطوارئ ومراعاة حقوق الإنسان لن يكون لها أي صدى عالمي إذا لم تنعكس بإجراءات حقيقية وملموسة على الأرض. 

حتى أن حجم السياحة في مصر أقل بكثير من الأهمية التاريخية التي يتمتع بها هذا البلد الذي شهد ولادة الحضارة البشرية، كما أنه لا يتناسب مع التنوع المناخي فيها الذي يسمح بالسياحة الصيفية في الساحل الشمالي والسياحة الشتوية في الجنوب وسيناء بالإضافة إلى السياحة العلاجية وغيرها.

فالرقم القياسي المصري في عدد السياح كان 13 مليونا، بينما سجلت اليونان 33 مليون سائح عام 2019، ولكن زيادة أعداد السياح تتطلب ألا تلاحق عناصر الأمن السياح الذين يلتقطون صورا، كما تتطلب جوا اجتماعيا أكثر انفتاحا لا تتم فيه ملاحقة السائحات أو التحرش بهن إذا ارتدين ثيابا خفيفة تناسب مناخ مصر.  

وفي النتيجة، من الصعب دخول استثمارات أجنبية أو محلية دون وجود دولة قانون، كما أن عقد صفقات تجارية مع الدول الغربية لا يعني شراء حكومات تلك البلدان ولا يؤدي إلى تغاضي هذه الحكومات عن تجاوزات حقوق الإنسان، كما أنه لا يستطيع دفع القطاع الخاص في هذه الدول للاستثمار في بلاد لا تتمتع ببيئة استثمارية آمنة. 

ولكن الجانب الأكثر أهمية الذي لا بد من التأكيد عليه أن تحقيق الأمن من خلال الدولة القمعية ليس وصفة مناسبة لتشجيع الاستثمارات. 

قصر العدل في روما الذي يضم مقر محكمة الاستئناف العليا في إيطاليا (أرشيف)
قصر العدل في روما الذي يضم مقر محكمة الاستئناف العليا في إيطاليا (أرشيف)

بفضل العمل في عدة مؤسسات بحثية دولية، قُيض لكاتب هذه السطور أن يزور العاصمة الإيطالية روما عدة مرات خلال السنوات الماضية. حيث، وخلال كل زيارة من تلك، كانت العلاقة التي تربط سكان المدينة الحاليين بالذاكرة والتاريخ الأقدم للمدينة مثار غرابة وإعجاب على الدوام. بالضبط من حيث ما هم عليه من غنى ووصال وفاعلية في علاقتهم من مدينتهم القديمة. 

كان يحدث ذلك، مقابل العوز والمتاركة والقطيعة التي كان كاتب هذه السطور عليها، في علاقته العقلية والوجدانية والثقافية مع الحاضرة التاريخية التي ولد وعاش بين ثناياها. هو المتأتي من مكان كان يوماً عاصمة إمبراطورية تاريخية كبرى، شبيهة بروما نفسها، من قرية موزان شمال شرقي سوريا، التي تضم رفاة مدينة أوركيش التاريخية، التي كانت عاصمة المملكة الحورية القديمة. 

فأبناء مدينة روما الحاليون، وبمختلف أجيالهم، يعيشون المدينة القديمة وكأنها شيء حاضر وحيوي في تفاصيل حياتهم الراهنة. كانت روما القديمة، ولا تزال، ذات وجود متدفق في روما الراهنة، وفي أكثر من مستوى: عمارتها القديمة جزء مشهدي لا يمكن غض الطرف عنه في كل تفاصيل المدينة الحالية، بما في ذلك داخل بيوت سكانها، وسيرة التوأمين اللذين أسسا المدينة كثيفة في الذاكرة الجمعية، ومرويات حُقب المدينة القديمة وحكاياتها الشهيرة ومراحل تحولها الرئيسية جزء من الآداب والمناهج التربوية التي تنتجها المدينة الحديثة. وإلى جانب ذلك، ثمة متاحف وتماثيل مرئية ومنتجات تقنية وأنواع كثيرة من الآداب والفنون التي يفرزها الحاضرون يوماً، مبنية كلها وذات علاقة وثيقة مع ما كانت عليه المدينة القديمة، حيث إن السكان الحاليون في باطن وعيم يتصورون أنفسهم كامتداد روحي وثقافي وتاريخي لما كانت عليه روما القديمة.  

يحدث كل ذلك، في وقت لا يعاني فيه سكان روما الحاليون مع أية مشكلة أو صِدام مع الحداثة، بكل منتجاتها وأدوات فعلها ونوعية التفكير وأشكل السلوك التي تنفرز عنها. بل على العكس تماماً، يبدو الحضور الكثيف للمدينة التاريخية وذاكرتها في حاضر السكان، وكأنه أهم مصادر الغنى والحيوية للسكان، ما لم نقل الثقة بالذات، التي تنتج ممرات للاعتراف بالآخر وفسحة لطراوة الوجدان والمخيلة، تلك الأشياء التي تمنح السكان الحاليين قوة وجدانية وعقلية للانخراط كل اشكال الحداثة.  

على الدفة الأخرى، فإن كاتب السطور لم يسبق له أن عرف شيئاً عن العاصمة التاريخية القديمة التي ولد، هو وأبوه وجده وكامل أفراد عائلته، على بُعد عدة مئات من الأمتار منها. لم يعرف حتى اسمها التاريخي ولا مؤسسها ولا الحاضرة والمضامين التي كانت عليه هذه المدينة التاريخية. ليس هو فحسب، بل كامل الفضاء الاجتماعي والثقافي والإنساني المحيط بذاك المكان، الذين كانت تلك الحاضرة على الدوام واحدة من أكبر مجاهيل الحياة وأكثرها غموضاً بالنسبة لهم. 

فما عرفته شخصياً عن هذه المدينة القديمة، وبعد سنوات كثيرة من العيش بالقرب منها والمرور اليومي بها، كان بفعل فضول استثنائي ومهني خاصٍ جداً، لم يكن متوفراً إلا للقليلين. تلك المدينة التي كانت حاضرة عمرانية وثقافية وتجارية طوال آلاف السنين، عاصمة للملكة الحورية لوقت طويل، ثم صارت جزءا من الفضاء السياسي والإنساني لممالك "أكاد" ومن بعدهم "ماري"، تحوي قصوراً ومعابداً وأسواقاً ونصوصاً وتماثيل ومنتجات تاريخية لا تُقدر بثمن، لها سيرة وتاريخ وشخصيات ومنتجات أدبية ودينية وثقافية هائلة، كانت يوماً منارة إنسانية لقرابة ربع العالم.   

كل ذلك كان مجهولاً كبيراً لكل البشر المحيطين بالمكان، ولا يزال. وحدهم أعضاء بعثات التنقيب الأجنبية كانوا يعرفون ما بداخل ذلك المكان/الحاضرة، هؤلاء الذين كانوا محاطين بسور فعلي وآخر أمني، يعملون بصمت داخل مكاتبهم، يستخرجون الآثار ويجرون الدراسات بلغاتهم الأجنبية، ولا يجدون وقتاً ومعنى لأن يشرحوا ويفسروا للسكان المحيطين ما يعثرون عليه ويكتشفونه داخل المدينة. حتى أن بعض السكان المحليين، الذين كانوا يعملون كعمال سخرة لدى أعضاء تلك البعثات، أنما كان ممنوعاً عليهم مسّ أي شيء تاريخي قد يجدونه أثناء عمليات النبش والتنقيب.  

لم تكن تلك القطيعة على المستوى المادي فحسب، فجهل السكان بالمكان ومحتوياته وسيرته، كان استعارة كبرى عن قطيعة هؤلاء مع التاريخ نفسه، وتالياً مع جزء من ذواتهم وخصائصهم، ككائنات تملك خاصية متمايزة عن باقي المخلوقات، على مستوى العلاقة مع الذاكرة والتاريخ الأبعد مما هو حاضر راهناً. وتالياً ككائنات خُلقت وراكمت مجموعة كبرى من المنتجات والذواكر والأفكار والقيم والآداب والتجارب، التي تشكل بمجموعها المصدر الأولي والدائم للثراء الإنساني.  

فما كان خاصاً بالبقعة التي نشأ فيها كاتب هذه السطور، كان يمتد لأن يكون ظاهرة عامة في كل مكان آخر. فكامل شمال شرق سوريا كان قائماً على بحر من الحواضر التاريخية القديمة، تحوي سهوبه كنوزاً من الآثار والمنتجات الإنسانية، لكنها جميعاً كانت عوالم مجهولة تماماً بالنسبة للسكان، غير حاضرة أو ذات معنى في الذاكرة الجمعية، لا يتم تداولها في المناهج التربوية وليس لها من قيمة في المنتجات الأدبية والثقافية والفنية والسياحية لأبناء المكان، ولا فاعلية لها في الضمير والمخيلة والعقل العام.  

يمتد ذلك الأمر ليشمل سوريا كلها، ومنها بنسب مختلفة لكل بلدان منطقتنا، الذين، ولغير صدفة، يعيشون صداماً ورفضاً للغالب الأعم من ظواهر ومنتجات الحداثة، المرابطين في خنادق المركزية والمحافظة والماضوية.  

من تلكم الثنائية، تبدو العلاقة الثنائية شديدة الوضوح، بين مجتمعات سائلة، تعتبر نفسها جزءا حيوياً من تاريخ قديم ومتقادم، منتج ومراكم لكل أنواع الثراء الإنساني، وأخرى تعتبر نفسها يتيمة، ولدت للتو كجيل أول ووحيد، ليس لها في التاريخ أي ثراء، خلا بعض حكايات الذكورة الرعناء، عن البطولة والحروب ومفاخرها، وتالياً لا تنتج إلا شيئاً واحداً: العصبيات الخالية من أية قيمة.