السلطات الأردنية أعادت فتح مركز جابر/نصيب الحدودي مع سوريا أمام المسافرين
الحدود الأردنية السورية

أسعى بكل ما أملك من خيال واقعي مبني على معطيات قليلة جدا أن أتخيل ما جرى من حوار في المكالمة الهاتفية بين الملك الأردني، عبدالله الثاني، والرئيس السوري، بشار الأسد، والتي جرت مؤخرا في نوفمبر الماضي.

المصادر المقربة في العاصمة الأردنية تؤكد أن قضيتي الحدود المشتركة وموضوع المياه كانتا عنوان الحديث بين الرجلين، لكن ما رشح من معلومات منذ عودة الملك الأردني من زيارته إلى واشنطن الصيف الماضي حتى اليوم، يوحي بأن هناك سوء تقدير بالغ العمق في دمشق لكل مجريات الأمور التي تبعت زيارة الملك، وقد عاد فيها بما تم تسميته "غض نظر" أميركي عن اختراقات أردنية لقانون قيصر "محسوبة بدقة"، ويبدو أن دمشق تبني قراءاتها السياسية على افتراض واهم مفاده أن واشنطن هي التي تحاول التسوية مع النظام بل والتقرب منه، متجاهلة - بغطرسة- حسابات إقليمية تفرض تسويات جزئية مبنية على مصالح لا أوهام انتصارات لم تتحقق.

الملك الذي ذهب إلى واشنطن كأول زعيم عربي يدخل البيت الأبيض في عهد إدارة الرئيس، جو بايدن، حمل معه مجموعة طروحات تم ترتيبها في المباحثات كمصفوفة من الأزمات التي تم شرحها بواقعية سياسية وطرح مباشر لحزمة حلول قد تكون بداية تحرك في اتجاهات جديدة مختلفة كليا عن التقليدي في الشرق الأوسط.

البيت الأبيض مع طاقم الخارجية الذي تجاوب بإيجابية مع معظم طروحات الملك ذلك الصيف، لم يعط الضوء الأخضر بقدر ما أشار إلى لون برتقالي يعكس حذرا أميركيا من الانفتاح "التطبيعي" مع النظام السوري. رؤية الملك كانت واقعية تتماهى مع العقل السياسي في واشنطن، وتتلخص بأن أكثر من عشر سنوات طاحنة ودموية ضد نظام الأسد لم تسقطه فالأجدى وقد تضرر العالم لا الإقليم وحده من تلك الأزمة، أن يتم التعامل بمنهجية تغيير السلوك لا تغيير النظام، وطبعا أجندة الملك ليست محصورة بمصلحة دولية ولا أقليمية ولا هي بالتأكيد مبنية على مصالح نظام دمشق، فالأساس على ما أوضح الملك نفسه في تصريحاته هي مصالح أردنية متضررة من قانون قيصر ومنهكة اقتصاديا من قضية لاجئين في دولة متعبة إقتصاديا ومحاصرة بالأزمات الإقليمية، ووضعها الداخلي محتقن بالقهر الشعبي الذي ينفجر بين الحين والآخر على شكل مظاهرات واحتجاجات ويتجلى يوميا بأزمات يمكن افتعالها بسهولة - وأحيانا بخبث- على وسائل التواصل الاجتماعي.
ثلاثة ملفات متشابكة وضعها الأردنيون أمام السوريين بعد "زيارة واشنطن" الصيفية، الحدود والتجارة البينية وأزمة المياه.

في الحدود، كانت المصلحة الأردنية بالأولويات تقضي بإبعاد الخطر الإيراني عن الحدود الشمالية، والمتمثل بالفرقة الرابعة التي يقودها ماهر الأسد، شقيق الرئيس السوري، والفرقة الرابعة تتجاوز كونها فرقة عسكرية كاملة التجهيز إلى كونها إمبراطورية تجارية لها وكلاؤها المحليون والدوليون في قطاعات اقتصادية كثيرة، ومحمية بالسلاح والجنود.. والدعم الإيراني.

لم يؤكد لي مصدر سياسي في عمان ما قيل فيه إن دمشق وافقت فعليا على نقل الفرقة الرابعة بعيدا عن المجال الحيوي للحدود الشمالية الأردنية، ولم يكن سهلا تأكيد المعلومة المعلقة على ذمة التأكيد من أي مصدر عسكري في العاصمة الأردنية.

لكن قضية الحدود الشمالية للأردن وهي الجنوبية لسوريا، لا تقف عند الحسابات الجيوسياسية العميقة، فالأردن بدأ يصل مرحلة القلق الحقيقي من كارتيل المخدرات الذي لم يعد يرى الأردن ممرا بل مقرا لا للتجارة والتوزيع بل للتصنيع، وحسب مصادر متعددة فإن هناك توجها أمنيا بإرادة سياسية للحد من انتشار المخدرات عبر تجفيف منابع الإنتاج والتوزيع.


السوريون أيضا حسب مصادر أميركية وافقوا على التعاون في قضايا الإرهاب وتهريب "البشر" عبر الحدود مع تفهم لموضوع اللاجئين عبر تنمية الجنوب السوري وإعادة تأهيله من جديد ربما لجذب اللاجئين السوريين إلى العودة نحو بلادهم.

المعضلة الأردنية التي ربما أتخيلها تجسدت على شكل مرارة في حديث الملك الأردني مع الرئيس السوري كانت في أزمة المياه، تلك الأزمة العالقة منذ نهاية ثمانينات القرن الماضي باتفاقيات دولية لم يحترمها الجانب السوري ولم يتلق الأردن قطرة ماء - حسب رسميين- من حقوقه المائية الطبيعية، سواء في تلك الاتفاقيات التي وقعت عام 1987، أو من سد الوحدة الذي لا يزال يدفع الأردن فوائد قروض بنائه على حساب الأردن، ولم يسمح السوريون بتفعيل جريان الماء فيه منذ إنشائه.

مقربون من دوائر صنع القرار أكدوا أن الأردن التقى مسؤولين سوريين أكثر من مرة منذ الصيف الماضي، وأن السوريين لم يردوا لا سلبا ولا إيجابا على المطالب الأردنية بحقوقه الطبيعية من المياه.

قادني هذا الطريق المسدود مع السوريين في أكبر مشكلة حيوية يواجهها الأردن إلى الاعتقاد بأن التعنت السوري في حرمان الأردن من حقوقه المائية قد دفع إلى الخيار الأخير بما تم الإعلان عنه أخيرا عن اتفاق نوايا ثلاثي بين الأردن وإسرائيل والإمارات عن صفقة مقايضة ضخمة يوفر فيها الأردن الطاقة الكهربائية النظيفة لإسرائيل، وهي الطاقة التي تحتاجها فعليا للوصول إلى نسبة 30 بالمئة من الطاقة النظيفة لدخول الصناعات الإسرائيلية إلى الأسواق الأوروبية، مقابل مائتي مليون متر مكعب من المياه يحصل عليها الأردن.

ما سمعته في العاصمة الأردنية أن أزمة المياه مع سوريا منفصلة عن اتفاق النوايا الثلاثي، فالاتفاق كان معروضا سابقا على شكل صفقة مالية يتقاسم فيها الأردن مع المنفذ الإماراتي ثمن الكهرباء، مقابل تقديم الأرض الآمنة والصالحة لتوفير الطاقة.

الأردن لم يجد مصلحة في ذلك العرض الأول من الصفقة، والحسابات الأردنية وجدت أن العوائد المالية غير كافية للكلف السياسية الأكثر خطورة في اتفاق من هذا النوع.

وحسب مطلعين على تفاصيل بداية تلك الاتفاقية فإن عراب الفكرة، جون كيري، "مفوض البيئة في إدارة بايدن" عاد إلى الأردنيين بإلحاح القبول لتلك الصفقة، وقد طرح سؤاله عليهم: ماذا تريدون بالضبط؟

الجانب الأردني لم يوفر وقتا ولا جهدا وطلب مائتي مليون متر مكعب من المياه، لم يتنازلوا عنها حتى حين دخلت المملكة السعودية على خط الاتفاقية محاولة إجهاضها لنية السعودية إحلال نفسها محل الأردن في تزويد إسرائيل بالطاقة النظيفة "مستقبلا"، لكن السعودية استطاعت إقناع الشركة الإماراتية بتخفيض الطاقة الكهربائية المصدرة إلى إسرائيل بما يقارب النصف، وهو ما جعل كيري يحمل رسالة إسرائيلية إلى الأردن بضرورة تخفيض طلبه المائي إلى النصف أيضا، وهو ما واجهه الجانب الأردني بالرفض الحاسم مبلغا كيري أن الأردن لا يرى في تلك الصفقة إلا المائتي مليون متر مكعب من المياه سنويا.

وحسب مصدر موثوق في واشنطن فإن إسرائيل - من خلال جون كيري-  رضخت للطلب الأردني وتم إعلان النوايا وهو المرحلة الأولى من ثلاث مراحل قانونية للوصول إلى توقيع الاتفاقية والشروع بتنفيذها.

الملف اللبناني والمقاربة الأردنية:
كان أول إعلان من الملك عن مباحثاته في واشنطن عبر لقائه مع فريد زكريا في قناة CNN الأميركية أثناء زيارة واشنطن، وفيها فاجأ الملك الجميع بطرحه الأزمة اللبنانية وتداعياتها على المنطقة طارحا حزمة حلول تشمل دعم الجيش اللبناني كآخر مؤسسة وطنية يجب أن لا تنهار مع انهيار الدولة، وكنت حينها كتبت مقالا "عمان واشنطن وبالعكس"، استقيت فيه من مصادر في الخارجية الأميركية وأكدتها لي حينها في عمان مصادر أردنية مقربة من الملك أن المباحثات المكثفة مع طواقم الخارجية الأميركية عرض فيها العاهل الأردني ببراعة فداحة انهيار الدولة اللبنانية "الوشيك" واستحضر أمام الأميركيين سيناريو العراق السيء والذي سمح بانهيار الجيش العراقي ليسمح برفع كل الأعلام الطائفية والعلم الإيراني فوق كل مؤسسات الدولة المنهارة.

الملك باستحضاره السيناريو العراقي "الأكثر سوءا في التاريخ الحديث" استطاع فيه أن يلامس مكامن الذعر في واشنطن أمام تطبيق ذات السيناريو بتداعيات أكثر رعبا في حضور إيراني راسخ في لبنان لو انهارت الدولة، كل الدولة اللبنانية بكل مؤسساتها، ومن هنا عرض الملك الأردني رؤيته للحل وهي رؤية مشتركة مع الأليزيه في باريس بأن يتم ابتكار آلية مشروع مارشال جديد "ممول إقليميا ودوليا" يتم تفصيله على قياس الواقع اللبناني، لإنقاذ لبنان من بؤسه الاقتصادي والمعيشي، عبر تمكين الجيش اللبناني أولا ووضعه كمؤسسة توزيع شرعية ووحيدة للمساعدات المقدمة إلى اللبنانيين تحت علم لبنان الوطني.

الطرح الملكي الأردني الذي يحتاج بالضرورة إلى "ممر سوري" يتطلب تسويات معقولة مع سوريا، وبالضرورة مساعدات تشمل قطاعات سورية واسعة، تم ترجمته فورا بتصدير الطاقة "الكهرباء" ومشروع توفير الغاز للبنان عبر طريق آمن يخترق سوريا ويتوقف في محطات فيها.
تلك مصلحة أردنية اقتصادية تتحقق بلا أعباء لوجستية ثقيلة، لكن يضع السؤال حول جاهزية الدولة الأردنية "وحكومتها القلقة والمقلقة" لأي جاهزية لوجستية ثقيلة في نقل وتمرير البضائع إلى سوريا - بشكل محدود- وإلى لبنان بشكل أوسع.

لبنان، تلقى المبادرة الأردنية بترحيب واسع فرضه اليأس من أي حلول ممكنة أخرى، وعلمت مؤخرا ان كثيرا من الشخصيات السياسية اللبنانية وفدت إلى العاصمة الأردنية عمان والتقت الملك الأردني لوضع مقاربات جديدة أمامه، ولم أستطع تبين تفاصيل طروحات الشخصيات اللبنانية في قصر الحسينية أمام الملك، لكن استطعت معرفة أن الذوات التي وفدت إلى الأردن مؤخرا كانت من الوزن الثقيل في المشهد اللبناني مثل، وليد جنبلاط، والرئيس اللبناني الأسبق، أمين الجميل.

مصدر لبناني سياسي موثوق ووازن حاورته مؤخرا، أكد لي أن هناك شعورا في لبنان بأن هناك تسويات إقليمية جديدة وضخمة في الشرق الأوسط، تتجاوز لبنان وتحاول جعله "مكب نفايات" للمنطقة حسب تعبيره ضمن توافق ضمني غير مكتوب بين إسرائيل وإيران وتركيا.
السياسي اللبناني نفسه، أكد أنه ينظر بعين الارتياح لمبادرة الملك التي قد تعيد للبنان بعض الحياة، لكن التسويات الإقليمية والتوافقات الدولية - حسب رأيه- غير مطمئنة بالنسبة للبنان، مطالبا أن يتم البناء على مبادرة الملك الأردني برؤية جديدة للدولة اللبنانية تحل محل اتفاق الطائف، وتراعي بدقة اجتماعية لا سياسية المكون الشيعي بل وتتحاور مع إيران بدلا من التصادم معها، للوصول إلى لبنان "محايد" في التركيب الجديد للشرق الأوسط.

الحديث مع السياسي اللبناني أشعل كثيرا من الأسئلة حول الأزمة اللبنانية وتداعياتها الكارثية كما تصورها الملك وصورها على طاولة بايدن، وهو ما يجعلني أحاول البحث عن أجوبة في لبنان ومنه وعنه، ربما في مقال قادم وقريب.
 

قصر العدل في روما الذي يضم مقر محكمة الاستئناف العليا في إيطاليا (أرشيف)
قصر العدل في روما الذي يضم مقر محكمة الاستئناف العليا في إيطاليا (أرشيف)

بفضل العمل في عدة مؤسسات بحثية دولية، قُيض لكاتب هذه السطور أن يزور العاصمة الإيطالية روما عدة مرات خلال السنوات الماضية. حيث، وخلال كل زيارة من تلك، كانت العلاقة التي تربط سكان المدينة الحاليين بالذاكرة والتاريخ الأقدم للمدينة مثار غرابة وإعجاب على الدوام. بالضبط من حيث ما هم عليه من غنى ووصال وفاعلية في علاقتهم من مدينتهم القديمة. 

كان يحدث ذلك، مقابل العوز والمتاركة والقطيعة التي كان كاتب هذه السطور عليها، في علاقته العقلية والوجدانية والثقافية مع الحاضرة التاريخية التي ولد وعاش بين ثناياها. هو المتأتي من مكان كان يوماً عاصمة إمبراطورية تاريخية كبرى، شبيهة بروما نفسها، من قرية موزان شمال شرقي سوريا، التي تضم رفاة مدينة أوركيش التاريخية، التي كانت عاصمة المملكة الحورية القديمة. 

فأبناء مدينة روما الحاليون، وبمختلف أجيالهم، يعيشون المدينة القديمة وكأنها شيء حاضر وحيوي في تفاصيل حياتهم الراهنة. كانت روما القديمة، ولا تزال، ذات وجود متدفق في روما الراهنة، وفي أكثر من مستوى: عمارتها القديمة جزء مشهدي لا يمكن غض الطرف عنه في كل تفاصيل المدينة الحالية، بما في ذلك داخل بيوت سكانها، وسيرة التوأمين اللذين أسسا المدينة كثيفة في الذاكرة الجمعية، ومرويات حُقب المدينة القديمة وحكاياتها الشهيرة ومراحل تحولها الرئيسية جزء من الآداب والمناهج التربوية التي تنتجها المدينة الحديثة. وإلى جانب ذلك، ثمة متاحف وتماثيل مرئية ومنتجات تقنية وأنواع كثيرة من الآداب والفنون التي يفرزها الحاضرون يوماً، مبنية كلها وذات علاقة وثيقة مع ما كانت عليه المدينة القديمة، حيث إن السكان الحاليون في باطن وعيم يتصورون أنفسهم كامتداد روحي وثقافي وتاريخي لما كانت عليه روما القديمة.  

يحدث كل ذلك، في وقت لا يعاني فيه سكان روما الحاليون مع أية مشكلة أو صِدام مع الحداثة، بكل منتجاتها وأدوات فعلها ونوعية التفكير وأشكل السلوك التي تنفرز عنها. بل على العكس تماماً، يبدو الحضور الكثيف للمدينة التاريخية وذاكرتها في حاضر السكان، وكأنه أهم مصادر الغنى والحيوية للسكان، ما لم نقل الثقة بالذات، التي تنتج ممرات للاعتراف بالآخر وفسحة لطراوة الوجدان والمخيلة، تلك الأشياء التي تمنح السكان الحاليين قوة وجدانية وعقلية للانخراط كل اشكال الحداثة.  

على الدفة الأخرى، فإن كاتب السطور لم يسبق له أن عرف شيئاً عن العاصمة التاريخية القديمة التي ولد، هو وأبوه وجده وكامل أفراد عائلته، على بُعد عدة مئات من الأمتار منها. لم يعرف حتى اسمها التاريخي ولا مؤسسها ولا الحاضرة والمضامين التي كانت عليه هذه المدينة التاريخية. ليس هو فحسب، بل كامل الفضاء الاجتماعي والثقافي والإنساني المحيط بذاك المكان، الذين كانت تلك الحاضرة على الدوام واحدة من أكبر مجاهيل الحياة وأكثرها غموضاً بالنسبة لهم. 

فما عرفته شخصياً عن هذه المدينة القديمة، وبعد سنوات كثيرة من العيش بالقرب منها والمرور اليومي بها، كان بفعل فضول استثنائي ومهني خاصٍ جداً، لم يكن متوفراً إلا للقليلين. تلك المدينة التي كانت حاضرة عمرانية وثقافية وتجارية طوال آلاف السنين، عاصمة للملكة الحورية لوقت طويل، ثم صارت جزءا من الفضاء السياسي والإنساني لممالك "أكاد" ومن بعدهم "ماري"، تحوي قصوراً ومعابداً وأسواقاً ونصوصاً وتماثيل ومنتجات تاريخية لا تُقدر بثمن، لها سيرة وتاريخ وشخصيات ومنتجات أدبية ودينية وثقافية هائلة، كانت يوماً منارة إنسانية لقرابة ربع العالم.   

كل ذلك كان مجهولاً كبيراً لكل البشر المحيطين بالمكان، ولا يزال. وحدهم أعضاء بعثات التنقيب الأجنبية كانوا يعرفون ما بداخل ذلك المكان/الحاضرة، هؤلاء الذين كانوا محاطين بسور فعلي وآخر أمني، يعملون بصمت داخل مكاتبهم، يستخرجون الآثار ويجرون الدراسات بلغاتهم الأجنبية، ولا يجدون وقتاً ومعنى لأن يشرحوا ويفسروا للسكان المحيطين ما يعثرون عليه ويكتشفونه داخل المدينة. حتى أن بعض السكان المحليين، الذين كانوا يعملون كعمال سخرة لدى أعضاء تلك البعثات، أنما كان ممنوعاً عليهم مسّ أي شيء تاريخي قد يجدونه أثناء عمليات النبش والتنقيب.  

لم تكن تلك القطيعة على المستوى المادي فحسب، فجهل السكان بالمكان ومحتوياته وسيرته، كان استعارة كبرى عن قطيعة هؤلاء مع التاريخ نفسه، وتالياً مع جزء من ذواتهم وخصائصهم، ككائنات تملك خاصية متمايزة عن باقي المخلوقات، على مستوى العلاقة مع الذاكرة والتاريخ الأبعد مما هو حاضر راهناً. وتالياً ككائنات خُلقت وراكمت مجموعة كبرى من المنتجات والذواكر والأفكار والقيم والآداب والتجارب، التي تشكل بمجموعها المصدر الأولي والدائم للثراء الإنساني.  

فما كان خاصاً بالبقعة التي نشأ فيها كاتب هذه السطور، كان يمتد لأن يكون ظاهرة عامة في كل مكان آخر. فكامل شمال شرق سوريا كان قائماً على بحر من الحواضر التاريخية القديمة، تحوي سهوبه كنوزاً من الآثار والمنتجات الإنسانية، لكنها جميعاً كانت عوالم مجهولة تماماً بالنسبة للسكان، غير حاضرة أو ذات معنى في الذاكرة الجمعية، لا يتم تداولها في المناهج التربوية وليس لها من قيمة في المنتجات الأدبية والثقافية والفنية والسياحية لأبناء المكان، ولا فاعلية لها في الضمير والمخيلة والعقل العام.  

يمتد ذلك الأمر ليشمل سوريا كلها، ومنها بنسب مختلفة لكل بلدان منطقتنا، الذين، ولغير صدفة، يعيشون صداماً ورفضاً للغالب الأعم من ظواهر ومنتجات الحداثة، المرابطين في خنادق المركزية والمحافظة والماضوية.  

من تلكم الثنائية، تبدو العلاقة الثنائية شديدة الوضوح، بين مجتمعات سائلة، تعتبر نفسها جزءا حيوياً من تاريخ قديم ومتقادم، منتج ومراكم لكل أنواع الثراء الإنساني، وأخرى تعتبر نفسها يتيمة، ولدت للتو كجيل أول ووحيد، ليس لها في التاريخ أي ثراء، خلا بعض حكايات الذكورة الرعناء، عن البطولة والحروب ومفاخرها، وتالياً لا تنتج إلا شيئاً واحداً: العصبيات الخالية من أية قيمة.