دولار أميركي - عملة أميركية - 100 دولار
"على الدولار أن ينقذ نفسه من المعجزة اللبنانية"

لا أعتقد أن سفارة أميركية في أي دولة من العالم، وفي تاريخ الديبلوماسية الأميركية، اضطرت لأن تُصدر توضيحاً تشرح فيه لمواطني الدولة التي تعمل فيها حقيقة أن فئة المئة دولار من عملتها الوطنية لا غبار عليها، وأن المئة دولار هي المئة دولار نفسها، وأن العملات التي أصدرها المصرف المركزي الأميركي منذ العام 1914 ما زالت معتمدة. لكن السفارة الأميركية في بيروت فعلتها. 
 
ذاك أن الصرافين اللبنانيين قرروا أن النسخة القديمة من فئة المئة دولار ثمنها 96 دولاراً! وقرار بهذا الحجم لم يمل على السلطة اللبنانية تحركاً لضبط قرار الصرافين. نحن هنا نتحدث عن قرارٍ "لبناني" بتخفيض سعر أقوى عملة في العالم. 
 
المئة دولار تساوي 96 دولاراً! لا بأس، فلبنان بالإضافة إلى كونه دولة مقاومة ومواجهة وتعايش مشترك، هو أيضاً دولة الصرافين، لا بل دولة صرافين غير شرعيين، كما أنه دولة متحرشين محميين بالطوائف، ودولة وزراء يرفضون الخضوع للتحقيق! 
 
وطالما ثمة جيش مسلح غير شرعي، فلماذا نطلب من الصراف أن يكون شرعياً؟ وينسحب انعدام منطقية التطلب على كل شيء، ونحن فعلاً هذه الأيام نعيش في زمن الانتقال من الموبقات الكبرى، إلى الموبقات الصغرى.  
 
فإذا أردنا أن نحصي جرائم "صغرى" شهدها لبنان، جرت بموازاة جرائم كبرى كتلك التي جرت في مرفأ بيروت العام الفائت، أو جريمة المصارف أو جرائم القتل السياسي مثل جريمة قتل لقمان سليم، فإن "الصغرى" لا تنفصل عن سياق الجرائم الكبرى.
 
ونعني بالجرائم الصغرى، تلك الموازية والمرافقة لنظام القتل اللبناني مثل الجريمة الأخيرة التي تم الكشف عنها في منطقة أبي سمرا في طرابلس، والمتمثلة بإقدام مدرس على محاولات اغتصاب تلامذته وتولي إدارة المدرسة الدفاع عنه بعد انكشاف أمره.
 
وسبق هذه الجريمة تمنّع السلطات اللبنانية عن تسليم الكاهن منصور لبكي للسلطات الفرنسية بعد أن حكمت محكمة فرنسية عليه بتهمة محاولات اغتصاب أيضاً. 
 
وبين الجريمتين وقائع كثيرة ويومية يشهدها لبنان، توازي وقائع ثقيلة وتتغذى منها وتجعل من المشهد اللبناني أقرب إلى غابة مصدّرة للجريمة بأنواعها المختلفة، وتخلف شعوراً بأن جهنم هنا. دولة تصدر الكابتاغون والشهادات الجامعية المزورة، وتحولت مؤخراً إلى دولة مصدرة للنازحين الجائعين، والهائمين على وجوههم في البحار على متن مراكب هشة، ومن المحتمل أن يأكلهم البحر. 
 
والحال أن الانهيار اللبناني راح يأخذ شكلاً أفقياً وراح يصيب قيماً بديهية صار من الصعب على الأمم المعاصرة العيش من دونها. فيمكن لكل مواطنٍ أن يحدد شروط عيشه وأن يواجه أي محاولة لصده بحقيقة أن ثمة مرتكبين كباراً نجوا من المحاسبة، فلماذا تقتصر المحاسبة عليه؟
 
من الذي يمنع الصراف من أن يقول لك أن المئة دولار تساوي 96 دولاراً؟ فحاكم مصرف لبنان، رياض سلامة، سبق الصرافين إلى تحديد سعر أقل بكثير للمئة دولار! المئة دولار اللبنانية، أو "المئة لولار" بحسب التسمية اللبنانية، تساوي 7 دولار حقيقي إذا ما عدنا للسعر الذي حدده سلامة، أي 1500 ليرة للدولار الواحد، في حين أن القيمة السوقية للدولار توازي الـ25 ألف ليرة لبنانية!  

علماً أن ذلك ترافق مع قاموس مالي جديد استدخلت إليه عبارة "الفريش دولار" لتصبح كلمة مفتاحية في حوارات اللبنانيين وفي تداولاتهم اليومية، وهي عبارة ينفرد فيها لبنان، وتثير بغير اللبنانيين دهشة أين منها دهشتهم من انفجار المرفأ. 
 
محاسبة المدرّس المتحرش في مدرسة البنات في منطقة أبي سمرا، يمكن صدها بأن كاهناً صدر بحقه حكماً قضائياً في فرنسا ولم توافق السلطات اللبنانية على تسليمه. محاسبة المدرّس تنطوي على تمييز ضد المسلمين في دولة المقاومة! أما انصاف ضحايا المدرس والكاهن، فهذه من غير همومنا في دولة الانهيار الكبير. 
 
والحال أن قصة المئة دولار بوصفها واقعة تاريخية لم يسبق أن شهدتها العملة الأميركية، التي تحسب نفسها أقوى عملة في العالم، من المفترض أن تكون درساً كبيراً لجهة ما يمكن أن تحدثه الوقائع اللبنانية بالاقتصاد العالمي، إذ قد يتدفق تجار العملة من كل العالم لشراء هذه الفئة وشحنها إلى الخارج، فيحققون أرباحاً خيالية جراء ذلك.
 
فلبنان صار لوثة يمكن أن تصيب ركائز الاقتصاد العالمي، مثلما توج انفجار المرفأ هرم الانفجارات، ومثلما تحول الانهيار المالي إلى أكبر انهيار في التاريخ.
 
على الدولار أن ينقذ نفسه من المعجزة اللبنانية. 

قصر العدل في روما الذي يضم مقر محكمة الاستئناف العليا في إيطاليا (أرشيف)
قصر العدل في روما الذي يضم مقر محكمة الاستئناف العليا في إيطاليا (أرشيف)

بفضل العمل في عدة مؤسسات بحثية دولية، قُيض لكاتب هذه السطور أن يزور العاصمة الإيطالية روما عدة مرات خلال السنوات الماضية. حيث، وخلال كل زيارة من تلك، كانت العلاقة التي تربط سكان المدينة الحاليين بالذاكرة والتاريخ الأقدم للمدينة مثار غرابة وإعجاب على الدوام. بالضبط من حيث ما هم عليه من غنى ووصال وفاعلية في علاقتهم من مدينتهم القديمة. 

كان يحدث ذلك، مقابل العوز والمتاركة والقطيعة التي كان كاتب هذه السطور عليها، في علاقته العقلية والوجدانية والثقافية مع الحاضرة التاريخية التي ولد وعاش بين ثناياها. هو المتأتي من مكان كان يوماً عاصمة إمبراطورية تاريخية كبرى، شبيهة بروما نفسها، من قرية موزان شمال شرقي سوريا، التي تضم رفاة مدينة أوركيش التاريخية، التي كانت عاصمة المملكة الحورية القديمة. 

فأبناء مدينة روما الحاليون، وبمختلف أجيالهم، يعيشون المدينة القديمة وكأنها شيء حاضر وحيوي في تفاصيل حياتهم الراهنة. كانت روما القديمة، ولا تزال، ذات وجود متدفق في روما الراهنة، وفي أكثر من مستوى: عمارتها القديمة جزء مشهدي لا يمكن غض الطرف عنه في كل تفاصيل المدينة الحالية، بما في ذلك داخل بيوت سكانها، وسيرة التوأمين اللذين أسسا المدينة كثيفة في الذاكرة الجمعية، ومرويات حُقب المدينة القديمة وحكاياتها الشهيرة ومراحل تحولها الرئيسية جزء من الآداب والمناهج التربوية التي تنتجها المدينة الحديثة. وإلى جانب ذلك، ثمة متاحف وتماثيل مرئية ومنتجات تقنية وأنواع كثيرة من الآداب والفنون التي يفرزها الحاضرون يوماً، مبنية كلها وذات علاقة وثيقة مع ما كانت عليه المدينة القديمة، حيث إن السكان الحاليون في باطن وعيم يتصورون أنفسهم كامتداد روحي وثقافي وتاريخي لما كانت عليه روما القديمة.  

يحدث كل ذلك، في وقت لا يعاني فيه سكان روما الحاليون مع أية مشكلة أو صِدام مع الحداثة، بكل منتجاتها وأدوات فعلها ونوعية التفكير وأشكل السلوك التي تنفرز عنها. بل على العكس تماماً، يبدو الحضور الكثيف للمدينة التاريخية وذاكرتها في حاضر السكان، وكأنه أهم مصادر الغنى والحيوية للسكان، ما لم نقل الثقة بالذات، التي تنتج ممرات للاعتراف بالآخر وفسحة لطراوة الوجدان والمخيلة، تلك الأشياء التي تمنح السكان الحاليين قوة وجدانية وعقلية للانخراط كل اشكال الحداثة.  

على الدفة الأخرى، فإن كاتب السطور لم يسبق له أن عرف شيئاً عن العاصمة التاريخية القديمة التي ولد، هو وأبوه وجده وكامل أفراد عائلته، على بُعد عدة مئات من الأمتار منها. لم يعرف حتى اسمها التاريخي ولا مؤسسها ولا الحاضرة والمضامين التي كانت عليه هذه المدينة التاريخية. ليس هو فحسب، بل كامل الفضاء الاجتماعي والثقافي والإنساني المحيط بذاك المكان، الذين كانت تلك الحاضرة على الدوام واحدة من أكبر مجاهيل الحياة وأكثرها غموضاً بالنسبة لهم. 

فما عرفته شخصياً عن هذه المدينة القديمة، وبعد سنوات كثيرة من العيش بالقرب منها والمرور اليومي بها، كان بفعل فضول استثنائي ومهني خاصٍ جداً، لم يكن متوفراً إلا للقليلين. تلك المدينة التي كانت حاضرة عمرانية وثقافية وتجارية طوال آلاف السنين، عاصمة للملكة الحورية لوقت طويل، ثم صارت جزءا من الفضاء السياسي والإنساني لممالك "أكاد" ومن بعدهم "ماري"، تحوي قصوراً ومعابداً وأسواقاً ونصوصاً وتماثيل ومنتجات تاريخية لا تُقدر بثمن، لها سيرة وتاريخ وشخصيات ومنتجات أدبية ودينية وثقافية هائلة، كانت يوماً منارة إنسانية لقرابة ربع العالم.   

كل ذلك كان مجهولاً كبيراً لكل البشر المحيطين بالمكان، ولا يزال. وحدهم أعضاء بعثات التنقيب الأجنبية كانوا يعرفون ما بداخل ذلك المكان/الحاضرة، هؤلاء الذين كانوا محاطين بسور فعلي وآخر أمني، يعملون بصمت داخل مكاتبهم، يستخرجون الآثار ويجرون الدراسات بلغاتهم الأجنبية، ولا يجدون وقتاً ومعنى لأن يشرحوا ويفسروا للسكان المحيطين ما يعثرون عليه ويكتشفونه داخل المدينة. حتى أن بعض السكان المحليين، الذين كانوا يعملون كعمال سخرة لدى أعضاء تلك البعثات، أنما كان ممنوعاً عليهم مسّ أي شيء تاريخي قد يجدونه أثناء عمليات النبش والتنقيب.  

لم تكن تلك القطيعة على المستوى المادي فحسب، فجهل السكان بالمكان ومحتوياته وسيرته، كان استعارة كبرى عن قطيعة هؤلاء مع التاريخ نفسه، وتالياً مع جزء من ذواتهم وخصائصهم، ككائنات تملك خاصية متمايزة عن باقي المخلوقات، على مستوى العلاقة مع الذاكرة والتاريخ الأبعد مما هو حاضر راهناً. وتالياً ككائنات خُلقت وراكمت مجموعة كبرى من المنتجات والذواكر والأفكار والقيم والآداب والتجارب، التي تشكل بمجموعها المصدر الأولي والدائم للثراء الإنساني.  

فما كان خاصاً بالبقعة التي نشأ فيها كاتب هذه السطور، كان يمتد لأن يكون ظاهرة عامة في كل مكان آخر. فكامل شمال شرق سوريا كان قائماً على بحر من الحواضر التاريخية القديمة، تحوي سهوبه كنوزاً من الآثار والمنتجات الإنسانية، لكنها جميعاً كانت عوالم مجهولة تماماً بالنسبة للسكان، غير حاضرة أو ذات معنى في الذاكرة الجمعية، لا يتم تداولها في المناهج التربوية وليس لها من قيمة في المنتجات الأدبية والثقافية والفنية والسياحية لأبناء المكان، ولا فاعلية لها في الضمير والمخيلة والعقل العام.  

يمتد ذلك الأمر ليشمل سوريا كلها، ومنها بنسب مختلفة لكل بلدان منطقتنا، الذين، ولغير صدفة، يعيشون صداماً ورفضاً للغالب الأعم من ظواهر ومنتجات الحداثة، المرابطين في خنادق المركزية والمحافظة والماضوية.  

من تلكم الثنائية، تبدو العلاقة الثنائية شديدة الوضوح، بين مجتمعات سائلة، تعتبر نفسها جزءا حيوياً من تاريخ قديم ومتقادم، منتج ومراكم لكل أنواع الثراء الإنساني، وأخرى تعتبر نفسها يتيمة، ولدت للتو كجيل أول ووحيد، ليس لها في التاريخ أي ثراء، خلا بعض حكايات الذكورة الرعناء، عن البطولة والحروب ومفاخرها، وتالياً لا تنتج إلا شيئاً واحداً: العصبيات الخالية من أية قيمة.