شعور الملل وعجز المرأة عن الإنجاب وكل هذه "الحجج"، قد تُصَرَّف بصيغة المذكر كما قد تُصَرَّف بصيغة المؤنث
شعور الملل وعجز المرأة عن الإنجاب قد تُصَرَّف بصيغة المذكر.

كانت تحب زوجها. عشر سنوات من العيش المشترك وطفلة وتفاصيل كثيرة. لكن الزمن أدخل بعض التجاعيد على العلاقة. بقي شيء من الحب؛ أو لنقل شيء من الألفة.. لكن الحب فقد بريقه الأول والجنس أصبح ميكانيكيا وكلامهما غلب عليه غلاء المعيشة والدخول المدرسي والمناسبات العائلية. 

ثم كان زميلها. شاب وسيم أنيق. لا تستطيع مقاومة مقارنة جسده الممشوق مع ترهل جسد زوجها. تعجبها أناقته ويثيرها اختياره لربطات عنقه. طريقة كلامه. ثقافته العامة. روحه المرحة. 

في أحد الأيام، وهي تمارس الحب مع زوجها، سكنت صورة زميلها في ذهنها. خجلت من سلوكها. اعتبرته خيانة، رغم أنه لم يتجاوز الخيال. 

ثم قررت أن تواجه زميلها بمشاعرها.. وجاء الزواج الثاني. شرحت لزوجها الأول بأنها تحبه وأنها لا تريد التخلي عنه. بأنها ستحرص على معاملة عادلة بين الاثنين.  كانت هناك طفلة بينهما وشقة مشتركة وتفاصيل كثيرة. 

قبِل الزوج الأول، أو تظاهر بذلك. فهل كان لديه البديل؟ تزوجت بزميلها. امتعض بعض المحيطين بهما، لكن الأغلبية اعتبرت الأمر عاديا. حق من حقوقها كزوجة لديها رغبات. كانت تقضي الليالي بالتساوي بين الاثنين، لكنها كانت تشتاق لزوجها الجديد أكثر. تشتاق لحضنه ولعضلاته المفتولة ولجو المرح الذي يضفيه حضوره على البيت. كانت تحب ثقافته العامة واستقلاليته وأشياء كثيرة فيه. حتى طريقة تصفيفه لأغراضه في الحمام. 

وكان زوجها الأول يتظاهر بقبول الوضع على مضض، حفاظا على استقرار الأسرة. حتى أنه اقترح عليها أن يقضوا العيد المقبل معا، هو وهي وطفلتهما و.. زوج زوجته الجديد. كان ذلك أفضل له من أن يقضي العيد لوحده إذا اختارت زوجته قضاءه مع زوجها الجديد.

كيف بدت لكم الحكاية أعلاه؟ عبث وجنون وأمر غير مقبول؟ 

في الحقيقة، هي لا تختلف كثيرا عن العبث والجنون الذي تولده الآية المعكوسة.!!!! لا الدين ولا القانون ولا التعود والقبول المجتمعي، يستطيع أن يقنعنا بأن التعدد أمر "طبيعي" وأنه حق من حقوق الرجال. كما أن لا أحد يستطيع أن يقنعنا بأن امرأة، بسبب قناعاتها الدينية وتربيتها الإسلامية، تتقبل بسهولة ارتباط زوجها بامرأة أخرى. 

التعدد شرعنة للخيانة ومأسسة لها. شعور الملل وعجز المرأة عن الإنجاب وكل هذه "الحجج"، قد تُصَرَّف بصيغة المذكر كما قد تُصَرَّف بصيغة المؤنث. فإما أن نجد لها حلا معقولا في كل الحالات، وإما أن نلغيها في جميع الحالات. 

الحرقة التي اكتوى بها بعض الرجال لمجرد قراءة الفقرة الأولى لهذا المقال (دون معايشتها في الواقع مع زوجاتهم)، هي نفسها التي تحرق قلوب عشرات الآلاف من النساء، بمن فيهن من قد يظهرن العكس. 

البعض، لتبرير التعدد، يخترع أرقاما لا أساس لها من الصحة، كالفيديوهات والمقالات التي نصادفها بين الفينة والأخرى عن كون أعداد النساء أكثر بكثير من أعداد الرجال، مما قد يبرر التعدد بهدف "إنقاذ النساء من العنوسة". الكارثي أن هناك منابر إعلامية رصينة تروج لتلك الأرقام لتبرر وتفسر تعدد الزوجات، في حين أن بحثا صغيرا على المصادر الإحصائية الرسمية يبين لنا أن تلك الأرقام خاطئة، لأن تقسيم البشر على وجه الأرض بناء على الجنس، حسب إحصائيات الأمم المتحدة، يبين نسبا شبه متساوية بين الرجال والنساء (مع ارتفاع طفيف لأعداد الرجال، عكس ما يروج له!).

على الأرض، ينقسم البشر إلى:  50،4٪ من الرجال و49،6٪ من النساء، بمعنى أنه، لكل 102 من الرجال، هناك 100 امرأة. فهل سنبرر، مثلا، تعدد الأزواج للزوجة الواحدة، بحجة إنقاذ النسبة الصغيرة من الرجال الذين يتجاوزون أعداد النساء؟ أم أن هذا المعطى يبين لنا كيف أن للبعض القدرة على ليّ المعطيات الدينية وحتى الديمغرافية لتبرير ممارسات غير منصفة؟

يريد "حزب الله" المرتبط ارتباطًا وثيقًا بالأجندة الإيرانية أن يُبقي لبنان "عمقًا استراتيجيًا للجمهورية الإسلامية في إيران"
يريد "حزب الله" المرتبط ارتباطًا وثيقًا بالأجندة الإيرانية أن يُبقي لبنان "عمقًا استراتيجيًا للجمهورية الإسلامية في إيران"

كأنّ هناك عقلًا واحدًا يتحكّم بصانعي الفوضى في العالم، اذ إنّ هؤلاء لا يجدون سوى وصفة واحدة لإحلال السلام: الاستسلام لهم!

ومن يدقق بالعبارات التي يستعملها صانعو الفوضى في العالم، يتفاجأ بأدبيّات موحّدة، فالقيادة الروسية بزعامة فلاديمير بوتين تحمّل الغرب مسؤوليّة دخول حربها على أوكرانيا عامها الثاني، لأنّ هذا الغرب يزوّد أوكرانيا بمقوّمات الصمود العسكري والإنساني، مما يحول دون استسلامها.

بالنسبة للقيادة الروسيّة: السلام مستحيل، والتصعيد ضرورة، والدمار واجب، والقتل حتمي، طالما أنها عاجزة عن تحقيق أهدافها المعلنة في أوكرانيا، فالطريق إلى السلام قصير جدًا، إذا سارت كييف بشروط موسكو.

هذه العقلية الروسيّة لا تعير أيّ اهتمام للقانون الدولي وللسيادة الوطنية وللمصالح الإقليمية وللسلم الدولي ولموازين القوى، فهي إمّا تنتصر وإمّا تفني العالم، من خلال رفع مستوى التهديد باللجوء إلى احتياطاتها الخطرة من الرؤوس النووية.

وثمّة دول مستفيدة من هذا الانحراف الروسي، فالصين التي تنافس الولايات المتحدة الأميركية على زعامة العالم، تجد في القيادة الروسيّة ضالتها، إذ إنّ هوسها بالانتصار المستحيل سوف يوهن موسكو ويلحقها ببكين، وسوف يضعف الاتحاد الأوروبي ويبعده عن دائرة التأثير في صناعة موازين القوى الاستراتيجية في المستقبل.

ولكنّ دون هذا الهوس الروسي من جهة أولى وهذا الهدف الصيني، من جهة ثانية، يقف وعي غربي جماعي، إذ اكتشفت دوله أنّ تعاضدها ووقوفها في صف واحد مع الولايات المتحدة الأميركية، وحده كفيل بتوفير مستقبل سيادي لها ولشعوبها.

قبل الغزو الروسي لأوكرانيا، كان الغرب شبه مفتّت ووحدته شبه متفسّخة، إذ كانت المصالح الاقتصاديّة تتقدّم على كل المخاوف الاستراتيجية.

بعد الغزو الروسي، وفي ظل القراءة العميقة للأداء الروسي، اختلفت الأحوال، إذ إنّ الوقاية من مخاطر المستقبل تمرّ بتوفير الشروط اللازمة للحيلولة دون استسلام أوكرانيا، بصفتها بوابة أوروبا،  أمام "الدب الروسي" الذي سوف يسلّم نفسه والآخرين لمشيئة "التنّين الصيني".

ومن روسيا ننتقل مباشرة إلى لبنان، حيث منطق "حزب الله" لا يختلف بشيء عن منطق "حزب الكرملين".

يريد "حزب الله" المرتبط ارتباطًا وثيقًا بالأجندة الإيرانية أن يُبقي لبنان "عمقًا استراتيجيًا للجمهورية الإسلامية في إيران"، وفق "تكليف" صادر عن المرشد الاعلى علي خامنئي، وذلك خلافًا لإرادة سائر القوى السياسية التي تريد أن يعود لبنان عنصرًا فاعلًا في محيطه العربي وفي بعده الدولي.

ولهذا يسعى "حزب الله" إلى أن يفرض رئيس الجمهورية الذي يناسب مخططه، وهو من أجل تحقيق ذلك يترك البلاد لقمة سائغة في فمّ الفراغ المنتتج للفوضى وللفقر وللجوع.

وكالعادة  لا  يتحمّل "حزب الله" تبعة ما يقدم عليه، بل يلقيه على عاتق من يتصدّى لمخططاته، وهو، من أجل إعطاء صدقية لمقولات "الهروب إلى الأمام"، يقحم الولايات المتحدة الأميركية ويهددها بفوضى تشمل كل المنطقة.

ولسان "حزب الله" يقول: هاتوا الرئيس الذي نريد  ويحقق لنا ما نرغب به فنعفيكم من الفوضى والكوارث!

وترفض غالبية اللبنانيين الرئيس الذي يصرّ عليه "حزب الله"، وتطرح عليه حلولًا وسطًا، لكنّ الحزب يرفض ذلك، على قاعدة: استسلموا تسلموا!

صحيح أنّ القوى التي ترفض الرضوخ لـ"حزب الله" ليست أوكرانيا والقوى الخارجية المؤيّدة لها لا تفتح أمامها مخازن السلاح وخزائن المال، ولكنّ الصحيح أيضًا أنّ من بيدهم القدرة على انتشال لبنان من جحيمه يقولون للبنانيّين: إذا استسلمتم لإرادة "حزب الله" لا تهرعوا علينا، فنحن لن نساعد دولة تضع إمكاناتها في مساعدة أعدائنا.

وكما تعرض روسيا الاستسلام لتوقف حربها في أوكرانيا كذلك يعرض "حزب الله" الاستسلام على سائر اللبنانّيين حتى لا يوقعهم أكثر في الفوضى والجوع.

المشكلة مع هذا المحور الذي يعاني منه السوريون واليمنيون والعراقيون والإيرانيون أنّه يعرض عليك الحياة لينتزع منك…الحياة!