المتطرفون قد يفسرون عدم فور محمد صلاح بجائزة بأنه تحيز من الغرب
المتطرفون قد يفسرون عدم فور محمد صلاح بجائزة بأنه تحيز من الغرب

عانت البشرية من التطرف الفكري والتطرف الديني في مراحل مختلفة من التاريخ البشري. وربما لم تنجوا الكثير من الحضارات من مراحل تطرف وصلت إلى حد القتل والدموية. ولقد عاصرنا في العقود السابقة والأخيرة تطرفاً دينياً دمر دولاً وأنهى حضاراتها وبث الذعر في نفوس البشر وأعاد للإنسانية صراعات على أساس ديني قد تأتي على الأخضر واليابس. فلقد رأينا داعش وهي تقمع من يخالفها وتقتلهم بلا رحمة وتعيد أسواق النخاسة والعبيد للعالم مرة أخرى بعدد أن تحرر العالم من الرق. ورأينا الجماعات التكفيرية المسلحة تفجر الآمنين وتقتلهم بسعادة بالغة! 

والعجيب في أمر التطرف أن المتطرفين أياً كان فكرهم أو عقيدتهم الدينية لهم سمات وصفات مشتركة بينهم. 

وسأتطرق في هذه المقالة لبعض طرق التفكير المشتركة التي ينتهجها المتطرفون بجميع أنواعهم. 

النقطة الأولى: 

يفكر العديد من المتطرفين بطريقة "التعميم" فمثلاً يكون من السهل عليهم نعت من يتبع دين أو فكر معين بأنهم فاسدون لمجرد أن واحداً من أتباع هذا الفكر ارتكب خططاً أو جريمة ما.   

النقطة الثانية: 

 يتلاقى المتطرفون عامة في الفهم الحرفي لما يقرأون أو يسمعون. فمثلاً إذا قال لهم قائدهم أو زعيمهم الفكري أو الديني أن شرب الماء "حلال" فهم – أي المتطرفون - قد يفعلون ذلك أي يشربون ماءً حتى لو كان بجانبهم إنسان يموت عطشاً وتركوه يموت بجانبهم. فتفكير المتطرف "الحرفي" يخلق نوع من القسوة في القلوب وقد يتسبب في قتل إنسان أو في عذابه لأن المتطرف يطبق ما تعلم بحرفية مطلقة تجعله أعمى عن أمور أخرى قد تكون أكثر أهمية مثل إنقاذ حياة إنسان. 

النقطة الثالثة: 

عدم القدرة على نقد ما يتعلمه. فالإتباع الأعمى دون تفكير سمة عامة للمتطرفين فهم يتبعون ما يتم أمرهم به دون أي محاولة لمناقشته وكأنهم ألغوا عقولهم تماماً وسلموها كما نقول في اللغة الدارجة المصرية "تسليم أهالي" لمن يعطيهم هذه الأوامر. فلو فكر مثلاً إرهابي واحد أن تفجير قنبلة وسط سوق وقتل أطفال أبرياء قد يودي به إلى جهنم لأنه "قتل نفساً بغير نفس أو فساداً في الأرض" لتردد في تنفيذ فعلته البشعة ولأنقذ حياة الكثيرين. فإلغاء ملكة الفكر النقدي والعقل عند المتطرفين يجعلهم فريسة سهلة لفكر منحرف لا يعبأ بحياة البشر. 

النقطة الرابعة: 

حينما يقرأ المتطرف أو يسمع من الآخرين فإن عقله لا يرى ولا يسمع ولا يدرك إلا الحقائق التي تخدم قضيته وفكره وهي رفض الآخر وإيجاد سبب لكراهيته ولتبرير العنف ضده. فعلى سبيل المثال لا الحصر فإن المتطرف قد يرى أن عدم إعطاء الكرة الذهبية من مجلة "فرانس فوتبول" المعروفة للاعب المصري محمد صلاح هي تعصب من الغرب ضد الإسلام والمسلمين. وفي نفس الوقت ينسى هذا الشخص - أي المتطرف - أن الغرب هو أيضاً من أعطى الفرصة كاملة لمحمد صلاح ليصل إلى أعلى المراتب العالمية في كرة القدم دون تفرقة ضده بسبب دينه أو عرقه. 

النقطة الخامسة: 

عدم القدرة على أن يرى نفسه في المرآة بمعنى أن المتطرف قد يثور إذا منعت دولة أوروبية مثلاً إقامة الآذان في الميكروفونات أو تم عمل تقييد على بناء مساجد إسلامية في دولة ما وفي نفس الوقت يرفض نفس المتطرف بناء كنائس أو معابد يهودية أو بهائية أو هندوسية في بلده! فيالها من شيزوفرينيا وياله من نفاق وكيل بمكيالين أن يثور هذا المتطرف ضد الآخرين إذا فعلوا مثلما هو يفعل بغيره من المختلفين عنه! 

ولا أسرد هذه النقاط دون أن أرها في سياق تطبيق عملي لوضع مناهج تعليمية متطورة لعلاج ومواجهة هذه الجذور الفكرية التي تساعد على نشر الكراهية والتطرف ومن ثم الإرهاب. 

وللحديث بقية! 

يريد "حزب الله" المرتبط ارتباطًا وثيقًا بالأجندة الإيرانية أن يُبقي لبنان "عمقًا استراتيجيًا للجمهورية الإسلامية في إيران"
يريد "حزب الله" المرتبط ارتباطًا وثيقًا بالأجندة الإيرانية أن يُبقي لبنان "عمقًا استراتيجيًا للجمهورية الإسلامية في إيران"

كأنّ هناك عقلًا واحدًا يتحكّم بصانعي الفوضى في العالم، اذ إنّ هؤلاء لا يجدون سوى وصفة واحدة لإحلال السلام: الاستسلام لهم!

ومن يدقق بالعبارات التي يستعملها صانعو الفوضى في العالم، يتفاجأ بأدبيّات موحّدة، فالقيادة الروسية بزعامة فلاديمير بوتين تحمّل الغرب مسؤوليّة دخول حربها على أوكرانيا عامها الثاني، لأنّ هذا الغرب يزوّد أوكرانيا بمقوّمات الصمود العسكري والإنساني، مما يحول دون استسلامها.

بالنسبة للقيادة الروسيّة: السلام مستحيل، والتصعيد ضرورة، والدمار واجب، والقتل حتمي، طالما أنها عاجزة عن تحقيق أهدافها المعلنة في أوكرانيا، فالطريق إلى السلام قصير جدًا، إذا سارت كييف بشروط موسكو.

هذه العقلية الروسيّة لا تعير أيّ اهتمام للقانون الدولي وللسيادة الوطنية وللمصالح الإقليمية وللسلم الدولي ولموازين القوى، فهي إمّا تنتصر وإمّا تفني العالم، من خلال رفع مستوى التهديد باللجوء إلى احتياطاتها الخطرة من الرؤوس النووية.

وثمّة دول مستفيدة من هذا الانحراف الروسي، فالصين التي تنافس الولايات المتحدة الأميركية على زعامة العالم، تجد في القيادة الروسيّة ضالتها، إذ إنّ هوسها بالانتصار المستحيل سوف يوهن موسكو ويلحقها ببكين، وسوف يضعف الاتحاد الأوروبي ويبعده عن دائرة التأثير في صناعة موازين القوى الاستراتيجية في المستقبل.

ولكنّ دون هذا الهوس الروسي من جهة أولى وهذا الهدف الصيني، من جهة ثانية، يقف وعي غربي جماعي، إذ اكتشفت دوله أنّ تعاضدها ووقوفها في صف واحد مع الولايات المتحدة الأميركية، وحده كفيل بتوفير مستقبل سيادي لها ولشعوبها.

قبل الغزو الروسي لأوكرانيا، كان الغرب شبه مفتّت ووحدته شبه متفسّخة، إذ كانت المصالح الاقتصاديّة تتقدّم على كل المخاوف الاستراتيجية.

بعد الغزو الروسي، وفي ظل القراءة العميقة للأداء الروسي، اختلفت الأحوال، إذ إنّ الوقاية من مخاطر المستقبل تمرّ بتوفير الشروط اللازمة للحيلولة دون استسلام أوكرانيا، بصفتها بوابة أوروبا،  أمام "الدب الروسي" الذي سوف يسلّم نفسه والآخرين لمشيئة "التنّين الصيني".

ومن روسيا ننتقل مباشرة إلى لبنان، حيث منطق "حزب الله" لا يختلف بشيء عن منطق "حزب الكرملين".

يريد "حزب الله" المرتبط ارتباطًا وثيقًا بالأجندة الإيرانية أن يُبقي لبنان "عمقًا استراتيجيًا للجمهورية الإسلامية في إيران"، وفق "تكليف" صادر عن المرشد الاعلى علي خامنئي، وذلك خلافًا لإرادة سائر القوى السياسية التي تريد أن يعود لبنان عنصرًا فاعلًا في محيطه العربي وفي بعده الدولي.

ولهذا يسعى "حزب الله" إلى أن يفرض رئيس الجمهورية الذي يناسب مخططه، وهو من أجل تحقيق ذلك يترك البلاد لقمة سائغة في فمّ الفراغ المنتتج للفوضى وللفقر وللجوع.

وكالعادة  لا  يتحمّل "حزب الله" تبعة ما يقدم عليه، بل يلقيه على عاتق من يتصدّى لمخططاته، وهو، من أجل إعطاء صدقية لمقولات "الهروب إلى الأمام"، يقحم الولايات المتحدة الأميركية ويهددها بفوضى تشمل كل المنطقة.

ولسان "حزب الله" يقول: هاتوا الرئيس الذي نريد  ويحقق لنا ما نرغب به فنعفيكم من الفوضى والكوارث!

وترفض غالبية اللبنانيين الرئيس الذي يصرّ عليه "حزب الله"، وتطرح عليه حلولًا وسطًا، لكنّ الحزب يرفض ذلك، على قاعدة: استسلموا تسلموا!

صحيح أنّ القوى التي ترفض الرضوخ لـ"حزب الله" ليست أوكرانيا والقوى الخارجية المؤيّدة لها لا تفتح أمامها مخازن السلاح وخزائن المال، ولكنّ الصحيح أيضًا أنّ من بيدهم القدرة على انتشال لبنان من جحيمه يقولون للبنانيّين: إذا استسلمتم لإرادة "حزب الله" لا تهرعوا علينا، فنحن لن نساعد دولة تضع إمكاناتها في مساعدة أعدائنا.

وكما تعرض روسيا الاستسلام لتوقف حربها في أوكرانيا كذلك يعرض "حزب الله" الاستسلام على سائر اللبنانّيين حتى لا يوقعهم أكثر في الفوضى والجوع.

المشكلة مع هذا المحور الذي يعاني منه السوريون واليمنيون والعراقيون والإيرانيون أنّه يعرض عليك الحياة لينتزع منك…الحياة!