اللاعب المصري محمد أبو تريكة
المشكلة هنا ليست في الموقف من المثلية نفسها كهوية جنسية، ولكن في التعامل مع المثليين.

بعد شعار "إلا رسول الله" جاءنا شعار "كلنا أبو تريكة"، في إشارة إلى لاعب كرة القدم المصري السابق الذي تهجم على المثلية والمثليين ولا تزال أصداء هجومه تتفاعل حتى اليوم. 

ورغم أن هذا الشعار لن يلبث أن يخفت مع مرور الوقت مثلما حدث مع الشعار الأول، لكنه أظهر لنا من جديد كيف يتفاعل العديد من المسلمين مع الاتجاهات الثقافية والاجتماعية الجديدة في العالم، وكيف يديرون النقاشات بشأن قضايا أقل ما توصف بأنها معاصرة ومثيرة للجدل في الوقت نفسه.

ولا ريب في أن الكثيرين في المجتمعات العربية الإسلامية يرفضون المثلية (غالبا لأسباب دينية واجتماعية)، وحتى في المجتمعات الغربية يوجد أناس أيضا لا تعجبهم المثلية الجنسية، والمتدينون منهم بالذات لا يزالون يقاومون بضراوة الاعتراف الرسمي بزواج المثليين والمثليات. لكن الملفت هو أن غالبية المعارضين في المجتمعات الغربية، وعلى عكس نظرائهم في المجتمعات العربية والإسلامية، يحترمون حقوق المثليين كأفراد، بما في ذلك حقهم في التعبير عن هويتهم الجنسية وعدم التمييز ضدهم. وفي الإجمال من النادر، إن لم يكن من المستحيل أن تجد محطة تلفزيونية غربية تبث تصريحات لأحد المصابين برهاب المثلية، كما فعلت قناة "بي إن سبورتس" القطرية مع أبو تريكة. ولو حدث ذلك فسوف تقوم المحطة بالاعتذار على الفور وربما اتخذت إجراءات أخرى بحق القائمين على البرنامج.

المشكلة هنا ليست في الموقف من المثلية نفسها كهوية جنسية، ولكن في التعامل مع المثليين. وعلى سبيل المثال: هل يمكن أن يبرر موقفنا السلبي من المثلية حرمان المثليين من حقوقهم كبشر أو التمييز ضدهم في المجتمع أو في أماكن العمل؟

هل موقفنا غير المحبذ للمثلية يعطينا الحق بأن نحكم على الآخرين ونقرر لهم طريقة حياتهم، أو نفرض عليهم رؤيتنا وفهمنا للأشياء؟   

للأسف فإن الكثير ممن يتصدون لهذه القضية ولغيرها من القضايا المشابهة لا ينتبهون إلى الفارق الجوهري والمهم بين الإنسان وبين الأشكال المختلفة التي يتخذها للتعبير عن نفسه. فالإنسان لا يساوي هذه الأشكال من التعبيرات. 

بعض النشطاء السياسيين الكارهين للمثلية يتساءلون لماذا كل هذا الانزعاج في الغرب من التمييز ضد المثليين، ولماذا كل هذا العطف على المثليين وقضاياهم، الأمر الذي ربما لا نجده في قضايا أخرى؟

والإجابة هي أن السبب لا يكمن في عدد المثليين في الغرب أو مدى تأثيرهم على هذه المجتمعات أو في اللوبيات التي تعمل لتحقيق مصالحهم، ولكن في طبيعة القضية التي يمثلونها.

فالمثليين والمثليات تعرضوا ولا يزالون إلى حملات اضطهاد كبيرة في بعض المجتمعات، ولم يكن ذلك بسبب آرائهم أو أفعالهم وإنما بسبب طبيعتهم التي لا دخل لهم فيها. تماما مثل السود الذين تعرضوا للاستعباد والتمييز العنصري فقط بسبب لون بشرتهم وليس شيئا آخر.

هذا النوع من التمييز والاضطهاد، وبخلاف النزاعات السياسية أو الحروب التي تنشأ بسبب الأرض والدين وما شابه، تضرب في صميم الضمير الإنساني. إنها تجعل البشر يتعاطفون تلقائيا مع الأضعف بينهم. 

في السابق لم يكن الإنسان يعرف أن المثلية لها أسباب بيولوجية أو جينية. كان يعتقد أنها نوع من الأمراض أو نتيجة رغبة ذاتية يتخذها المثلي أو المثلية. وكان يجري التعامل معها انطلاقا من الفهم الديني، وهو فهم بدائي على أية حال، وغالبا كنوع من المعصية التي تستوجب العقوبة الإلهية! أو انطلاقا من بعض الأيديولوجيات القومية التي تعلي من شأن الذكورية!َ

لكن مع اتضاح الصورة وقول العلم والطب كلمته في شأن المثلية، تغيرت المفاهيم وبدأ المزيد من الناس يبدون تفهما لقضية المثلية وتعاطفا مع المثليين. بل أن العديد من دول العالم قامت بسن تشريعات وقوانين لحمايتهم وادخلت الهوية الجنسية من ضمن الهويات أو الخصائص التي لا يجوز التمييز بسببها كما هو الحال مع الجندر والعمر واللون والدين ... الخ.    

وحتى في أوساط بعض المتدينين المسيحيين أصبحت المعارضة تنصب أكثر على مسألة زواج المثليين وليس على المثليين أنفسهم، بينما ذهبت الكاثوليكية منحى أبعد حيث دافع البابا فرانسيس عن حق الأشخاص المثليين في تكوين أسرة. وجاء في تصريحات له وردت في فيلم وثائقي عن حياته (نشرت البي بي سي تقريرا عنه في 21 أكتوبر 2020) "إنهم أبناء الرب ولهم حق تكوين أسرة. لا ينبغي طرد أحد أو تحويله إلى بائس بسبب ذلك". ودعا إلى "صياغة قانون شراكة مدنية" يمنحهم الغطاء القانوني.

هذا يعني أن المسيحية قد تطورت في نظرتها للمثلية والمثليين. السؤال هو متى سيتطور الإسلام والمسلمون ومتى نسمع من رجال الدين المسلمين ولا سيما شيوخ الأزهر ورجال الحوزة الشيعية شيئا مماثلا لما قاله بابا الفاتيكان؟ متى نرى تقبلا واعترافا بالمثليين في المجتمعات المسلمة؟ 

ليس لدي شك بأن ذلك سوف يحدث في وقت ليس ببعيد، فالواضح أن العالم يسير في هذا الاتجاه، وأنه سيغدو من الصعب أكثر فأكثر أن تحافظ الحكومات العربية والإسلامية على موقفها السلبي من هذه القضية. وسيكون وضعها محرجا حين يتعين عليها أن تتعامل مع رؤساء دول ورؤساء حكومات أجنبية من المثليين في السنوات القليلة القادمة.

يريد "حزب الله" المرتبط ارتباطًا وثيقًا بالأجندة الإيرانية أن يُبقي لبنان "عمقًا استراتيجيًا للجمهورية الإسلامية في إيران"
يريد "حزب الله" المرتبط ارتباطًا وثيقًا بالأجندة الإيرانية أن يُبقي لبنان "عمقًا استراتيجيًا للجمهورية الإسلامية في إيران"

كأنّ هناك عقلًا واحدًا يتحكّم بصانعي الفوضى في العالم، اذ إنّ هؤلاء لا يجدون سوى وصفة واحدة لإحلال السلام: الاستسلام لهم!

ومن يدقق بالعبارات التي يستعملها صانعو الفوضى في العالم، يتفاجأ بأدبيّات موحّدة، فالقيادة الروسية بزعامة فلاديمير بوتين تحمّل الغرب مسؤوليّة دخول حربها على أوكرانيا عامها الثاني، لأنّ هذا الغرب يزوّد أوكرانيا بمقوّمات الصمود العسكري والإنساني، مما يحول دون استسلامها.

بالنسبة للقيادة الروسيّة: السلام مستحيل، والتصعيد ضرورة، والدمار واجب، والقتل حتمي، طالما أنها عاجزة عن تحقيق أهدافها المعلنة في أوكرانيا، فالطريق إلى السلام قصير جدًا، إذا سارت كييف بشروط موسكو.

هذه العقلية الروسيّة لا تعير أيّ اهتمام للقانون الدولي وللسيادة الوطنية وللمصالح الإقليمية وللسلم الدولي ولموازين القوى، فهي إمّا تنتصر وإمّا تفني العالم، من خلال رفع مستوى التهديد باللجوء إلى احتياطاتها الخطرة من الرؤوس النووية.

وثمّة دول مستفيدة من هذا الانحراف الروسي، فالصين التي تنافس الولايات المتحدة الأميركية على زعامة العالم، تجد في القيادة الروسيّة ضالتها، إذ إنّ هوسها بالانتصار المستحيل سوف يوهن موسكو ويلحقها ببكين، وسوف يضعف الاتحاد الأوروبي ويبعده عن دائرة التأثير في صناعة موازين القوى الاستراتيجية في المستقبل.

ولكنّ دون هذا الهوس الروسي من جهة أولى وهذا الهدف الصيني، من جهة ثانية، يقف وعي غربي جماعي، إذ اكتشفت دوله أنّ تعاضدها ووقوفها في صف واحد مع الولايات المتحدة الأميركية، وحده كفيل بتوفير مستقبل سيادي لها ولشعوبها.

قبل الغزو الروسي لأوكرانيا، كان الغرب شبه مفتّت ووحدته شبه متفسّخة، إذ كانت المصالح الاقتصاديّة تتقدّم على كل المخاوف الاستراتيجية.

بعد الغزو الروسي، وفي ظل القراءة العميقة للأداء الروسي، اختلفت الأحوال، إذ إنّ الوقاية من مخاطر المستقبل تمرّ بتوفير الشروط اللازمة للحيلولة دون استسلام أوكرانيا، بصفتها بوابة أوروبا،  أمام "الدب الروسي" الذي سوف يسلّم نفسه والآخرين لمشيئة "التنّين الصيني".

ومن روسيا ننتقل مباشرة إلى لبنان، حيث منطق "حزب الله" لا يختلف بشيء عن منطق "حزب الكرملين".

يريد "حزب الله" المرتبط ارتباطًا وثيقًا بالأجندة الإيرانية أن يُبقي لبنان "عمقًا استراتيجيًا للجمهورية الإسلامية في إيران"، وفق "تكليف" صادر عن المرشد الاعلى علي خامنئي، وذلك خلافًا لإرادة سائر القوى السياسية التي تريد أن يعود لبنان عنصرًا فاعلًا في محيطه العربي وفي بعده الدولي.

ولهذا يسعى "حزب الله" إلى أن يفرض رئيس الجمهورية الذي يناسب مخططه، وهو من أجل تحقيق ذلك يترك البلاد لقمة سائغة في فمّ الفراغ المنتتج للفوضى وللفقر وللجوع.

وكالعادة  لا  يتحمّل "حزب الله" تبعة ما يقدم عليه، بل يلقيه على عاتق من يتصدّى لمخططاته، وهو، من أجل إعطاء صدقية لمقولات "الهروب إلى الأمام"، يقحم الولايات المتحدة الأميركية ويهددها بفوضى تشمل كل المنطقة.

ولسان "حزب الله" يقول: هاتوا الرئيس الذي نريد  ويحقق لنا ما نرغب به فنعفيكم من الفوضى والكوارث!

وترفض غالبية اللبنانيين الرئيس الذي يصرّ عليه "حزب الله"، وتطرح عليه حلولًا وسطًا، لكنّ الحزب يرفض ذلك، على قاعدة: استسلموا تسلموا!

صحيح أنّ القوى التي ترفض الرضوخ لـ"حزب الله" ليست أوكرانيا والقوى الخارجية المؤيّدة لها لا تفتح أمامها مخازن السلاح وخزائن المال، ولكنّ الصحيح أيضًا أنّ من بيدهم القدرة على انتشال لبنان من جحيمه يقولون للبنانيّين: إذا استسلمتم لإرادة "حزب الله" لا تهرعوا علينا، فنحن لن نساعد دولة تضع إمكاناتها في مساعدة أعدائنا.

وكما تعرض روسيا الاستسلام لتوقف حربها في أوكرانيا كذلك يعرض "حزب الله" الاستسلام على سائر اللبنانّيين حتى لا يوقعهم أكثر في الفوضى والجوع.

المشكلة مع هذا المحور الذي يعاني منه السوريون واليمنيون والعراقيون والإيرانيون أنّه يعرض عليك الحياة لينتزع منك…الحياة!