تعزيزات عسكرية روسية تثير قلق الغرب على الحدود مع أوكرانيا
"في القمة الافتراضية التي جرت بين الرئيسين الأميركي جو بايدن، والروسي فلاديمير بوتين، الثلاثاء الفائت، لم تحصل كييف على ضمانات حقيقية من الطرفين"

تدفع أوكرانيا ثمن موقعها الجغرافي، الذي يفرض شروطه على خيارات كييف الجيوسياسية والاستراتيجية. فالجغرافيا السياسية في الحالة الأوكرانية ذريعة لعبور الفاتحين أو الطامحين القدامى والجدد ذهابا وإيابا بين غرب القارة وشرقها، لذلك لا تحسد كييف على موقعها ولا على جيرانها خصوصا من تخاصمهم  ويعادونها.

فالحدود المحاذية للإمبراطورية الروسية كانت قيصرية أو سوفياتية أو بوتينية، لا يمكن ان تستقر إلا إذا خضعت كييف لهذا الثقل التاريخي. والمعضلة ان البوتينية الصاعدة لا ترى أوكرانيا إلا من خلال هذا الثقل منذ نشأت إمارة (كييافسكيا - روس) سنة 882.

بالنسبة لموسكو، فإن المقاربة الأوروبية والأميركية بشأن أوكرانيا مرفوضة، فحتى وإن ساومت على بعض القضايا أو حتى استجابت لبعض الضغوط فإنها تبقى مؤقتة، وذلك بحكم الجغرافيا والتاريخ والعقيدة، لذلك يصعب عليها الاستجابة لكافة الخيارات الغربية المطروحة. فأوكرانيا خارج الناتو لكن صديقة أو حليفة له، ستبقى مصدر قلق للقاطنين خلف أسوار الكرملين مهما كان التوازن العسكري لصالحهم.

فهؤلاء المسكونون بهواجس إمبراطورية تاريخية، وعقدة الخوف الدائم من الحدود الغربية، غير مستعدين لتقبل أي حل لا يعيد عاصمتهم الأم التي يسمونها في أدبياتهم (أم المدن الروسية) إلى بيت الطاعة.

في شروط الجغرافيا الصعبة، فإن أوكرانيا لا يمكن أن تكون النمسا الثانية. ففي عام 1955 نجحت فيينا في انتزاع سيادتها وحيادها وخرجت من معضلة الإنحياز إلى أحد المعسكرين (الغربي أو الشرقي)، وساعدها على ذلك موقعها الجغرافي البعيد عن الحدود الروسية، وهذا بالعكس تماما للجغرافيا الأوكرانية التي تدفع موسكو لرفض حتى فكرة حيادها.  

في القمة الافتراضية التي جرت بين الرئيسين الأميركي جو بايدن، والروسي فلاديمير بوتين، الثلاثاء الفائت، لم تحصل كييف على ضمانات حقيقية من الطرفين. فواشنطن حددت مستوى الدفاع عنها بالعقوبات الاقتصادية، فيما موسكو لم تعط أية ضمانات بعدم اجتياح أراضيها، فيما كان الجانبان الروسي والأميركي يعيدان طرح اتفاقية مينسك للحل كأرضية للتسوية وهي التي تفرض على كييف اتخاذ مجموعة من الإجراءات تؤكد فيها على صداقتها العميقة لموسكو حتى تتقبل الأخيرة نوعا من الحياد في نموذج يشبه النمسا سابقا وكازاخستان حاليا.

في قمة يوم الثلاثاء الفائت بين بايدن وبوتين، كان الإخفاق واضحا، ولم تتجاوز التفاهمات بينهما مستوى الاتفاق حول تصورهما لمسألة الضمانات الأمنية التي تطالب بها موسكو، لكن لا يمكن وضع ما تطالب به موسكو من ضمانات إلا في إطار المراوغة الإستراتيجية التي تعتمد على غموض المواقف، حيث باتت الأطراف عالقة أمام معضلة رئيسية، اذ لا يمكن للناتو التراجع عن تحالفه مع أوكرانيا، وهذا بالنسبة لموسكو سيأخذ كييف على المديين المتوسط والبعيد إلى الانضمام إلى التحالف، الأمر الذي  يمثل لموسكو استحالة استراتيجية.

لم تخرج القمة بين الرئيسين بحلول؛ لم تقدم واشنطن اعترافا لموسكو بمشروعية عودة هيمنتها ولو الجزئية على الفضاء السوفياتي. وبالرغم من حدود التدخل الأميركي واستبعاد خوضها لمواجهة عسكرية، فواشنطن غير معنية بارضاء غرور الرئيس الروسي ولا بتلبية طموحاته، فالكرملين لمس تقبلا أميركيا لاتفاقية مينسك، لكنه متأكد بأنها لن تتحول إلى يالطا جديدة مصغرة، فعلى ضفتي الأطلسي تواجه موسكو رفضا قاطعا لمشاريع نفوذها.

حتى الآن اكتفت واشنطن بالتلويح بعقوبات اقتصادية قاسية ومدمرة ضد موسكو، وبتقديم مساعدات عسكرية ثقيلة في حال غامرت الأخيرة وذهبت إلى الخيار العسكري. لكن يبقى السؤال كيف ستتعامل موسكو مع هذه التحذيرات، وهي على يقين بأن أميركا لن تدخل في مواجهة عسكرية مباشرة معها، وبأن الأوروبيين يتجنبون أي حرب داخل قارتهم، لذلك تبقى الإجابة غامضة خلف أسوار الكرملين.

يريد "حزب الله" المرتبط ارتباطًا وثيقًا بالأجندة الإيرانية أن يُبقي لبنان "عمقًا استراتيجيًا للجمهورية الإسلامية في إيران"
يريد "حزب الله" المرتبط ارتباطًا وثيقًا بالأجندة الإيرانية أن يُبقي لبنان "عمقًا استراتيجيًا للجمهورية الإسلامية في إيران"

كأنّ هناك عقلًا واحدًا يتحكّم بصانعي الفوضى في العالم، اذ إنّ هؤلاء لا يجدون سوى وصفة واحدة لإحلال السلام: الاستسلام لهم!

ومن يدقق بالعبارات التي يستعملها صانعو الفوضى في العالم، يتفاجأ بأدبيّات موحّدة، فالقيادة الروسية بزعامة فلاديمير بوتين تحمّل الغرب مسؤوليّة دخول حربها على أوكرانيا عامها الثاني، لأنّ هذا الغرب يزوّد أوكرانيا بمقوّمات الصمود العسكري والإنساني، مما يحول دون استسلامها.

بالنسبة للقيادة الروسيّة: السلام مستحيل، والتصعيد ضرورة، والدمار واجب، والقتل حتمي، طالما أنها عاجزة عن تحقيق أهدافها المعلنة في أوكرانيا، فالطريق إلى السلام قصير جدًا، إذا سارت كييف بشروط موسكو.

هذه العقلية الروسيّة لا تعير أيّ اهتمام للقانون الدولي وللسيادة الوطنية وللمصالح الإقليمية وللسلم الدولي ولموازين القوى، فهي إمّا تنتصر وإمّا تفني العالم، من خلال رفع مستوى التهديد باللجوء إلى احتياطاتها الخطرة من الرؤوس النووية.

وثمّة دول مستفيدة من هذا الانحراف الروسي، فالصين التي تنافس الولايات المتحدة الأميركية على زعامة العالم، تجد في القيادة الروسيّة ضالتها، إذ إنّ هوسها بالانتصار المستحيل سوف يوهن موسكو ويلحقها ببكين، وسوف يضعف الاتحاد الأوروبي ويبعده عن دائرة التأثير في صناعة موازين القوى الاستراتيجية في المستقبل.

ولكنّ دون هذا الهوس الروسي من جهة أولى وهذا الهدف الصيني، من جهة ثانية، يقف وعي غربي جماعي، إذ اكتشفت دوله أنّ تعاضدها ووقوفها في صف واحد مع الولايات المتحدة الأميركية، وحده كفيل بتوفير مستقبل سيادي لها ولشعوبها.

قبل الغزو الروسي لأوكرانيا، كان الغرب شبه مفتّت ووحدته شبه متفسّخة، إذ كانت المصالح الاقتصاديّة تتقدّم على كل المخاوف الاستراتيجية.

بعد الغزو الروسي، وفي ظل القراءة العميقة للأداء الروسي، اختلفت الأحوال، إذ إنّ الوقاية من مخاطر المستقبل تمرّ بتوفير الشروط اللازمة للحيلولة دون استسلام أوكرانيا، بصفتها بوابة أوروبا،  أمام "الدب الروسي" الذي سوف يسلّم نفسه والآخرين لمشيئة "التنّين الصيني".

ومن روسيا ننتقل مباشرة إلى لبنان، حيث منطق "حزب الله" لا يختلف بشيء عن منطق "حزب الكرملين".

يريد "حزب الله" المرتبط ارتباطًا وثيقًا بالأجندة الإيرانية أن يُبقي لبنان "عمقًا استراتيجيًا للجمهورية الإسلامية في إيران"، وفق "تكليف" صادر عن المرشد الاعلى علي خامنئي، وذلك خلافًا لإرادة سائر القوى السياسية التي تريد أن يعود لبنان عنصرًا فاعلًا في محيطه العربي وفي بعده الدولي.

ولهذا يسعى "حزب الله" إلى أن يفرض رئيس الجمهورية الذي يناسب مخططه، وهو من أجل تحقيق ذلك يترك البلاد لقمة سائغة في فمّ الفراغ المنتتج للفوضى وللفقر وللجوع.

وكالعادة  لا  يتحمّل "حزب الله" تبعة ما يقدم عليه، بل يلقيه على عاتق من يتصدّى لمخططاته، وهو، من أجل إعطاء صدقية لمقولات "الهروب إلى الأمام"، يقحم الولايات المتحدة الأميركية ويهددها بفوضى تشمل كل المنطقة.

ولسان "حزب الله" يقول: هاتوا الرئيس الذي نريد  ويحقق لنا ما نرغب به فنعفيكم من الفوضى والكوارث!

وترفض غالبية اللبنانيين الرئيس الذي يصرّ عليه "حزب الله"، وتطرح عليه حلولًا وسطًا، لكنّ الحزب يرفض ذلك، على قاعدة: استسلموا تسلموا!

صحيح أنّ القوى التي ترفض الرضوخ لـ"حزب الله" ليست أوكرانيا والقوى الخارجية المؤيّدة لها لا تفتح أمامها مخازن السلاح وخزائن المال، ولكنّ الصحيح أيضًا أنّ من بيدهم القدرة على انتشال لبنان من جحيمه يقولون للبنانيّين: إذا استسلمتم لإرادة "حزب الله" لا تهرعوا علينا، فنحن لن نساعد دولة تضع إمكاناتها في مساعدة أعدائنا.

وكما تعرض روسيا الاستسلام لتوقف حربها في أوكرانيا كذلك يعرض "حزب الله" الاستسلام على سائر اللبنانّيين حتى لا يوقعهم أكثر في الفوضى والجوع.

المشكلة مع هذا المحور الذي يعاني منه السوريون واليمنيون والعراقيون والإيرانيون أنّه يعرض عليك الحياة لينتزع منك…الحياة!