اتهم الرجل أن ما فعله ليس أكثر من حركة استعراضية تعزز نجوميته لدى الجمهور
اتهم الرجل أن ما فعله ليس أكثر من حركة استعراضية تعزز نجوميته لدى الجمهور

في يوم من الأيام عيّر القوم الفيلسوف طاليس الملطي بفقره لأن الفلسفة لا تدر أي ربح، وهو أيضاً عالم فلك ورياضي وأحد الحكماء السبعة في اليونان. فقرر أن يستعمل علمه وتنبأ على أساس المعطيات الفلكية بموسم زيتون وفير وتعاقد بأجور رخيصة مع جميع أصحاب المعاصر.

وحين ثبتت توقعاته ولم يكن هناك من ينافسه، صار يؤجر المعاصر بالسعر الذي يرغب به، وحقق ثروة طائلة. فقال أرسطو حكمته عنه: "ليس من العسير على الفلاسفة تحقيق الثراء، إلا أن هذا الأمر لا يدخل في مجال اهتماماتهم".

كان ذلك في زمن الفلاسفة، أما في زمننا المعاصر حيث تتمحور الحياة وتدور في فلك الماديات ومعاييرها واحتياجاتها القاسية، ستبدو حكمة مثل هذه منتهية الصلاحية ومدعاة للسخرية والتندر، وفي عبارة أخرى، سيقيمها البعض بأنها فلسفة طوباوية غير واقعية يصعب تقبلها مثل الفلسفة.

حيث يهيمن المال، وهو سيد الموقف اليوم. لأجله تروج فلسفة الجشع وثقافة الإثراء السريع وإباحة الممنوعات وكسر المحظورات وتجميل الرياء وازدراء أي اهتمام آخر ما عداه، والهوس بجمعه بكافة الطرق وشرعنتها أو سرقته أو نهبه وتكنيزه، مع غياب المحاسبة وانقلاب المعايير الأخلاقية والتفلت القيمي والقانوني في العديد من الدول.

ليس المال عصب الحياة الذي يجمعه المرء من تعبه ويقضي به احتياجاته الضرورية أو ينفقه لبعض الرفاهيات الصغيرة، وليس المال المدخر بصعوبة لتأمين شيخوخة كريمة، بل كل مال تشترى به النفوس والذمم وتباع به الأوطان والشعوب، وكل مال يأتي من سواد وينفق على سواد، وكل مال يروج أن اكتسابه أهم من اكتساب علم أو معرفة أو أي اهتمام جدي في الحياة.

امتحانات أخلاقية كثيرة للمال، ستبدو أكثر مدعاة للجدل حين تواجها النخبة من كبار الساسة والمؤتمنين على مصائر الشعوب، والعلماء والمثقفين والمبدعين والمفكرين الذين تقع عليهم الأضواء ويعتبرون قدوة للعامة، وآخر من واجه مثل هذه الامتحانات نجم هوليوود العالمي جورج كلوني برفضه للعرض الذي قدمته له إحدى شركات الطيران لأجل مقطع ترويجي لصالحها لا يستغرق تصويره أكثر من يوم واحد مقابل 35 مليون دولار.

اتهم الرجل أن ما فعله ليس أكثر من حركة استعراضية تعزز نجوميته لدى الجمهور، كما قيل إنه ثري للغاية ولو كان محتاجاً لما رفض. لكن كلوني لا يحتاج في الحقيقة إلى ما يعزز نجوميته الساحقة أو يرفع أسهمه الجماهيرية، كما أن الأثرياء لا يرفضون ثراء مضافاً. لكنه رفض التزاماً منه بقناعاته ومواقفه الصارمة ضد المال الفاسد، مبرراً أن شركة الطيران التي قدمت له العرض مرتبطة بدولة "موضع شك" كما قال.

الفارق الذي أضافه كلوني بسلوكه الأخير، ليس فقط زيادة مقدار الاحترام لشخصه ومسيرته وقناعاته فقط، بل إعادة بلورة حكمة أرسطو لكن برؤية فلسفية معاصرة أكثر مرونة تؤكد أن الثراء يدخل في مجال اهتماماتنا، على ألا يفسد هذه الاهتمامات. كما أنه وضع أي نجم آخر ستفكر الشركة لاحقاً في التعاقد معه، في امتحان أخلاقي بعد الحديث عن شكوك مريبة مرتبطة.

في واقع الأمر، لا يتوقع أن يتعفف الكثيرون أو يقلد أحدهم جورج كلوني، ولن يتعظوا بحكمته كفنان وفيلسوف معاصر انحاز لاهتماماته أكثر من المال. فالأغلبية التي نراقب انزلاقها مسحورة بشيطان الثراء عل حساب جميع الاهتمامات والقيم.

أغلبية من نخبة الفنانين والمثقفين والساسة والمفكرين وغيرهم، تلهث وراء الإثراء السريع تحت شعار الغاية تبرر الوسيلة، يطبلون لحاكم هنا، أو يزمرون لآخر هناك. لا يمتلك أحد الحق في مساءلتهم أو توجيه اللوم لها في رغبتهم بالإثراء، لكنهم بدورهم لا يمتلكون الحق في المطالبة أو توجيه اللوم للمتلقين، حين تفتح سجلات الذاكرة وتحين ساعة تقييم احترامهم واحترام منجزاتهم.  

قصر العدل في روما الذي يضم مقر محكمة الاستئناف العليا في إيطاليا (أرشيف)
قصر العدل في روما الذي يضم مقر محكمة الاستئناف العليا في إيطاليا (أرشيف)

بفضل العمل في عدة مؤسسات بحثية دولية، قُيض لكاتب هذه السطور أن يزور العاصمة الإيطالية روما عدة مرات خلال السنوات الماضية. حيث، وخلال كل زيارة من تلك، كانت العلاقة التي تربط سكان المدينة الحاليين بالذاكرة والتاريخ الأقدم للمدينة مثار غرابة وإعجاب على الدوام. بالضبط من حيث ما هم عليه من غنى ووصال وفاعلية في علاقتهم من مدينتهم القديمة. 

كان يحدث ذلك، مقابل العوز والمتاركة والقطيعة التي كان كاتب هذه السطور عليها، في علاقته العقلية والوجدانية والثقافية مع الحاضرة التاريخية التي ولد وعاش بين ثناياها. هو المتأتي من مكان كان يوماً عاصمة إمبراطورية تاريخية كبرى، شبيهة بروما نفسها، من قرية موزان شمال شرقي سوريا، التي تضم رفاة مدينة أوركيش التاريخية، التي كانت عاصمة المملكة الحورية القديمة. 

فأبناء مدينة روما الحاليون، وبمختلف أجيالهم، يعيشون المدينة القديمة وكأنها شيء حاضر وحيوي في تفاصيل حياتهم الراهنة. كانت روما القديمة، ولا تزال، ذات وجود متدفق في روما الراهنة، وفي أكثر من مستوى: عمارتها القديمة جزء مشهدي لا يمكن غض الطرف عنه في كل تفاصيل المدينة الحالية، بما في ذلك داخل بيوت سكانها، وسيرة التوأمين اللذين أسسا المدينة كثيفة في الذاكرة الجمعية، ومرويات حُقب المدينة القديمة وحكاياتها الشهيرة ومراحل تحولها الرئيسية جزء من الآداب والمناهج التربوية التي تنتجها المدينة الحديثة. وإلى جانب ذلك، ثمة متاحف وتماثيل مرئية ومنتجات تقنية وأنواع كثيرة من الآداب والفنون التي يفرزها الحاضرون يوماً، مبنية كلها وذات علاقة وثيقة مع ما كانت عليه المدينة القديمة، حيث إن السكان الحاليون في باطن وعيم يتصورون أنفسهم كامتداد روحي وثقافي وتاريخي لما كانت عليه روما القديمة.  

يحدث كل ذلك، في وقت لا يعاني فيه سكان روما الحاليون مع أية مشكلة أو صِدام مع الحداثة، بكل منتجاتها وأدوات فعلها ونوعية التفكير وأشكل السلوك التي تنفرز عنها. بل على العكس تماماً، يبدو الحضور الكثيف للمدينة التاريخية وذاكرتها في حاضر السكان، وكأنه أهم مصادر الغنى والحيوية للسكان، ما لم نقل الثقة بالذات، التي تنتج ممرات للاعتراف بالآخر وفسحة لطراوة الوجدان والمخيلة، تلك الأشياء التي تمنح السكان الحاليين قوة وجدانية وعقلية للانخراط كل اشكال الحداثة.  

على الدفة الأخرى، فإن كاتب السطور لم يسبق له أن عرف شيئاً عن العاصمة التاريخية القديمة التي ولد، هو وأبوه وجده وكامل أفراد عائلته، على بُعد عدة مئات من الأمتار منها. لم يعرف حتى اسمها التاريخي ولا مؤسسها ولا الحاضرة والمضامين التي كانت عليه هذه المدينة التاريخية. ليس هو فحسب، بل كامل الفضاء الاجتماعي والثقافي والإنساني المحيط بذاك المكان، الذين كانت تلك الحاضرة على الدوام واحدة من أكبر مجاهيل الحياة وأكثرها غموضاً بالنسبة لهم. 

فما عرفته شخصياً عن هذه المدينة القديمة، وبعد سنوات كثيرة من العيش بالقرب منها والمرور اليومي بها، كان بفعل فضول استثنائي ومهني خاصٍ جداً، لم يكن متوفراً إلا للقليلين. تلك المدينة التي كانت حاضرة عمرانية وثقافية وتجارية طوال آلاف السنين، عاصمة للملكة الحورية لوقت طويل، ثم صارت جزءا من الفضاء السياسي والإنساني لممالك "أكاد" ومن بعدهم "ماري"، تحوي قصوراً ومعابداً وأسواقاً ونصوصاً وتماثيل ومنتجات تاريخية لا تُقدر بثمن، لها سيرة وتاريخ وشخصيات ومنتجات أدبية ودينية وثقافية هائلة، كانت يوماً منارة إنسانية لقرابة ربع العالم.   

كل ذلك كان مجهولاً كبيراً لكل البشر المحيطين بالمكان، ولا يزال. وحدهم أعضاء بعثات التنقيب الأجنبية كانوا يعرفون ما بداخل ذلك المكان/الحاضرة، هؤلاء الذين كانوا محاطين بسور فعلي وآخر أمني، يعملون بصمت داخل مكاتبهم، يستخرجون الآثار ويجرون الدراسات بلغاتهم الأجنبية، ولا يجدون وقتاً ومعنى لأن يشرحوا ويفسروا للسكان المحيطين ما يعثرون عليه ويكتشفونه داخل المدينة. حتى أن بعض السكان المحليين، الذين كانوا يعملون كعمال سخرة لدى أعضاء تلك البعثات، أنما كان ممنوعاً عليهم مسّ أي شيء تاريخي قد يجدونه أثناء عمليات النبش والتنقيب.  

لم تكن تلك القطيعة على المستوى المادي فحسب، فجهل السكان بالمكان ومحتوياته وسيرته، كان استعارة كبرى عن قطيعة هؤلاء مع التاريخ نفسه، وتالياً مع جزء من ذواتهم وخصائصهم، ككائنات تملك خاصية متمايزة عن باقي المخلوقات، على مستوى العلاقة مع الذاكرة والتاريخ الأبعد مما هو حاضر راهناً. وتالياً ككائنات خُلقت وراكمت مجموعة كبرى من المنتجات والذواكر والأفكار والقيم والآداب والتجارب، التي تشكل بمجموعها المصدر الأولي والدائم للثراء الإنساني.  

فما كان خاصاً بالبقعة التي نشأ فيها كاتب هذه السطور، كان يمتد لأن يكون ظاهرة عامة في كل مكان آخر. فكامل شمال شرق سوريا كان قائماً على بحر من الحواضر التاريخية القديمة، تحوي سهوبه كنوزاً من الآثار والمنتجات الإنسانية، لكنها جميعاً كانت عوالم مجهولة تماماً بالنسبة للسكان، غير حاضرة أو ذات معنى في الذاكرة الجمعية، لا يتم تداولها في المناهج التربوية وليس لها من قيمة في المنتجات الأدبية والثقافية والفنية والسياحية لأبناء المكان، ولا فاعلية لها في الضمير والمخيلة والعقل العام.  

يمتد ذلك الأمر ليشمل سوريا كلها، ومنها بنسب مختلفة لكل بلدان منطقتنا، الذين، ولغير صدفة، يعيشون صداماً ورفضاً للغالب الأعم من ظواهر ومنتجات الحداثة، المرابطين في خنادق المركزية والمحافظة والماضوية.  

من تلكم الثنائية، تبدو العلاقة الثنائية شديدة الوضوح، بين مجتمعات سائلة، تعتبر نفسها جزءا حيوياً من تاريخ قديم ومتقادم، منتج ومراكم لكل أنواع الثراء الإنساني، وأخرى تعتبر نفسها يتيمة، ولدت للتو كجيل أول ووحيد، ليس لها في التاريخ أي ثراء، خلا بعض حكايات الذكورة الرعناء، عن البطولة والحروب ومفاخرها، وتالياً لا تنتج إلا شيئاً واحداً: العصبيات الخالية من أية قيمة.