نموذج الديمقراطية في العراق لا يزال مرتبك
نموذج الديمقراطية في العراق لا يزال مرتبك

في الآونة الأخيرة بات كثيرٌ مِن السياسيين يرددون عبارةَ (الانسداد السياسي) باعتباره الخطر الذي يهدد العراق. وعندما يتحدّث السياسيُّ عن وصف هذا الانسداد، بالتأكيد لا يقصد ما يرمي إليه الباحث أو المراقب لِلأحداث السياسية. فالسياسيُ ينظر لِلموضوع من خلال تهديد مصالحه أو ضعف نفوذه، كما عبَّرت عنه مواقفهم وتصريحاتهم الرافضة لنتائج انتخابات أكتوبر والتي خسروا فيها مقاعدَهم. 

أما الباحث والمختص في العلوم السياسية فهو ينظر لِلموضوع مِن منظور أوسع من دائرة الربح والخسارة في الانتخابات، لأنّه يؤشّر ملامحَ الانسداد الديمقراطي في بلدٍ يصنَّف ضمن البلدان التي تتجه نحو التحوّل الديمقراطي، أكثر مِن كونه تعبير عن أزمة النظام السياسي في علاقته مع المجتمع التي وصفها صومائيل هنتنغتون بالانحلال أو التفسّخ السياسي.

ورغم مشاركة العراق في قمّة القادة من أجل الديمقراطية التي دعا إليها الرئيس الأميركي جو بايدن وعقدت الخميس الماضي، فإنَّ هذه القمة تأتي في وقتٍ يعاني فيه العراق مِن مؤشرات التوجه نحو الانسداد الديمقراطي بعد سجالات ما قبل الانتخابات بشأن المشاركة أو المقاطعة، وما بعد الانتخابات بشأن رفض نتائجها والطعن فيها.

يلخّص فكرةَ الانسداد الديمقراطي المفكرُ الفرنسيّ ألان تورين في كاتبه (ماهية الديمقراطية؟ حكم الأكثرية أم ضمانات الأقلية)، إذ يرى بأنه مِن الصحيح أنَّ لا وجود لِلديمقراطية بدون حرية اختيار الحاكمين من قبل المحكومين، وبدون تعددية سياسية، لكننا لا نستطيع الكلام على ديمقراطية ما إذا كان الناخبون لا يملكون إلا الاختيار بين جناحَين من أجنحة الأوليغارشية أو الجيش أو جهاز الدولة... إنَّ هذا التقهقر الذي تشهده الدول، سواء أكانت ديمقراطية أم لم تكن، يستتبع تدني المشاركة السياسية، ويؤدّي إلى ما سُمي، أزمة التمثيل السياسي. فالناخبون لا يعودون يشعرون بأنَّهم ممَثّلون. وهذا ما يعبّرون عنه بشجبهم لِطبقةٍ سياسية لا غاية لها سوى تحقيق سلطتها الخاصة، ناهيك عن سعيها أحياناً إلى إثراء أفرادها شخصياً". ويعتقد تورين، إذا كانت الديمقراطية قد ضعفت على هذا النحو فإنَّ مِن الممكن القضاء عليها، إمّا انطلاقاً من فوق على يد سلطة سلطوية، وإما من تحت على يد الفوضى والعنف والحرب الأهلية، أو انطلاقاً منها هي بالذات عبر الهيمنة التي تمارسها على السلطة أوليغارشيات أو أحزاب تراكمت لديها السطوة على الموارد الاقتصادية أو السياسية لتفرض اختياراتها على مواطنين باتوا مجرَّد ناخبين فحسب.

قد يكون ألان تورين يشخّص أزمات الديمقراطية في دولٍ متقدّمة لها تاريخ طويل في تجربتها، بيد أن العراق اختصر كلَّ هذه المراحل في الديمقراطيات الناضجة ليؤسس منذ البداية أنموذجاً مأزوماً للديمقراطية. إذ كان ولا يزال المأزق الحقيقي لِنظامٍ سياسي يدّعي أنّه ديمقراطي يكمن في أنَّ الطبقةَ السياسية لا علاقة لها من قريب أو بعيد بالديمقراطية ومفاهيمها وممارستها، فهي مجرد دعاية سياسية تُستخدَم للاستهلاك الإعلامي.

يمكن أن اختزال مأساة جيلٍ كامل مِن العراقيين ضيَّع عمره بانتظار الديمقراطية، لتكون بالنهاية وسيلة الوصول إلى الحكم مِن قبل طبقةٍ سياسية لم تمارس العملَ الديمقراطي لا في أحزابها ولا تؤمن فيها في طروحاتها الفكرية. فقوى الإسلام السياسي تتعامل مع الديمقراطية كمورد ابتلاء، كما يرد في مصطلحات الفقهاء، والقوى التي تدّعي أنّها تحمل لواء الليبرالية بات حضورها يقتصر على الصالونات الثقافية ومن يمثلها سياسياً لم يكن يمانع مِن الدخول في تحالفات طائفية وقومية في سبيل المشاركة في غنائم السلطة. كلّ هؤلاء جمعتهم فقط رغبة الوصول إلى السلطة عن طريق الانتخابات ولم يجمعهم أيَّ مشروع لبناء دولة ديمقراطية، كما كان يرفعون شعارَها في أيّام معارضة النظام الدكتاتوري.

نموذج الديمقراطية في العراق لا يزال مرتبك، ولم يتجاوز أولى عقباته، ألا وهي إيجاد طبقة سياسية، حتّى وإن لم تكون مؤمنة بالديمقراطية، بل تؤمن على أقل تقدير بأنَّ الوسيلة الوحيدة لِلتنافس للوصل إلى الحكم هي الانتخابات، ومن ثمَّ تقبل نتائجها سواء أكانت فوزاً أو خسارة. كما أنها لحدّ الآن لم ترسخ عمل المؤسسات في إدارة النظام السياسي، وإنّما كلّ مؤسسات الدولة باتت رهينةً لمزاجيات شخصيات سياسية تفرض نفسَها بعنوان زعامات، وهي مَن يهمين على القرار السياسي بَعيداً عن ما تفرزه نتائج الانتخابات.

لذلك، يقول عالِم السياسة الفرنسي (موريس دوفرجيه): "ليست كلُّ أمم العالَم الحالي ديمقراطية، بل على العكس، إنَّ غالبيتها أحادية وعلى درجةٍ مِن القمعية. لكنّها جميعاً تدّعي الانتماء إلى القيم الديمقراطية، وتعلن أنها ديمقراطية وتأخذ النمطَ الديمقراطي كمعيار. وجميعها، تقريباً، تملك دساتير، مع أنَّ عدداً كبيراً منها ليست سوى برامج. وجميعها، تقريباً، تلجأ إلى الانتخاب العام، مع أن الانتخاب ليس حراً في عدد كبير منها ويقتصر فقط على الموافقة الإلزامية على مرشَّحين وحيدين. وجميعها، تقريباً، لديها برلمان، مع أن دور هذا الأخير يبقى ضعيفاً، إن لم يكن غير موجود، في الأعم الأغلب. ولدى جميعها، تقريباً، منظومة قضائية مستقلة شكلياً، مع إن القضاة، في الغالب، ليسوا غالباً سوى مجرَّد موظفين لدى السلطة".

تاريخياً، لم تنجح تجربة الانتقال نحو الديمقراطية التي قادتها القوّات العسكرية الأميركية في تسعة عشر نظاماً، إلا في ثلاثة أنظمة فقط تستحق صفة الديمقراطية، وهي اليابان وألمانيا وإيطاليا، بينما بقية التجارب أما تنكص إلى درك الحكم التسلّطي السابق، أو تتعلَّق في منطقة ضبابية يحتفى بها ظاهرياً، في مختلف القطاعات بأنّه دليل الديمقراطية، والتي تختزل بالتباري المكشوف في الانتخابات.

ويبدو أنَّ حالة العراق سوف تبقى تختزل بالادعاء بأنها ديمقراطية، لأنَّ الانتخابات تجري فيها بصورة دَورية، وتلك هي أخطر ملامح الانسداد الديمقراطي، إذ تختزل الديمقراطية بالانتخابات فقط، وهذه الانتخابات تكون محصورةً فقط بين طبقةٍ سياسية تتزعمها زعامات دينية أو عائلية أو سياسية تفكّر وتمارس العملَ السياسي بطريقة الوصايا على المجتمع أو الطائفة أو القومية، ويهيمن على نمط تفكيرها العقلُ الشمولي.

قصر العدل في روما الذي يضم مقر محكمة الاستئناف العليا في إيطاليا (أرشيف)
قصر العدل في روما الذي يضم مقر محكمة الاستئناف العليا في إيطاليا (أرشيف)

بفضل العمل في عدة مؤسسات بحثية دولية، قُيض لكاتب هذه السطور أن يزور العاصمة الإيطالية روما عدة مرات خلال السنوات الماضية. حيث، وخلال كل زيارة من تلك، كانت العلاقة التي تربط سكان المدينة الحاليين بالذاكرة والتاريخ الأقدم للمدينة مثار غرابة وإعجاب على الدوام. بالضبط من حيث ما هم عليه من غنى ووصال وفاعلية في علاقتهم من مدينتهم القديمة. 

كان يحدث ذلك، مقابل العوز والمتاركة والقطيعة التي كان كاتب هذه السطور عليها، في علاقته العقلية والوجدانية والثقافية مع الحاضرة التاريخية التي ولد وعاش بين ثناياها. هو المتأتي من مكان كان يوماً عاصمة إمبراطورية تاريخية كبرى، شبيهة بروما نفسها، من قرية موزان شمال شرقي سوريا، التي تضم رفاة مدينة أوركيش التاريخية، التي كانت عاصمة المملكة الحورية القديمة. 

فأبناء مدينة روما الحاليون، وبمختلف أجيالهم، يعيشون المدينة القديمة وكأنها شيء حاضر وحيوي في تفاصيل حياتهم الراهنة. كانت روما القديمة، ولا تزال، ذات وجود متدفق في روما الراهنة، وفي أكثر من مستوى: عمارتها القديمة جزء مشهدي لا يمكن غض الطرف عنه في كل تفاصيل المدينة الحالية، بما في ذلك داخل بيوت سكانها، وسيرة التوأمين اللذين أسسا المدينة كثيفة في الذاكرة الجمعية، ومرويات حُقب المدينة القديمة وحكاياتها الشهيرة ومراحل تحولها الرئيسية جزء من الآداب والمناهج التربوية التي تنتجها المدينة الحديثة. وإلى جانب ذلك، ثمة متاحف وتماثيل مرئية ومنتجات تقنية وأنواع كثيرة من الآداب والفنون التي يفرزها الحاضرون يوماً، مبنية كلها وذات علاقة وثيقة مع ما كانت عليه المدينة القديمة، حيث إن السكان الحاليون في باطن وعيم يتصورون أنفسهم كامتداد روحي وثقافي وتاريخي لما كانت عليه روما القديمة.  

يحدث كل ذلك، في وقت لا يعاني فيه سكان روما الحاليون مع أية مشكلة أو صِدام مع الحداثة، بكل منتجاتها وأدوات فعلها ونوعية التفكير وأشكل السلوك التي تنفرز عنها. بل على العكس تماماً، يبدو الحضور الكثيف للمدينة التاريخية وذاكرتها في حاضر السكان، وكأنه أهم مصادر الغنى والحيوية للسكان، ما لم نقل الثقة بالذات، التي تنتج ممرات للاعتراف بالآخر وفسحة لطراوة الوجدان والمخيلة، تلك الأشياء التي تمنح السكان الحاليين قوة وجدانية وعقلية للانخراط كل اشكال الحداثة.  

على الدفة الأخرى، فإن كاتب السطور لم يسبق له أن عرف شيئاً عن العاصمة التاريخية القديمة التي ولد، هو وأبوه وجده وكامل أفراد عائلته، على بُعد عدة مئات من الأمتار منها. لم يعرف حتى اسمها التاريخي ولا مؤسسها ولا الحاضرة والمضامين التي كانت عليه هذه المدينة التاريخية. ليس هو فحسب، بل كامل الفضاء الاجتماعي والثقافي والإنساني المحيط بذاك المكان، الذين كانت تلك الحاضرة على الدوام واحدة من أكبر مجاهيل الحياة وأكثرها غموضاً بالنسبة لهم. 

فما عرفته شخصياً عن هذه المدينة القديمة، وبعد سنوات كثيرة من العيش بالقرب منها والمرور اليومي بها، كان بفعل فضول استثنائي ومهني خاصٍ جداً، لم يكن متوفراً إلا للقليلين. تلك المدينة التي كانت حاضرة عمرانية وثقافية وتجارية طوال آلاف السنين، عاصمة للملكة الحورية لوقت طويل، ثم صارت جزءا من الفضاء السياسي والإنساني لممالك "أكاد" ومن بعدهم "ماري"، تحوي قصوراً ومعابداً وأسواقاً ونصوصاً وتماثيل ومنتجات تاريخية لا تُقدر بثمن، لها سيرة وتاريخ وشخصيات ومنتجات أدبية ودينية وثقافية هائلة، كانت يوماً منارة إنسانية لقرابة ربع العالم.   

كل ذلك كان مجهولاً كبيراً لكل البشر المحيطين بالمكان، ولا يزال. وحدهم أعضاء بعثات التنقيب الأجنبية كانوا يعرفون ما بداخل ذلك المكان/الحاضرة، هؤلاء الذين كانوا محاطين بسور فعلي وآخر أمني، يعملون بصمت داخل مكاتبهم، يستخرجون الآثار ويجرون الدراسات بلغاتهم الأجنبية، ولا يجدون وقتاً ومعنى لأن يشرحوا ويفسروا للسكان المحيطين ما يعثرون عليه ويكتشفونه داخل المدينة. حتى أن بعض السكان المحليين، الذين كانوا يعملون كعمال سخرة لدى أعضاء تلك البعثات، أنما كان ممنوعاً عليهم مسّ أي شيء تاريخي قد يجدونه أثناء عمليات النبش والتنقيب.  

لم تكن تلك القطيعة على المستوى المادي فحسب، فجهل السكان بالمكان ومحتوياته وسيرته، كان استعارة كبرى عن قطيعة هؤلاء مع التاريخ نفسه، وتالياً مع جزء من ذواتهم وخصائصهم، ككائنات تملك خاصية متمايزة عن باقي المخلوقات، على مستوى العلاقة مع الذاكرة والتاريخ الأبعد مما هو حاضر راهناً. وتالياً ككائنات خُلقت وراكمت مجموعة كبرى من المنتجات والذواكر والأفكار والقيم والآداب والتجارب، التي تشكل بمجموعها المصدر الأولي والدائم للثراء الإنساني.  

فما كان خاصاً بالبقعة التي نشأ فيها كاتب هذه السطور، كان يمتد لأن يكون ظاهرة عامة في كل مكان آخر. فكامل شمال شرق سوريا كان قائماً على بحر من الحواضر التاريخية القديمة، تحوي سهوبه كنوزاً من الآثار والمنتجات الإنسانية، لكنها جميعاً كانت عوالم مجهولة تماماً بالنسبة للسكان، غير حاضرة أو ذات معنى في الذاكرة الجمعية، لا يتم تداولها في المناهج التربوية وليس لها من قيمة في المنتجات الأدبية والثقافية والفنية والسياحية لأبناء المكان، ولا فاعلية لها في الضمير والمخيلة والعقل العام.  

يمتد ذلك الأمر ليشمل سوريا كلها، ومنها بنسب مختلفة لكل بلدان منطقتنا، الذين، ولغير صدفة، يعيشون صداماً ورفضاً للغالب الأعم من ظواهر ومنتجات الحداثة، المرابطين في خنادق المركزية والمحافظة والماضوية.  

من تلكم الثنائية، تبدو العلاقة الثنائية شديدة الوضوح، بين مجتمعات سائلة، تعتبر نفسها جزءا حيوياً من تاريخ قديم ومتقادم، منتج ومراكم لكل أنواع الثراء الإنساني، وأخرى تعتبر نفسها يتيمة، ولدت للتو كجيل أول ووحيد، ليس لها في التاريخ أي ثراء، خلا بعض حكايات الذكورة الرعناء، عن البطولة والحروب ومفاخرها، وتالياً لا تنتج إلا شيئاً واحداً: العصبيات الخالية من أية قيمة.