بايدن وصف الصراع الراهن بأنه "التحدي الذي يلخًّص زمننا"
بايدن وصف الصراع الراهن بأنه "التحدي الذي يلخًّص زمننا"

هناك رأي سائد في أوساط المؤرخين والمحللين والناشطين في مجال دعم حقوق الإنسان والقيم الديمقراطية أن الأنظمة الأوتوقراطية والدكتاتورية وتلك التي تلف تسلطها برداء ديمقراطي مزيف لمجرد أنها تنظم انتخابات دورية صورية، توّسع من مساحتها الجغرافية والسياسية في العالم على حساب الأنظمة الديمقراطية بمن فيها الديمقراطيات الأوروبية الغربية العريقة والأوروبية الشرقية الحديثة، وتلك التي كانت حتى سنوات قليلة الأقوى والأهم في العالم: الديمقراطية الأميركية. 

وإدراكا منه لحجم الضرر التاريخي الذي ألحقه الرئيس السابق، دونالد ترامب، بالتقاليد الديمقراطية الأميركية، كان المرشح ولاحقا الرئيس، جوزف بايدن، يصوغ الصراع السياسي العالمي في القرن الحادي والعشرين على أنه بين الأنظمة الديمقراطية التي يريد أن تقودها الولايات المتحدة من جديد بعد استعادة عافيتها السياسية وبين الأنظمة السلطوية، وفي طليعتها الصين وروسيا الاتحادية.

خلال حملته الانتخابية، تعهد بايدن في حال انتخابه بعقد مؤتمر دولي للدول الديمقراطية في العالم لتعبئة جهودها ومواردها في مواجهة المد السلطوي في العالم.

وفي هذا السياق، وجه بايدن في تصريحاته وكتاباته وتعليقاته قبل وفور انتخابه، انتقادات قاسية ومباشرة لقادة تركيا والفلبين ومصر والسعودية، إضافة إلى مواقفه النقدية المعروفة من الرئيسين الروسي والصيني. 

ويوم الخميس الماضي، نظمت الخارجية الأميركية المؤتمر الدولي الذي وعد به بايدن والذي استمر ليومين وشاركت فيه افتراضيا أكثر من 100 دولة ومؤسسة عالمية يفترض أن تكون ديموقراطية.

بايدن وصف الصراع الراهن بأنه "التحدي الذي يلخًّص زمننا". وأضاف "في وجه التحديات المخيفة والثابت للديمقراطية والحقوق الإنسانية العالمية في مختلف أنحاء العالم، الديموقراطية تحتاج إلى أبطال" يدافعون عنها". 

المسؤولون الأميركيون قالوا إنهم سوف يطلبون من الدول والمؤسسات المشاركة التقدم "بأفكار شجاعة وقابلة للتطبيق" من أجل الدفاع "ضد التسلط.. ولمكافحة الفساد.. وتعزيز الاحترام لحقوق الإنسان".  

خلال افتتاحه للمؤتمر، اعترف بايدن ضمنا بالانتقادات القاسية والتعليقات الساخرة الصادرة عن المسؤولين الكبار في الدول التي استبعدتها واشنطن من المؤتمر مثل الصين وروسيا، بعد سنوات الرئيس ترامب العجاف ديمقراطيا والتي انتهت باجتياح صرح الديمقراطية في واشنطن، مبنى الكابيتول، لإلغاء نتائج انتخابات ديمقراطية، والانتقادات التي وجهها محللون كثر لدعوة دول مقربة أو صديقة لواشنطن، ولكنها إما غير ديمقراطية أو "ديمقراطية جزئيا" مثل الفلبين والهند وباكستان (التي رفضت المشاركة) والعراق.

قال بايدن: "هنا في الولايات المتحدة، نحن نعلم جيدا مثل غيرنا أن تجديد ديمقراطيتنا وتعزيز مؤسساتنا الديمقراطية يتطلب منا جهودا لا تكل"، وتابع "الديموقراطية الأمريكية هي نضال مستمر لكي نرتفع إلى مستوى مثلنا ولكي نبلسم انقساماتنا، ونجدد التزامنا بالمفاهيم التي بنيت عليها أمتنا والتي شملها إعلان الاستقلال".

ولكن تطمينات بايدن وتأكيدات غيره من المسؤولين الأميركيين لم تخف حقيقة أن المعايير التي استخدمتها الحكومة الأميركية لدعوة المشاركين كانت مبنية على اعتبارات سياسية واستراتيجية، وليس فقط على وجود أنظمة ديمقراطية حقيقية في الدول المشاركة، أو حتى إذا كانت هذه الدول تمشي بثبات على طريق ديمقراطي سليم.

تصنف منظمة "فريدوم هاوس" الأميركية، التي ترصد التزام الدول بصيانة الديمقراطية ومؤسساتها أن ثلاثين بالمئة من الدول المدعوة للمؤتمر "حرة جزئيا" مثل الهند، والفلبين وكينيا وثلاث دول "غير حرة" مثل أنغولا والكونغو والعراق (الدولة العربية الوحيدة التي دعيت للمؤتمر بعد انتخابات نيابية جرت في ظل نظام يعاني من فساد هائل وانتهاكات لحقوق الإنسان وسلطة القانون من الدولة ومن التنظيمات الدينية المسلحة، ربما كما تكهن أحد المراقبين لكي لا تحرج واشنطن نفسها إذا دعت اسرائيل لوحدها).

ويعتقد أنه تم استبعاد تونس من المؤتمر، لأنها تشهد انقلابا بطيئا ضد الديمقراطية. وفي السنوات الأخيرة كان هناك انحسار ملحوظ في الحريات الشخصية في دول دعيت إلى المؤتمر، مثل البرازيل والهند وبولندا وإندونيسيا ونيجيريا.

دعوة دول مثل الفيليبين وأوكرانيا، تعاني مؤسساتها من فقر كبير من الرصيد الديمقراطي، أمر مهم سياسيا واستراتيجيا لواشنطن، لأنها تريد أن تدعم هذه الدول في مواجهاتها مع الصين وروسيا.

ويعتقد أن استبعاد هنغاريا وتركيا من المؤتمر، إضافة إلى انحسار الممارسات الديمقراطية في البلدين والقيود المفروضة على حريات التعبير، يهدف إلى تفادي مساعدة الرئيسين فيكتور أوربان ورجب طيب إردوغان في الانتخابات.  

انعقد المؤتمر الدولي للديمقراطيات على خلفية تراجع ملحوظ للديمقراطية في العالم، شمل 73 دولة وفقا لمنظمة "فريدوم هاوس" وهذا أعلى رقم منذ 15 سنة. وشهدت السنة الحالية نكسات كبيرة للديمقراطية في دول مثل ميانمار والسودان وتونس.

كما انعقد المؤتمر على خلفية استمرار الحشود العسكرية الروسية على حدود أوكرانيا، والتحرشات العسكرية الصينية ضد تايوان، ومحاولات دول عربية أوتوقراطية إعادة الاعتبار مع غطاء رقيق من الشرعية إلى نظام الطغيان في سوريا.

وفي هذا السياق لم يكن من المفاجئ ان تنشر المؤرخة والصحافية المتميزة، آن آبلبوم، مقالا تاريخيا بالفعل وضعته مجلة  "ذي آتلانتك" الهامة على غلافها بعنوان "القادة السيئون ينتصرون". 
و"زّين" الغلاف  الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في الوسط وعلى يمينه الرئيس الهنغاري، أوربان، والفنزويللي، نيكولا مادورو، وعلى يساره الرئيس الصيني، شي جينغ بينغ، والتركي رجب طيب إردوغان. 

وترى آبلبوم أنه "إذا كان القرن العشرين هو قصة التقدم البطيء وغير المتكافئ باتجاه انتصار الليبرالية الديمقراطية ضد غيرها من الأيديولوجيات، الشيوعية والفاشية والقوميات المتطرفة، فإن قصة القرن الحادي والعشرين هي، حتى الآن، قصة المد العكسي". 

وتوثق آبلبوم في مقالها الطويل سبل تعاون الأنظمة الأوتوقراطية والمتسلطة بين بعضها البعض، وخاصة في مجال مواجهة العقوبات الاقتصادية التي تفرضها الولايات المتحدة وحلفاؤها على قادتها واقتصادياتها. 

مثل الدعم العسكري والسياسي والاقتصادي الذي تقدمه روسيا وإيران إلى سوريا، والدعم الصيني لإيران من خلال شراء نفطها على الرغم من المقاطعة الغربية، أو دعم روسيا الأمني والسياسي إلى روسيا البيضاء (مثل إرسال عناصر أمنية روسية الى روسيا البيضاء للمساعدة في قمع الحركة الاحتجاجية) وغيرها من أنواع الدعم الذي يوفر المناعة لدول سلطوية صغيرة أو متوسطة الحجم مثل كوبا وسوريا وروسيا البيضاء. 

وذكرت آبلبوم أن تقاعس الولايات المتحدة وغيرها من الدول الأوروبية في الدفاع القوي والثابت عن الديمقراطية والديمقراطيين في العالم، وعن دور الشركات الأميركية العملاقة في دعم الدول الأوتوقراطية والمتسلطة بطرق عديدة. 

وتشير في هذا السياق إلى تعاون الشركتين الأمريكيتين "غوغل" و"آبل" مع الحكومة الروسية خلال انتخابات سبتمبر 2021 حين ألغت الشركتين تطبيقات مصممة لمساعدة الناخبين الروس على اختيار المرشحين المعارضين بعد أن هددت السلطات الروسية بمعاقبة الموظفين المحليين في الشركتين. 

كما تشير آبلبوم إلى الاستثمارات المالية الضخمة للصين للدفاع عن "النموذج" الصيني في العالم، إذ تقول إن الدعم المالي الذي تخصصه الولايات المتحدة لدعم الحريات الإعلامية في العالم وتمويل الإعلام الأميركي والأوروبي الموجه إلى روسيا وغيرها من الدول يتضاءل سنويا. 

وتضيف أن "مركزية الديمقراطية في السياسة الخارجية الأميركية تتضاءل منذ سنوات عديدة، ويتزامن ذلك، وربما هذه ليست صدفة، مع انحسار احترام الديمقراطية في أميركا ذاتها" في إشارة ضمنية إلى حقبة الرئيس السابق ترامب. 

وتأمل الولايات المتحدة بعقد مؤتمر متابعة بعد سنة، وأعلنت أنها ستخصص 424 مليون دولار لإنفاقها على مبادرات لدعم الديمقراطية  في العالم مثل دعم وسائل الإعلام المستقلة ومكافحة الفساد، ومساعدة الإصلاحيين الديمقراطيين والدفاع عن الانتخابات الحرة والنزيهة.   

ولكن دعم القيم والمؤسسات الديمقراطية في العالم يتطلب تغييرات جذرية في تعامل الولايات المتحدة وغيرها من الديمقراطيات العريقة مع الدول المتسلطة وكذلك مع الدول الصديقة لها والتي تنبذ الديمقراطية وتنتهك حقوق الديمقراطيين.

وهذا يعني اتباع سياسات مبدئية وليس اعتماد المعايير المزدوجة، وتحميل الشركات الأميركية العملاقة المسؤولية المعنوية، وربما القانونية، المترتبة على دعم الدول التي تمارس انتهاكات سافرة لحقوق مواطنيها.

كل هذا يتطلب استثمارا أميركيا كبيرا وجديا وثابتا في توفير الدعم السياسي والمالي والقانوني للديمقراطية وللديمقراطيين والإصلاحيين في العالم. 

ولكن تحقيق الانتصار في معركة ثبات الديمقراطية في العالم، يبدأ أولا بإعادة بنائها في الداخل الأميركي، بعد النكسة الضخمة التي تعرضت لها خلال ولاية الرئيس السابق ترامب، واستمرار محاولات ترامب  وأنصاره تقويض الديمقراطية من خلال مواصلة تضليل الأميركيين من أن الرئيس بايدن وقادة الحزب الديمقراطي قد "سرقوا" الانتخابات من ترامب، ومن خلال تغيير القوانين المحلية للانتخابات في الولايات التي تسيطر على مجالسها التشريعية أكثريات جمهورية، ومن خلال خلق العقبات أمام اقتراع الأقليات وغيرها من الشرائح الاجتماعية التي لا تصوت تقليديا للمرشحين الجمهوريين.  

قصر العدل في روما الذي يضم مقر محكمة الاستئناف العليا في إيطاليا (أرشيف)
قصر العدل في روما الذي يضم مقر محكمة الاستئناف العليا في إيطاليا (أرشيف)

بفضل العمل في عدة مؤسسات بحثية دولية، قُيض لكاتب هذه السطور أن يزور العاصمة الإيطالية روما عدة مرات خلال السنوات الماضية. حيث، وخلال كل زيارة من تلك، كانت العلاقة التي تربط سكان المدينة الحاليين بالذاكرة والتاريخ الأقدم للمدينة مثار غرابة وإعجاب على الدوام. بالضبط من حيث ما هم عليه من غنى ووصال وفاعلية في علاقتهم من مدينتهم القديمة. 

كان يحدث ذلك، مقابل العوز والمتاركة والقطيعة التي كان كاتب هذه السطور عليها، في علاقته العقلية والوجدانية والثقافية مع الحاضرة التاريخية التي ولد وعاش بين ثناياها. هو المتأتي من مكان كان يوماً عاصمة إمبراطورية تاريخية كبرى، شبيهة بروما نفسها، من قرية موزان شمال شرقي سوريا، التي تضم رفاة مدينة أوركيش التاريخية، التي كانت عاصمة المملكة الحورية القديمة. 

فأبناء مدينة روما الحاليون، وبمختلف أجيالهم، يعيشون المدينة القديمة وكأنها شيء حاضر وحيوي في تفاصيل حياتهم الراهنة. كانت روما القديمة، ولا تزال، ذات وجود متدفق في روما الراهنة، وفي أكثر من مستوى: عمارتها القديمة جزء مشهدي لا يمكن غض الطرف عنه في كل تفاصيل المدينة الحالية، بما في ذلك داخل بيوت سكانها، وسيرة التوأمين اللذين أسسا المدينة كثيفة في الذاكرة الجمعية، ومرويات حُقب المدينة القديمة وحكاياتها الشهيرة ومراحل تحولها الرئيسية جزء من الآداب والمناهج التربوية التي تنتجها المدينة الحديثة. وإلى جانب ذلك، ثمة متاحف وتماثيل مرئية ومنتجات تقنية وأنواع كثيرة من الآداب والفنون التي يفرزها الحاضرون يوماً، مبنية كلها وذات علاقة وثيقة مع ما كانت عليه المدينة القديمة، حيث إن السكان الحاليون في باطن وعيم يتصورون أنفسهم كامتداد روحي وثقافي وتاريخي لما كانت عليه روما القديمة.  

يحدث كل ذلك، في وقت لا يعاني فيه سكان روما الحاليون مع أية مشكلة أو صِدام مع الحداثة، بكل منتجاتها وأدوات فعلها ونوعية التفكير وأشكل السلوك التي تنفرز عنها. بل على العكس تماماً، يبدو الحضور الكثيف للمدينة التاريخية وذاكرتها في حاضر السكان، وكأنه أهم مصادر الغنى والحيوية للسكان، ما لم نقل الثقة بالذات، التي تنتج ممرات للاعتراف بالآخر وفسحة لطراوة الوجدان والمخيلة، تلك الأشياء التي تمنح السكان الحاليين قوة وجدانية وعقلية للانخراط كل اشكال الحداثة.  

على الدفة الأخرى، فإن كاتب السطور لم يسبق له أن عرف شيئاً عن العاصمة التاريخية القديمة التي ولد، هو وأبوه وجده وكامل أفراد عائلته، على بُعد عدة مئات من الأمتار منها. لم يعرف حتى اسمها التاريخي ولا مؤسسها ولا الحاضرة والمضامين التي كانت عليه هذه المدينة التاريخية. ليس هو فحسب، بل كامل الفضاء الاجتماعي والثقافي والإنساني المحيط بذاك المكان، الذين كانت تلك الحاضرة على الدوام واحدة من أكبر مجاهيل الحياة وأكثرها غموضاً بالنسبة لهم. 

فما عرفته شخصياً عن هذه المدينة القديمة، وبعد سنوات كثيرة من العيش بالقرب منها والمرور اليومي بها، كان بفعل فضول استثنائي ومهني خاصٍ جداً، لم يكن متوفراً إلا للقليلين. تلك المدينة التي كانت حاضرة عمرانية وثقافية وتجارية طوال آلاف السنين، عاصمة للملكة الحورية لوقت طويل، ثم صارت جزءا من الفضاء السياسي والإنساني لممالك "أكاد" ومن بعدهم "ماري"، تحوي قصوراً ومعابداً وأسواقاً ونصوصاً وتماثيل ومنتجات تاريخية لا تُقدر بثمن، لها سيرة وتاريخ وشخصيات ومنتجات أدبية ودينية وثقافية هائلة، كانت يوماً منارة إنسانية لقرابة ربع العالم.   

كل ذلك كان مجهولاً كبيراً لكل البشر المحيطين بالمكان، ولا يزال. وحدهم أعضاء بعثات التنقيب الأجنبية كانوا يعرفون ما بداخل ذلك المكان/الحاضرة، هؤلاء الذين كانوا محاطين بسور فعلي وآخر أمني، يعملون بصمت داخل مكاتبهم، يستخرجون الآثار ويجرون الدراسات بلغاتهم الأجنبية، ولا يجدون وقتاً ومعنى لأن يشرحوا ويفسروا للسكان المحيطين ما يعثرون عليه ويكتشفونه داخل المدينة. حتى أن بعض السكان المحليين، الذين كانوا يعملون كعمال سخرة لدى أعضاء تلك البعثات، أنما كان ممنوعاً عليهم مسّ أي شيء تاريخي قد يجدونه أثناء عمليات النبش والتنقيب.  

لم تكن تلك القطيعة على المستوى المادي فحسب، فجهل السكان بالمكان ومحتوياته وسيرته، كان استعارة كبرى عن قطيعة هؤلاء مع التاريخ نفسه، وتالياً مع جزء من ذواتهم وخصائصهم، ككائنات تملك خاصية متمايزة عن باقي المخلوقات، على مستوى العلاقة مع الذاكرة والتاريخ الأبعد مما هو حاضر راهناً. وتالياً ككائنات خُلقت وراكمت مجموعة كبرى من المنتجات والذواكر والأفكار والقيم والآداب والتجارب، التي تشكل بمجموعها المصدر الأولي والدائم للثراء الإنساني.  

فما كان خاصاً بالبقعة التي نشأ فيها كاتب هذه السطور، كان يمتد لأن يكون ظاهرة عامة في كل مكان آخر. فكامل شمال شرق سوريا كان قائماً على بحر من الحواضر التاريخية القديمة، تحوي سهوبه كنوزاً من الآثار والمنتجات الإنسانية، لكنها جميعاً كانت عوالم مجهولة تماماً بالنسبة للسكان، غير حاضرة أو ذات معنى في الذاكرة الجمعية، لا يتم تداولها في المناهج التربوية وليس لها من قيمة في المنتجات الأدبية والثقافية والفنية والسياحية لأبناء المكان، ولا فاعلية لها في الضمير والمخيلة والعقل العام.  

يمتد ذلك الأمر ليشمل سوريا كلها، ومنها بنسب مختلفة لكل بلدان منطقتنا، الذين، ولغير صدفة، يعيشون صداماً ورفضاً للغالب الأعم من ظواهر ومنتجات الحداثة، المرابطين في خنادق المركزية والمحافظة والماضوية.  

من تلكم الثنائية، تبدو العلاقة الثنائية شديدة الوضوح، بين مجتمعات سائلة، تعتبر نفسها جزءا حيوياً من تاريخ قديم ومتقادم، منتج ومراكم لكل أنواع الثراء الإنساني، وأخرى تعتبر نفسها يتيمة، ولدت للتو كجيل أول ووحيد، ليس لها في التاريخ أي ثراء، خلا بعض حكايات الذكورة الرعناء، عن البطولة والحروب ومفاخرها، وتالياً لا تنتج إلا شيئاً واحداً: العصبيات الخالية من أية قيمة.