مع تطور الوعي الذاتي، بدأت ملاحظة نفسي ونفورها من مصطلحات كانت تشكل -كمفاهيم- حزمة قناعات عندي.
مثلا، أنا صرت أنفر من وصف "الوطنية" ومشتقاتها الترابية الباهتة. وهي التي تشكل شعارا حماسيا كنت مثل غيري أردده ببلاهة : نموت نموت ويحيا الوطن!
لماذا نموت " مكرر مرتين" ليحيا مفهوم هلامي بلا ملامح شكلناه في وجداننا ولا وجود له إلا في الأناشيد والخطب الإنشائية؟
أيضا، مما أسمع وأقرأ وأشاهد في احتفاليات الموت ومهرجانات العدم الوجودي في عالمنا العربي الضاج بالثورات الكامنة والخيبات المشتعلة مقولة "مشاريع استشهاد" في إشارة لأجيال يتم تربيتها على تلك الفكرة العدمية! طيب، لماذا لا يكونوا مشاريع حياة؟
مفهوم "الشهادة والاستشهاد" أتصرف معه بحذر شديد، ونفور أشد، تلك صفات تعلق على رهن الغيب أمنيات الخلود الملامس للتقديس، وأنا بقرار ذاتي لم أعد أطلق صفة "شهيد" على أي إنسان بالمطلق! المفهوم نفسه ملتبس ويصادر "ببساطة" عند المؤمنين حق الله في فرز البشر!
عالمنا العربي يضج "بالشهداء"، هو عالم مبني على هؤلاء، ومنهم منذ بدء تاريخ المفهوم نفسه من حاربوا بعضهم ومنهم من كان قاتلا لشهيد ثم شهيدا مقتولا على يد شهيد آخر! هذا كله عبث يفضي إلى إنتاج سلسلة دموية من الانتحاريين، ليحيا الوطن! أو أي فكرة ترابية أخرى معلقة على الأمنيات ومرتهنة في ذمة الأساطير.
أتجول في مشرقنا العربي "حضورا ومجازا" فأجدنا لا نزال أسرى مساحات شاسعة وتاريخية من مفخخات المفاهيم الغيبية ومصطلحات مجانية وسهلة تبرر الخيبات الفادحة.
منذ الصفوف الابتدائية الأولى مرورا بكل مراحل التعليم ومكتسبات المعرفة في الحارة والشارع ودور العبادة "تلك تحديدا تم تفخيخها باحتراف" وليس انتهاءا بالبيوت والمقاهي وغرف التواصل الاجتماعي في العوالم الافتراضية، هناك دوما استحضار لكل ما يعين الغيبوبة الجمعية على الاستمرار.
لا أزكي نفسي، مررت في مراحل بحياتي أصدح مثل الجميع بابتهالات الموت من أجل الوطن، وكنت أحلم في يقظتي ببطولات عدمية تحتفل بي كمشروع استشهادي، ولا أنكر أن الأسفار المتعددة "بعقل مفتوح كشرط ضروري" كانت مفتاح الوعي بالحياة، لأتحول إلى مشروع حياة ما استطعت إليها سبيلا، وانتهيت إلى نجاح في الهجرة، هجرة ليست في الجغرافيا وحسب، بل هجرة في العقل والتفكير والهروب من الأسر الأزلي في قبضة الخيبة.
عملي كصحفي تطور أيضا، وجدت حدود المهنة التي كادت أن تضيع في فضاءات واهمة من ارتكاب السياسة أو التسلق عليها، المهنة : صحفي. مجرد كاتب صحفي يحاول تلمس الحقائق بقدر ما يستطيع من أدوات مهنية وحفر معرفي مستمر.
الحاضن الأساسي الذي أنعم به هو الدولة. في المهجر حيث أعيش وأعمل تعلمت بالخبرة اليومية وتراكم التجارب معنى أن تكون في دولة تلمس فيها حقوقك كمواطن ضمن منظومة قوانين وهيكل مؤسسات يحميك ويرعاك، وأنت جزء حيوي منه لا مادة خاملة فيه، الدولة لا تكون بدون مواطنة، والمواطنة لا تستقيم بلا قوانين تنظم العلاقات لها وفيها، والقوانين لا تعيش بلا مؤسسات منفصلة عن الأشخاص، والأشخاص أنا منهم، ومعهم بلا تمييز نقوم بتشكيل الدولة.
ليس هناك "وطن" نقبل ترابه، لا أحد يرغب بذلك، هناك دولة نحترمها وتحترمنا بالقانون.
لست مشروعا استشهاديا لأي أحد ولا لأي فكرة، أنا مشروع حياة أعيشها بكامل تفاصيلها ومثل غيري في "الدولة" حقوقي مصانة بقوانين ينتجها المجتمع بآليات ومؤسسات تتطور بتطور الوعي الإنساني.
محظوظ؟ نعم. لكن سأنصف نفسي بأني اشتغلت عليها من خلال المعرفة والتعلم الذي لا يزال مستمرا.
ومما تعلمته، بعد طول ملاحظة وصبر: أن الديمقراطية ليست صناديق اقتراع ولا مبنى ضخما يتم تصدير "النخب" إليه، بل هي سلوك قائم على فهم "حكم الشعب لنفسه"، ولا يكون ذلك إلا بحكم الذات وتربتيها على احترام القوانين لا الخوف منها.
الديمقراطية، ليست ذات معنى ومجرد حشوة فارغة من كل مفهومها إن لم يكن هناك دولة مؤسسات وقوانين تكون حاضنا لها، وهذا لا يتأتى إلا بالوعي، والوعي لا يكون إلا بالمعرفة الإنسانية لا شعوذات الدجل والأساطير ومفاهيم العدم.
في مشرقنا، توجد حكومات وبرلمانات وصناديق اقتراع ووصفات إصلاح ديمقراطي وأجهزة أمنية كثيرة ومتشعبة وركام من السياسيين، لكن الإمام الغائب هو الدولة. مهدينا المنتظر عجل الله بفرج حضوره.

