A small group of people take part in a protest on the tenth anniversary of the uprising that toppled longtime autocrat Ben Ali …
تونسيون في وقفة بمناسبة الذكرى العاشرة للانتفاضة التي أطاحت بالرئيس التونسي الأسبق زين العابدين بن علي

مع تطور الوعي الذاتي، بدأت ملاحظة نفسي ونفورها من مصطلحات كانت تشكل -كمفاهيم- حزمة قناعات عندي.

مثلا، أنا صرت أنفر من وصف "الوطنية" ومشتقاتها الترابية الباهتة. وهي التي تشكل شعارا حماسيا كنت مثل غيري أردده ببلاهة : نموت نموت ويحيا الوطن!

لماذا نموت " مكرر مرتين"  ليحيا مفهوم هلامي بلا ملامح شكلناه في وجداننا ولا وجود له إلا في الأناشيد والخطب الإنشائية؟

أيضا، مما أسمع وأقرأ وأشاهد في احتفاليات الموت ومهرجانات العدم الوجودي في عالمنا العربي الضاج بالثورات الكامنة والخيبات المشتعلة مقولة "مشاريع استشهاد" في إشارة لأجيال يتم تربيتها على تلك الفكرة العدمية! طيب، لماذا لا يكونوا مشاريع حياة؟ 

مفهوم "الشهادة والاستشهاد" أتصرف معه بحذر شديد، ونفور أشد، تلك صفات تعلق على رهن الغيب أمنيات الخلود الملامس للتقديس، وأنا بقرار ذاتي لم أعد أطلق صفة "شهيد" على أي إنسان بالمطلق! المفهوم نفسه ملتبس ويصادر "ببساطة" عند المؤمنين حق الله في فرز البشر!

عالمنا العربي يضج "بالشهداء"، هو عالم مبني على هؤلاء، ومنهم منذ بدء تاريخ المفهوم نفسه من حاربوا بعضهم ومنهم من كان قاتلا لشهيد ثم شهيدا مقتولا على يد شهيد آخر! هذا كله عبث يفضي إلى إنتاج سلسلة دموية من الانتحاريين، ليحيا الوطن! أو أي فكرة ترابية أخرى معلقة على الأمنيات ومرتهنة في ذمة الأساطير.

أتجول في مشرقنا العربي "حضورا ومجازا" فأجدنا لا نزال أسرى مساحات شاسعة وتاريخية من مفخخات المفاهيم الغيبية ومصطلحات مجانية وسهلة تبرر الخيبات الفادحة.

منذ الصفوف الابتدائية الأولى مرورا بكل مراحل التعليم ومكتسبات المعرفة في الحارة والشارع ودور العبادة "تلك تحديدا تم تفخيخها باحتراف" وليس انتهاءا بالبيوت والمقاهي وغرف التواصل الاجتماعي في العوالم الافتراضية، هناك دوما استحضار لكل ما يعين الغيبوبة الجمعية على الاستمرار.

لا أزكي نفسي، مررت في مراحل بحياتي أصدح مثل الجميع بابتهالات الموت من أجل الوطن، وكنت أحلم في يقظتي ببطولات عدمية تحتفل بي كمشروع استشهادي، ولا أنكر أن الأسفار المتعددة "بعقل مفتوح كشرط ضروري" كانت مفتاح الوعي بالحياة، لأتحول إلى مشروع حياة ما استطعت إليها سبيلا، وانتهيت إلى نجاح في الهجرة، هجرة ليست في الجغرافيا وحسب، بل هجرة في العقل والتفكير والهروب من الأسر الأزلي في قبضة الخيبة.

عملي كصحفي تطور أيضا، وجدت حدود المهنة التي كادت أن تضيع في فضاءات واهمة من ارتكاب السياسة أو التسلق عليها، المهنة : صحفي. مجرد كاتب صحفي يحاول تلمس الحقائق بقدر ما يستطيع من أدوات مهنية وحفر معرفي مستمر.

الحاضن الأساسي الذي أنعم به هو الدولة. في المهجر حيث أعيش وأعمل تعلمت بالخبرة اليومية وتراكم التجارب معنى أن تكون في دولة تلمس فيها حقوقك كمواطن ضمن منظومة قوانين وهيكل مؤسسات يحميك ويرعاك، وأنت جزء حيوي منه لا مادة خاملة فيه، الدولة لا تكون بدون مواطنة، والمواطنة لا تستقيم بلا قوانين تنظم العلاقات لها وفيها، والقوانين لا تعيش بلا مؤسسات منفصلة عن الأشخاص، والأشخاص أنا منهم، ومعهم بلا تمييز نقوم بتشكيل الدولة.

ليس هناك "وطن" نقبل ترابه، لا أحد يرغب بذلك، هناك دولة نحترمها وتحترمنا بالقانون. 

لست مشروعا استشهاديا لأي أحد ولا لأي فكرة، أنا مشروع حياة أعيشها بكامل تفاصيلها ومثل غيري في "الدولة" حقوقي مصانة بقوانين ينتجها المجتمع بآليات ومؤسسات تتطور بتطور الوعي الإنساني.

محظوظ؟ نعم. لكن سأنصف نفسي بأني اشتغلت عليها من خلال المعرفة والتعلم الذي لا يزال مستمرا.

ومما تعلمته، بعد طول ملاحظة وصبر: أن الديمقراطية ليست صناديق اقتراع ولا مبنى ضخما يتم تصدير "النخب" إليه، بل هي سلوك قائم على فهم "حكم الشعب لنفسه"، ولا يكون ذلك إلا بحكم الذات وتربتيها على احترام القوانين لا الخوف منها.

الديمقراطية، ليست ذات معنى ومجرد حشوة فارغة من كل مفهومها إن لم يكن هناك دولة مؤسسات وقوانين تكون حاضنا لها، وهذا لا يتأتى إلا بالوعي، والوعي لا يكون إلا بالمعرفة الإنسانية لا شعوذات الدجل والأساطير ومفاهيم العدم.

في مشرقنا، توجد حكومات وبرلمانات وصناديق اقتراع ووصفات إصلاح ديمقراطي وأجهزة أمنية كثيرة ومتشعبة وركام من السياسيين، لكن الإمام الغائب هو الدولة. مهدينا المنتظر عجل الله بفرج حضوره.

قصر العدل في روما الذي يضم مقر محكمة الاستئناف العليا في إيطاليا (أرشيف)
قصر العدل في روما الذي يضم مقر محكمة الاستئناف العليا في إيطاليا (أرشيف)

بفضل العمل في عدة مؤسسات بحثية دولية، قُيض لكاتب هذه السطور أن يزور العاصمة الإيطالية روما عدة مرات خلال السنوات الماضية. حيث، وخلال كل زيارة من تلك، كانت العلاقة التي تربط سكان المدينة الحاليين بالذاكرة والتاريخ الأقدم للمدينة مثار غرابة وإعجاب على الدوام. بالضبط من حيث ما هم عليه من غنى ووصال وفاعلية في علاقتهم من مدينتهم القديمة. 

كان يحدث ذلك، مقابل العوز والمتاركة والقطيعة التي كان كاتب هذه السطور عليها، في علاقته العقلية والوجدانية والثقافية مع الحاضرة التاريخية التي ولد وعاش بين ثناياها. هو المتأتي من مكان كان يوماً عاصمة إمبراطورية تاريخية كبرى، شبيهة بروما نفسها، من قرية موزان شمال شرقي سوريا، التي تضم رفاة مدينة أوركيش التاريخية، التي كانت عاصمة المملكة الحورية القديمة. 

فأبناء مدينة روما الحاليون، وبمختلف أجيالهم، يعيشون المدينة القديمة وكأنها شيء حاضر وحيوي في تفاصيل حياتهم الراهنة. كانت روما القديمة، ولا تزال، ذات وجود متدفق في روما الراهنة، وفي أكثر من مستوى: عمارتها القديمة جزء مشهدي لا يمكن غض الطرف عنه في كل تفاصيل المدينة الحالية، بما في ذلك داخل بيوت سكانها، وسيرة التوأمين اللذين أسسا المدينة كثيفة في الذاكرة الجمعية، ومرويات حُقب المدينة القديمة وحكاياتها الشهيرة ومراحل تحولها الرئيسية جزء من الآداب والمناهج التربوية التي تنتجها المدينة الحديثة. وإلى جانب ذلك، ثمة متاحف وتماثيل مرئية ومنتجات تقنية وأنواع كثيرة من الآداب والفنون التي يفرزها الحاضرون يوماً، مبنية كلها وذات علاقة وثيقة مع ما كانت عليه المدينة القديمة، حيث إن السكان الحاليون في باطن وعيم يتصورون أنفسهم كامتداد روحي وثقافي وتاريخي لما كانت عليه روما القديمة.  

يحدث كل ذلك، في وقت لا يعاني فيه سكان روما الحاليون مع أية مشكلة أو صِدام مع الحداثة، بكل منتجاتها وأدوات فعلها ونوعية التفكير وأشكل السلوك التي تنفرز عنها. بل على العكس تماماً، يبدو الحضور الكثيف للمدينة التاريخية وذاكرتها في حاضر السكان، وكأنه أهم مصادر الغنى والحيوية للسكان، ما لم نقل الثقة بالذات، التي تنتج ممرات للاعتراف بالآخر وفسحة لطراوة الوجدان والمخيلة، تلك الأشياء التي تمنح السكان الحاليين قوة وجدانية وعقلية للانخراط كل اشكال الحداثة.  

على الدفة الأخرى، فإن كاتب السطور لم يسبق له أن عرف شيئاً عن العاصمة التاريخية القديمة التي ولد، هو وأبوه وجده وكامل أفراد عائلته، على بُعد عدة مئات من الأمتار منها. لم يعرف حتى اسمها التاريخي ولا مؤسسها ولا الحاضرة والمضامين التي كانت عليه هذه المدينة التاريخية. ليس هو فحسب، بل كامل الفضاء الاجتماعي والثقافي والإنساني المحيط بذاك المكان، الذين كانت تلك الحاضرة على الدوام واحدة من أكبر مجاهيل الحياة وأكثرها غموضاً بالنسبة لهم. 

فما عرفته شخصياً عن هذه المدينة القديمة، وبعد سنوات كثيرة من العيش بالقرب منها والمرور اليومي بها، كان بفعل فضول استثنائي ومهني خاصٍ جداً، لم يكن متوفراً إلا للقليلين. تلك المدينة التي كانت حاضرة عمرانية وثقافية وتجارية طوال آلاف السنين، عاصمة للملكة الحورية لوقت طويل، ثم صارت جزءا من الفضاء السياسي والإنساني لممالك "أكاد" ومن بعدهم "ماري"، تحوي قصوراً ومعابداً وأسواقاً ونصوصاً وتماثيل ومنتجات تاريخية لا تُقدر بثمن، لها سيرة وتاريخ وشخصيات ومنتجات أدبية ودينية وثقافية هائلة، كانت يوماً منارة إنسانية لقرابة ربع العالم.   

كل ذلك كان مجهولاً كبيراً لكل البشر المحيطين بالمكان، ولا يزال. وحدهم أعضاء بعثات التنقيب الأجنبية كانوا يعرفون ما بداخل ذلك المكان/الحاضرة، هؤلاء الذين كانوا محاطين بسور فعلي وآخر أمني، يعملون بصمت داخل مكاتبهم، يستخرجون الآثار ويجرون الدراسات بلغاتهم الأجنبية، ولا يجدون وقتاً ومعنى لأن يشرحوا ويفسروا للسكان المحيطين ما يعثرون عليه ويكتشفونه داخل المدينة. حتى أن بعض السكان المحليين، الذين كانوا يعملون كعمال سخرة لدى أعضاء تلك البعثات، أنما كان ممنوعاً عليهم مسّ أي شيء تاريخي قد يجدونه أثناء عمليات النبش والتنقيب.  

لم تكن تلك القطيعة على المستوى المادي فحسب، فجهل السكان بالمكان ومحتوياته وسيرته، كان استعارة كبرى عن قطيعة هؤلاء مع التاريخ نفسه، وتالياً مع جزء من ذواتهم وخصائصهم، ككائنات تملك خاصية متمايزة عن باقي المخلوقات، على مستوى العلاقة مع الذاكرة والتاريخ الأبعد مما هو حاضر راهناً. وتالياً ككائنات خُلقت وراكمت مجموعة كبرى من المنتجات والذواكر والأفكار والقيم والآداب والتجارب، التي تشكل بمجموعها المصدر الأولي والدائم للثراء الإنساني.  

فما كان خاصاً بالبقعة التي نشأ فيها كاتب هذه السطور، كان يمتد لأن يكون ظاهرة عامة في كل مكان آخر. فكامل شمال شرق سوريا كان قائماً على بحر من الحواضر التاريخية القديمة، تحوي سهوبه كنوزاً من الآثار والمنتجات الإنسانية، لكنها جميعاً كانت عوالم مجهولة تماماً بالنسبة للسكان، غير حاضرة أو ذات معنى في الذاكرة الجمعية، لا يتم تداولها في المناهج التربوية وليس لها من قيمة في المنتجات الأدبية والثقافية والفنية والسياحية لأبناء المكان، ولا فاعلية لها في الضمير والمخيلة والعقل العام.  

يمتد ذلك الأمر ليشمل سوريا كلها، ومنها بنسب مختلفة لكل بلدان منطقتنا، الذين، ولغير صدفة، يعيشون صداماً ورفضاً للغالب الأعم من ظواهر ومنتجات الحداثة، المرابطين في خنادق المركزية والمحافظة والماضوية.  

من تلكم الثنائية، تبدو العلاقة الثنائية شديدة الوضوح، بين مجتمعات سائلة، تعتبر نفسها جزءا حيوياً من تاريخ قديم ومتقادم، منتج ومراكم لكل أنواع الثراء الإنساني، وأخرى تعتبر نفسها يتيمة، ولدت للتو كجيل أول ووحيد، ليس لها في التاريخ أي ثراء، خلا بعض حكايات الذكورة الرعناء، عن البطولة والحروب ومفاخرها، وتالياً لا تنتج إلا شيئاً واحداً: العصبيات الخالية من أية قيمة.