حزب الله يغلب مصلحة إيران على لبنان
حزب الله يغلب مصلحة إيران على لبنان

قد يبدو السؤال حول مستقبل لبنان سابق لأوانه، فيما هو يعاني من أزمة مركّبة يتداخل فيها الاختلال البنيوي، وسوء الإدارة، وعجز المؤسسات عن تولي مسؤولياتها، والقصور القيادي، والتعبئة الطائفية، والنهب المُمأسس، والفساد المتفشي، والانكماش الاقتصادي، والانهيار المالي والاحتلال المسلّح، والتبعية السياسية، والهيمنة الخارجية، والهشاشة الاجتماعية، والكوارث البيئية، والضغوط السكانية الوافدة، والهجرة الاستنزافية، بالإضافة إلى الجائحة وما أتاحته للمنظومة الحاكمة من تبديد وتشتيت للجهود المعترضة.

النتيجة العامة لهذه الأزمة هي ضياع ثقة المواطن اللبناني بمستقبل وطنه، وسط عجز التوجهات السيادية والإصلاحية عن تقديم البدائل المقنعة، أو حتى عن الامتناع عن الاقتتال والتساقط، وإزاء انتظام القوة الناقضة للبنان، أي حزب الله بولائه الإيراني، كالجهة الوحيدة صاحبة المشروع.

على أن هذا التفصيل الأخير، أي تمكّن حزب الله من الظهور بمظهر صاحب المشروع، هو ما يدفع السؤال حول مستقبل لبنان إلى الواجهة، سواء كانت الظروف مؤاتية للتصدي له أم لم تكن. والواقع أنها بعيدة كل البعد عن أن تكون كذلك.

لقد طرأ على مشروع حزب الله على مدى العقود بعض التعديل. هو كان في الثمانينات «حزب الجمهورية الإسلامية في لبنان»، و «الجمهورية الإسلامية» هنا هي واحدة على مدى الكوكب، بتجليات محلية. وأمين عام الحزب الحالي، حسن نصر الله، تحدث في مقطع مرئي قديم متداول عن أن هدف الانضواء في «الجمهورية الإسلامية» والتي يقودها »المرشد الأعلى»، «الولي الفقيه» (الخميني ثم الخامنئي)، نيابة عن صاحب الزمان وتحضيراً لظهوره المرتقب، يبقى هو الهدف الثابت، وإن تبدلت الأساليب، وتعدّل الخطاب، لتحقيقه.

في تلك المرحلة، كان علم «الجمهورية الإسلامية»، أي العلم الإيراني هو الذي يرفع وحيداً، ليعكس الجهد الإقصائي الذي اعتمده حزب الله إزاء من تواجد في سبيله، ليتفرّد قسراً أو يكاد بمقاومة الاحتلال الإسرائيلي، وليتشكّل مع مرور الأعوام، ومع النجاح في إرغام إسرائيل على الانسحاب من لبنان، الأساس لحضوره كالقوة المهيمنة على كامل الوطن.

المضمون المقاوم لنشاط حزب الله، في مواجهة احتلال شرس مهين، أتاح قدراً من الانتقال في التصور العام له في لبنان وما يتعداه من خانة الحزب العقائدي المتطفل على الطائفة الشيعية وعلى عموم لبنان، إلى الحزب الوطني المتزيي بالرداء العقائدي الديني بحكم الحاجة التعبوية ولإفلاس التوجهات القومية واليسارية.

غير أن حزب الله لم ينتقل من موقع المقاومة المسلحة الخارجة حكماً عن الإطار الاجتماعي السياسي العام في لبنان بعد انسحاب إسرائيل عام 2000، كما كانت تقتضيه المصلحة الذاتية، للحزب والطائفة التي ينشط فيها، والمصلحة الوطنية، بل أوجد الحزب بتكلّف واضح الحجة التي تسمح له بالاحتفاظ بسلاحه والمحافظة على تفرّده.

هذا التغليب، إذ هو استجابة جليّة للمصلحة الإيرانية، وضع حزب الله كحالة ناقضة للبنان بشكل تراكمي تصاعدي، سواء كان ذلك بناءاً على خطة متماسكة مسبقة أو على أساس انتهاز الفرص.

لبنان نشأ على أرضية إقطاعية طائفية كمشروع وطن لمواطنيه. تقدّمَ، تراجعَ،تلكّأ، اندفعَ، صَدَقَ، تكاذَبَ، ولكن الصيغة التي بقيت مُصانة وإن نظرياً كانت لبنان المواطَنة الحاضنة للتعددية والانفتاح. ربما قد تكون إحدى أفضل العبارات التي تختصر هذه الصيغة قول كريم بقرادوني ما معناه «نحن مسيحيون لبنانيون عرب، إن اصطدمت عروبتنا بلبنانيتنا، لبنانيتنا تغلب، وإن اصطدمت لبنانيتنا بمسيحيتنا، لبنانيتنا أيضاً تغلب».

ليس أن التغليب لمقام المواطنة في الهوية اللبنانية قد حقّق القدر الوافي من النجاح قبل حزب الله، ولكن التوجه على مدى العقود، رغم التشكيك، كان باتجاه ترسّخه. حتى الأحزاب القومية، النافية عند نشأتها لكينونة لبنان، لم تتمكن من استجماع العزم والتأييد لتجاهر بالتخلي عنه أيام سقوطه، أي في خضم الحروب التي اجتاحته بين العامين 1975 و1990.

كان من المفترض أن تكون «الجمهورية الثانية»، رغم أنها قامت منقوصة بفعل الاحتلال السوري، فرصة إقرار الهوية اللبنانية الواحدة، على أن استنثاء حزب الله، كقوة مسلحة طائفية المادة عقائدية الهوية، من أصول الاجتماع السياسي الوطني، أتاح المجال لتضخمّ الظاهرة، خلافاً لتوقعات من كانوا على اطمئنان واهم أن عقائدية الحزب وطائفيته عرضية، ودوره الوطني المقاوم هو الجوهري.

على مدى أكثر من عقدين من الزمن، في مرحلة ما بعد مقاومة الاحتلال، ضاعف حزب الله من حضوره ضمن الطائفة الشيعية التي انطلق منها باتجاهات شمولية، مادية ومعنوية، وضمن لبنان ككل، بشكل مشروع لا يبدو أنه تخلّى عن الرؤية التي كانت لها عند تأسيسه، ولكن مع إعادة تقديمها بشكل أقل قسوة.

الصيغة الملطّفة هي التي جاءت في كلام النائب محمد رعد في مرحلة سابقة عمّا طرأ من تبديل في صورة لبنان، من الملاهي إلى المقاومة، ومن الضعف إلى القوة.

لا يحوي الكلام المنقول أخيراً عن نائب أمين عام حزب الله، نعيم قاسم الجديد. هو أكّد أن لبنان قد اكتسب اعتباراً عالمياً بفعل المقاومة، وأن لبنان هذا، الذي تحسب له القوى الكبرى الحساب، هو الواقع المتحقق والدائم للوطن، فمن رضي به فليلتحق بخط المقاومة والكرامة، ومن لم يرضَ، فليبحث عن «حل آخر».

طبعاً، إذ كان لدى القوى الكبرى أجهزة تحسب لحزب الله حساب، فهي عينها المولجة بمكافحة الجريمة المنظمة وشبكات التهريب والاتجار بالمخدرات. أي لا مدعاة للعزة والتفاخر هنا.

ولكن المسألة ليست في محاججة نعيم قاسم أو محمد رعد أو حسن نصر الله. ولا هي في إقناع المتآلفين مع حزب الله، على غرار «التيار الوطني الحر»، الرئيس ميشال عون وصهره جبران باسيل، حيث الغالب هو المنطق الطائفي الطفولي الذي يصرّ على بقاء لبنان دون حرّاس أحراج في موسم الحرائق صوناً للمناصفة الضامنة وهماً لـ «حقوق المسيحيين».

جمهور المؤيدين لحزب الله من منطلق طائفي لا يهادن في موضوع «حقوق المسيحيين» هذه على منصات التواصل الاجتماعي، ساعة يتجرّأ بعض المعارضين، والكثير منهم من المسيحيين، على رفض مواقف نعيم قاسم.

حديث هذا الجمهور بالتالي يتأرجح بين تذكير المسيحيين وغيرهم أن نساءهم كن ليكنّ سبايا للدولة الإسلامية لولا حزب الله، وبين تنبيههم أنه يمكنهم مجدداً استدعاء بواخر الترحيل التي فاتتهم في مراحل سابقة. لسان حال هذا الجمهور أنه في نهاية المطاف الأكثرية هي التي تحكم وعلى الأقلية الرضوخ.

مجدداً، المسألة ليست في تفنيد هذه المزاعم والأقوال، لا من حيث فساد معطياتها ولا من حيث اعتلال ما تبنيه عليها.

والحدة في ردود الفعل لدى هذا الجمهور نابعة من أنها ليست وحسب إجابة على من ساءته أقوال نعيم قاسم، ولكنها اعتراض على ما هو خلف هذه الأقوال من تحقير خفي وإحالة للشيعة، بالصيغة الجماعية التأحيدية، إلى مصاف الهوية اللبنانية المنقوصة. كلام نعيم قاسم حول أن جمهور المقاومة هو من يشبه لبنان كان بدوره استعادة لتعبير إقصائي لدى معارضي حزب الله.

المسألة هي بالتالي، لحسم التنافس حول من يشبه لبنان هو بالاتفاق على ما هو لبنان. المسألة هنا لا تحتمل الخلاف المثري، ذلك أن التباري ليس على التوجه السياسي للحكومات اللبنانية المتعاقبة، أو على البرامج التنموية والاقتصادية والاجتماعية وغيرها. بل هو حول ما إذا كان على لبنان أن يكون «هانوي» أو «هونغ كونغ» (طبعاً هذا المثال والذي طرحه الزعيم الدرزي ورئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط في زمن غابر قد فقد اليوم دلالاته، إذ تكاد «هانوي» أن تصبح ما كانت عليه «هونغ كونغ» يومئذ، فيما «هونغ كونغ» تلتهمها الصين).

هل على لبنان التضحية والكفاح والانخراط بمواجهة ملحمية لإنقاذ نفسه والمنطقة من هجمة شريرة استعمارية جديدة، يراها البعض دون البعض الآخر، أم هل عليه المتابعة، المثابرة، العودة إلى السعي إلى تحقيق الوعد بأن يكون وطناً لمواطنيه، أسياداً أحراراً أقوياء بأنفسهم، لا منّة ولا ذمّة لأحد عليهم كي لا يقعوا أسرى وسبايا؟

إما هذا أو ذاك. وزعم الانتظار إلى ما بعد انفراج الأزمة لا يستقيم، لأن الأزمة، بكافة أوجهها، وإن لم تكن نشأت مع حزب الله، فإنها تفاقمت واستشرّت وتأصلّت معه.

الآفات التي يعاني منها لبنان كثيرة وتحتاج إلى حوار وطني صادق. حزب الله هو نقيض لبنان، من حيث النظرية ومن حيث الفعل. القرار بالاستمرار قدماً بالمقاومة بعد انتفاء الضرورة الموضوعية لها إثر انسحاب إسرائيل هو لحظة التأسيس لانهيار حتمي قادم للبنان. اغتيال الرئيس رفيق الحريري، الأرجح لأغراض تتجاوز لبنان، والمسؤولية مقرّرة قضائياً بحق حزب الله رغم التذاكي، بالإضافة إلى كونه جريمة كبرى، شكّل تسريعاً نوعياً للسير نحو الانهيار. استيعاب الطائفية الطفولية المتجسدة بعون وباسيل ومن هم على هواهما، وتدجين المراهقة السياسية لسعد الحريري ومن هم على شاكلته، حصّن المنظومة دون أن يكترث لطبيعتها الإهدارية القاضية بزوال لبنان. ثورة تشرين الأول قبل عامين كانت نفساً وطنياً لمنع هذا الزوال، تعرّض جلّه للإ والتشتيت لأسباب بعضها موضوعي وبعضها ذاتي.

إنقاذ لبنان لا يكون بمعالجة آفاته المزمنة وحسب، بل بإزالة النقيض الذي ارتاده، مضاعِفاً من أذى آفاته وحاكِماً عليه بالزوال لا محالة. لا بقاء للبنان مع سلاح حزب الله. ليس لأنه ثمة مؤامرة وحصار، ولا لأن قوى الشر تكالبت لاعتراض الحق، بل لأن ما يفرضه حزب الله على عموم اللبنانيين هو عقد ذمة يشترط الرضا بحياة الشظف والتضحية والشهادة. هو عقد لا ترتضيه الغالبية العظمى من اللبنانيين، والطامحة بأن يكون لبنان وفق الوعد وطناً يرتضون به للأجيال القادمة. ولا ينفع أن يتوهم أنصار الحزب بفعل فائض القوة الآني، أن الوضع آيل إلى استقرار، نتيجة الهجرة أو الرضوخ للأمر الواقع.

التناقض المتحقق بين لبنان وحزب الله يودي إلى أن أحدهما زائل لا محالة. ليت أنصار الحزب يتمثلون بمقولة كريم بقرادوني. ليت لبنانيتهم تغلب فئويتهم. وليت من يختلف منهم مع هذه القراءة يتقدم بنقد أو نقض لها، خارج الطعن والشتم والتجريح.

قصر العدل في روما الذي يضم مقر محكمة الاستئناف العليا في إيطاليا (أرشيف)
قصر العدل في روما الذي يضم مقر محكمة الاستئناف العليا في إيطاليا (أرشيف)

بفضل العمل في عدة مؤسسات بحثية دولية، قُيض لكاتب هذه السطور أن يزور العاصمة الإيطالية روما عدة مرات خلال السنوات الماضية. حيث، وخلال كل زيارة من تلك، كانت العلاقة التي تربط سكان المدينة الحاليين بالذاكرة والتاريخ الأقدم للمدينة مثار غرابة وإعجاب على الدوام. بالضبط من حيث ما هم عليه من غنى ووصال وفاعلية في علاقتهم من مدينتهم القديمة. 

كان يحدث ذلك، مقابل العوز والمتاركة والقطيعة التي كان كاتب هذه السطور عليها، في علاقته العقلية والوجدانية والثقافية مع الحاضرة التاريخية التي ولد وعاش بين ثناياها. هو المتأتي من مكان كان يوماً عاصمة إمبراطورية تاريخية كبرى، شبيهة بروما نفسها، من قرية موزان شمال شرقي سوريا، التي تضم رفاة مدينة أوركيش التاريخية، التي كانت عاصمة المملكة الحورية القديمة. 

فأبناء مدينة روما الحاليون، وبمختلف أجيالهم، يعيشون المدينة القديمة وكأنها شيء حاضر وحيوي في تفاصيل حياتهم الراهنة. كانت روما القديمة، ولا تزال، ذات وجود متدفق في روما الراهنة، وفي أكثر من مستوى: عمارتها القديمة جزء مشهدي لا يمكن غض الطرف عنه في كل تفاصيل المدينة الحالية، بما في ذلك داخل بيوت سكانها، وسيرة التوأمين اللذين أسسا المدينة كثيفة في الذاكرة الجمعية، ومرويات حُقب المدينة القديمة وحكاياتها الشهيرة ومراحل تحولها الرئيسية جزء من الآداب والمناهج التربوية التي تنتجها المدينة الحديثة. وإلى جانب ذلك، ثمة متاحف وتماثيل مرئية ومنتجات تقنية وأنواع كثيرة من الآداب والفنون التي يفرزها الحاضرون يوماً، مبنية كلها وذات علاقة وثيقة مع ما كانت عليه المدينة القديمة، حيث إن السكان الحاليون في باطن وعيم يتصورون أنفسهم كامتداد روحي وثقافي وتاريخي لما كانت عليه روما القديمة.  

يحدث كل ذلك، في وقت لا يعاني فيه سكان روما الحاليون مع أية مشكلة أو صِدام مع الحداثة، بكل منتجاتها وأدوات فعلها ونوعية التفكير وأشكل السلوك التي تنفرز عنها. بل على العكس تماماً، يبدو الحضور الكثيف للمدينة التاريخية وذاكرتها في حاضر السكان، وكأنه أهم مصادر الغنى والحيوية للسكان، ما لم نقل الثقة بالذات، التي تنتج ممرات للاعتراف بالآخر وفسحة لطراوة الوجدان والمخيلة، تلك الأشياء التي تمنح السكان الحاليين قوة وجدانية وعقلية للانخراط كل اشكال الحداثة.  

على الدفة الأخرى، فإن كاتب السطور لم يسبق له أن عرف شيئاً عن العاصمة التاريخية القديمة التي ولد، هو وأبوه وجده وكامل أفراد عائلته، على بُعد عدة مئات من الأمتار منها. لم يعرف حتى اسمها التاريخي ولا مؤسسها ولا الحاضرة والمضامين التي كانت عليه هذه المدينة التاريخية. ليس هو فحسب، بل كامل الفضاء الاجتماعي والثقافي والإنساني المحيط بذاك المكان، الذين كانت تلك الحاضرة على الدوام واحدة من أكبر مجاهيل الحياة وأكثرها غموضاً بالنسبة لهم. 

فما عرفته شخصياً عن هذه المدينة القديمة، وبعد سنوات كثيرة من العيش بالقرب منها والمرور اليومي بها، كان بفعل فضول استثنائي ومهني خاصٍ جداً، لم يكن متوفراً إلا للقليلين. تلك المدينة التي كانت حاضرة عمرانية وثقافية وتجارية طوال آلاف السنين، عاصمة للملكة الحورية لوقت طويل، ثم صارت جزءا من الفضاء السياسي والإنساني لممالك "أكاد" ومن بعدهم "ماري"، تحوي قصوراً ومعابداً وأسواقاً ونصوصاً وتماثيل ومنتجات تاريخية لا تُقدر بثمن، لها سيرة وتاريخ وشخصيات ومنتجات أدبية ودينية وثقافية هائلة، كانت يوماً منارة إنسانية لقرابة ربع العالم.   

كل ذلك كان مجهولاً كبيراً لكل البشر المحيطين بالمكان، ولا يزال. وحدهم أعضاء بعثات التنقيب الأجنبية كانوا يعرفون ما بداخل ذلك المكان/الحاضرة، هؤلاء الذين كانوا محاطين بسور فعلي وآخر أمني، يعملون بصمت داخل مكاتبهم، يستخرجون الآثار ويجرون الدراسات بلغاتهم الأجنبية، ولا يجدون وقتاً ومعنى لأن يشرحوا ويفسروا للسكان المحيطين ما يعثرون عليه ويكتشفونه داخل المدينة. حتى أن بعض السكان المحليين، الذين كانوا يعملون كعمال سخرة لدى أعضاء تلك البعثات، أنما كان ممنوعاً عليهم مسّ أي شيء تاريخي قد يجدونه أثناء عمليات النبش والتنقيب.  

لم تكن تلك القطيعة على المستوى المادي فحسب، فجهل السكان بالمكان ومحتوياته وسيرته، كان استعارة كبرى عن قطيعة هؤلاء مع التاريخ نفسه، وتالياً مع جزء من ذواتهم وخصائصهم، ككائنات تملك خاصية متمايزة عن باقي المخلوقات، على مستوى العلاقة مع الذاكرة والتاريخ الأبعد مما هو حاضر راهناً. وتالياً ككائنات خُلقت وراكمت مجموعة كبرى من المنتجات والذواكر والأفكار والقيم والآداب والتجارب، التي تشكل بمجموعها المصدر الأولي والدائم للثراء الإنساني.  

فما كان خاصاً بالبقعة التي نشأ فيها كاتب هذه السطور، كان يمتد لأن يكون ظاهرة عامة في كل مكان آخر. فكامل شمال شرق سوريا كان قائماً على بحر من الحواضر التاريخية القديمة، تحوي سهوبه كنوزاً من الآثار والمنتجات الإنسانية، لكنها جميعاً كانت عوالم مجهولة تماماً بالنسبة للسكان، غير حاضرة أو ذات معنى في الذاكرة الجمعية، لا يتم تداولها في المناهج التربوية وليس لها من قيمة في المنتجات الأدبية والثقافية والفنية والسياحية لأبناء المكان، ولا فاعلية لها في الضمير والمخيلة والعقل العام.  

يمتد ذلك الأمر ليشمل سوريا كلها، ومنها بنسب مختلفة لكل بلدان منطقتنا، الذين، ولغير صدفة، يعيشون صداماً ورفضاً للغالب الأعم من ظواهر ومنتجات الحداثة، المرابطين في خنادق المركزية والمحافظة والماضوية.  

من تلكم الثنائية، تبدو العلاقة الثنائية شديدة الوضوح، بين مجتمعات سائلة، تعتبر نفسها جزءا حيوياً من تاريخ قديم ومتقادم، منتج ومراكم لكل أنواع الثراء الإنساني، وأخرى تعتبر نفسها يتيمة، ولدت للتو كجيل أول ووحيد، ليس لها في التاريخ أي ثراء، خلا بعض حكايات الذكورة الرعناء، عن البطولة والحروب ومفاخرها، وتالياً لا تنتج إلا شيئاً واحداً: العصبيات الخالية من أية قيمة.