التظاهرات أمام القصر الجمهوري حملت هتافات رافضة لوجود البرهان
التظاهرات أمام القصر الجمهوري حملت هتافات رافضة لوجود البرهان

منذ أن قام الانقلاب على الأوضاع الدستورية في 25 أكتوبر الماضي، استمر قائد الجيش السوداني، عبد الفتاح البرهان، بكيل الاتهامات للحكومة الانتقالية والأحزاب السياسية، متهما الأخيرة بالسعي لتحقيق مصالحها الخاصة وتجاهل المشكلات التي تعاني البلاد.

وجاء أحدث هذه الاتهامات خلال مخاطبته لختام مشروع التدريب السنوي المشترك لوحدات الجيش بولاية نهر النيل الأسبوع الماضي، حيث قال إن "الصراعات القبلية التي تحدث الآن في أجزاء من البلاد تم توريثها في العامين الماضيين بسبب تكالب الأحزاب السياسية على المناصب وكراسي الحكم متناسية ما يدور في ربوع البلاد".

من المعلوم أن الصراعات بين القبائل ظلت موجودة في السودان منذ زمن طويل، وكانت أسبابها تتمثل في المظالم التاريخية وشح الموارد (الخلافات حول الأرض وبين الرعاة والمزارعين) وغيرها من الأسباب، ولكن طبيعة هذه الصراعات كانت محدودة وآثارها ليست كبيرة لأن السلاح المستخدم فيها لم يكن يتعدى السيف والسكين والعصي وبعض الأسلحة النارية البدائية، وقد كانت الإدارة الأهلية ممثلة في زعماء القبائل تتصدى لهذه الصراعات بمساعدة الحكومة بنجاح كبير يؤدي لتسويتها وفقا للأعراف السائدة.

وعندما استولى نظام جماعة الإخوان المسلمين على السلطة عبر الانقلاب العسكري في يونيو 1989، بدأ في تطبيق سياسة خطيرة تهدف إلى شق صف القبائل وتقسيم الإدارات الأهلية عبر استخدام المال وشراء الذمم واغراء السلطة، وقد ترافقت هذه السياسة مع اشتعال الحروب الأهلية في عدد من أقاليم السودان وما صاحبها من خطوات حكومية لصناعة المليشيات القبلية ومدها بالسلاح والأموال لخوض الحرب نيابة عن الدولة.

كما عمل النظام الإخواني على تقسيم السلطة السياسية وتوزيع المناصب في مختلف الولايات على أساس الانتماء القبلي من أجل كسب ولاء تلك القبائل، فضلا عن قيامه بإنشاء ولايات جديدة على أساس قبلي، كما حدث في دارفور حتى يضمن ذلك الولاء.

كذلك أدى الانتشار الواسع للسلاح بمختلف أنواعه الثقيلة والخفيفة في عدد من الولايات، وعلى رأسها ولايات إقليم دارفور، وهو الأمر الذي نتج في جزء كبير منه بسبب الحروب في دول الجوار، خاصة تشاد وليبيا، إلى مفاقمة طبيعة الصراعات القبلية، بحيث صارت أكثر دموية وتزايد أعداد ضحاياها بصورة غير مسبوقة.

من ناحية أخرى، وبعد سقوط النظام الإخواني وفشل شعاراته الدينية التي ظل يرفعها لمدة 30 عاما، لجأت الجماعة لاستخدام القبيلة كغطاء للعودة للعملية السياسية ولتنفيذ أجندتها التخريبية الهادفة لعرقلة مسيرة الحكومة وإجهاض الانتقال الديمقراطي، وهو الأمر الذي يفسر في جزء كبير منه الاقتتال غير المسبوق بين قبائل ظلت تتعايش بشكل سلمي لأزمان طويلة في ولايات مثل نهر النيل والبحر الأحمر وغيرها.

ورثت حكومة الثورة هذه التركة المثقلة من الحروب الأهلية المتضمنة لنزاعات قبلية، وسعت، منذ يومها الأول، لإيجاد حلول ناجعة لها عبر مخاطبة أسبابها الحقيقية، وقد نتج عن ذلك التوصل لاتفاق سلام مع غالبية الحركات الحاملة للسلاح، مما اعتبر خطوة أولى كبرى لمعالجة بقية المشاكل.

وقد كان من بين أهم بنود اتفاق السلام هو ذلك البند المسمى "الترتيبات الأمنية" والمتعلق بدمج قوات الحركات المسلحة في الجيش السوداني، حيث تشرف قيادة الأخير على ملف إدارة هذا البند مع الحركات الموقعة على اتفاق السلام بصورة كاملة. 

وظلت الحركات المسلحة تشكو من البطء في تنفيذ الترتيبات الأمنية، حيث اتهمت المكون العسكري في الحكومة الانتقالية، والذي يرأسه الفريق البرهان، بشكل صريح، بالمماطلة في تنفيذ هذا البند بهدف تعقيد المشهد العسكري وتخريب السلام.

ويعتبر التأخير في تنفيذ الترتيبات الأمنية، وهو كما ذكرنا مسؤولية الجيش والمكون العسكري في الحكومة، أحد الأسباب الرئيسية وراء الاضطرابات الأمنية التي تشهدها ولايات دارفور، ويرتبط ارتباطاً عضويا بتزايد النزاعات القبلية التي يدعي قائد الجيش أن الأحزاب والحكومة التنفيذية هي السبب وراءها.

وقبل وقوع الانقلاب العسكري، بذلت الحكومة الانتقالية التي شاركت فيها الأحزاب جهودا مقدرة لوقف الاقتتال القبلي، وهو الأمر الذي شهد به رئيس بعثة الأمم المتحدة المتكاملة للمساعدة في الفترة الانتقالية في السودان (يونيتامس)، فولكر بيرتس، في إحاطته أمام مجلس الأمن يوم 10 ديسمبر الجاري.   

قال فولكر: "وتظل التوترات المتنامية بين القبائل في دارفور ومناطق أخرى من البلد مصدرا للقلق. وبينما تمكنت الحكومة الانتقالية، قبل الانقلاب، من إحراز بعض التقدم في التصدي للعنف القبلي من خلال جهود الوساطة، لا يزال المدنيون معرضين لهذا الخطر".

وأضاف: "وكانت الحكومة الانتقالية قد بذلت، قبل الانقلاب، بعض الجهود لمعالجة الشواغل المتعلقة بالحماية والأمن في إطار مسؤوليتها الرئيسية عن حماية المدنيين. حيث تحسن معدل التدابير المتخذة للتصدي للعنف ضد المدنيين، بإجراء تحقيقات واعتقالات للمسؤولين المزعومين بشأن 19 حادثا".

يبدو جليا من الشهادة الأممية أعلاه، أن الحكومة الانتقالية سعت للتصدي للصراعات القبلية التي ورثتها من النظام البائد والتي لعبت عوامل عديدة في تغذيتها واستمرارها، مما ينفي عنها تهمة تجاهل المشكلة التي ألصقها بها قائد الجيش في خطابه لجنوده، وهو خطاب ظل يكرره المكون العسكري طوال فترة الانتقال من أجل تحميل الجانب المدني وزر كل المشكلات التي تواجهها البلاد.

ويتضح من السرد أعلاه أن القوات النظامية، وفي مقدمتها الجيش، تتحمل المسؤولية حول ازدياد نطاق النزاعات القبلية بذات القدر الذي يتحملها به المكون المدني، فالعسكر موجودون في قمة هرم السلطة، وهم الجهة المسؤولة عن إكمال بند الترتيبات الأمنية الذي من شأنه تخفيف حدة هذه الصراعات عبر بسط الأمن في ربوع الولايات المتضررة وعلى رأسها ولايات دارفور.

ويبقى الحل الأخير للصراعات القبلية متعلقاً بمخاطبة أسبابها الحقيقية وفي مقدمتها غياب التنمية، وهو الأمر الذي يرتبط ارتباطاً وثيقا باستكمال عملية السلام، وتحقيق التحول المدني، الذي من شأنه تمهيد الطريق لدولة المواطنة والديمقراطية المستدامة التي تضع البلاد في مسار التنمية الشاملة.    

المسار الحالي للصراع يسير بشكل أفضل بالنسبة لأوكرانيا منه بالنسبة لروسيا
المسار الحالي للصراع يسير بشكل أفضل بالنسبة لأوكرانيا منه بالنسبة لروسيا

يصادف الجمعة (24 فبراير) مرور عام كامل على الحرب الروسية ضد أوكرانيا. ولمن يريد التذكّر فقد كان هدف هذه الحرب التي أمر الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، بشنها وسماها عملية عسكرية خاصة، كان هو إخضاع أوكرانيا عبر احتلال عاصمتها كييف ومدنها الكبرى، وإسقاط حكومتها، وتنصيب أخرى موالية لموسكو، ونزع سلاح الجيش الأوكراني، واعتقال المئات وربما الآلاف من القوميين الأوكرانيين المناوئين لروسيا وقتلهم أو محاكمتهم. 

وللتذكير أيضا فإن أيا من هذه الأهداف لم يتحقق. والفضل في ذلك يعود إلى جملة من العوامل أهمها صمود الأوكرانيين والأداء السيء للجيش الروسي، ومسارعة حكومات الدول الأوروبية والولايات المتحدة إلى تقديم العون والمساعدة للحكومة الأوكرانية.

بعبارة أخرى هذه الحرب لم تفشل فقط في تحقيق أي من أهدافها، ولكنها كانت كارثية على روسيا بجميع المعايير. 

لنتذكر أن مبرر موسكو لخوض هذه الحرب كان هو الخشية من انضمام أوكرانيا إلى حلف الناتو، وبالتالي وصول الحلف إلى حدودها الغربية مباشرة.

ولكن بعد عام من الحرب فإن دولتين أصبحتا قاب قوسين أو أدني من عضوية الناتو، وهما فنلندا والسويد، والأولى تجمعها حدود مباشرة مع روسيا. فهذه الحرب التي أرادت روسيا أن تبعد من خلالها الناتو عن حدودها، هي التي جلبت في الواقع الحلف إليها، في حين أن انضمام أوكرانيا لم يكن أمرا محتما.

يظل بالطبع "الإنجاز" الأكبر للحرب على أوكرانيا هو في تغيير نظرة الأوروبيين لأمنهم وأيضا لعلاقتهم بروسيا. 

هناك من المحللين من يبدي استغرابا من المواقف الأوروبية الحازمة تجاه روسيا ويتصورون خطأ أنها تأتي انصياعا للإرادة الأميركية، ولكن الحقيقة هي أن الغزو الروسي لأوكرانيا شكل تهديدا هو الأبرز من نوعه للقارة الأوروبية منذ الحرب العالمية الثانية. 

وتشعر العديد من الدول الأوروبية بانكشاف أمني بسبب هذه الحرب وتداعيتها. 

وجاء في تقرير أمني سنوي للاستخبارات العسكرية السويدية أن "المخاطر الأمنية على السويد زادت وأصبحت التهديدات للسويد أوسع وأكثر تعقيدا".

كما اعتبرت أن الوضع الأمني حاليا في أوروبا وفي المنطقة السويدية المحاذية "الأسوأ منذ بداية الثمانينيات على الأقلّ".

لكن أجهزة الأمن والاستخبارات العسكرية السويدية اعتبرت في تقريرها أن الوضع "ازداد أماناً" في السويد منذ إرسال طلب انضمامها إلى حلف شمال الأطلسي، وتلقيها ضمانات ثنائية بشأن الأمن من عدة دول، بانتظار العضوية.

الواقع أن الغزو الروسي أحدث حالة من الصدمة العنيفة التي ستظل تؤرق الأوروبيين إلى فترة طويلة قادمة. 

ولذلك لم يكن صدفة أن يخصص مؤتمر ميونيخ للأمن الحيز الأكبر من تركيزه على هذه الحرب. 

وفي هذا المؤتمر قال المستشار الألماني، أولاف شولتز، إنه يجب أن يدرك الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، أن أوروبا الآن موحدة أكثر من أي وقت مضى. في حين قال الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، إن الحلفاء الغربيين جاهزون لنزاع طويل الأمد في أوكرانيا، وإن "الوقت الآن ليس للحوار أو التفاوض، فقد اختارت روسيا الحرب ويجب مواجهتها".

والتشدد الأوروبي تجاه روسيا ليس منفصلا عن الموقف الأميركي الحازم من غزو أوكرانيا.

وتدرك الإدارة الأميركية أن الغزو الروسي ليس مجرد نزاع على الأراضي، ولكنه في العمق منه تهديد وجودي لأوروبا ومحاولة إخضاعها من جهة ومن جهة أخرى إرساء قواعد دولية جديدة يمكن فيها للدول الكبيرة والقوية أن تعبث بالخرائط والحدود كيفما شاءت.  

لذلك اختارت الولايات المتحدة الوقوف مع أوكرانيا حتى النهاية. ولعل الزيارة التي قام بها الرئيس بايدن لكييف هي إشارة قوية ولافتة على المدى الذي يمكن أن تذهب إليه الإدارة الأميركية في التصدي للغزو الروسي.

يبقى القول بأن النهاية العسكرية لهذه الحرب قد لا تكون قريبة، وإن حدوث تغيير سياسي داخل روسيا ربما يظل الخيار الأكثر ملائمة والأقل كلفة، لكن إذا كان ثمة أمل في حدوث مثل هذا التغيير، فهو لن يتم عبر التفاوض مع موسكو أو الضغط على الحكومة الأوكرانية للقبول بالوضع الراهن، وإنما على العكس من ذلك تماما، هو سيتم عبر التمسك بالسياسة الحالية والمتمثلة في تزويد أوكرانيا بما تحتاجه من معدات عسكرية ودعم سياسي ودولي وفي الوقت نفسه فرض المزيد من العقوبات على روسيا وإحكام عزلها. هذه السياسة هي التي ستنضج في الأخير نهاية مقبولة لهذه الحرب.