مصر - سياحة - أهرامات الجيزة
مصر - سياحة - أهرامات الجيزة

أثارت قضية الفتاة الأوكرانية بمصر جدلاً شديداً بين العديد من الناس وعلى شبكات التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام المختلفة. 

وأدلى الكثيرون بآرائهم بين مؤيد ومعارض لتصويرها وهي في شرفة منزلها بالمايوه البيكيني وإبلاغ الشرطة بعد ذلك عنها وكأنها فعلت جريمة، بدلاً من معاقبة من تلصص عليها بالمنظار والعدسات المكبرة وهي في شرفة بيتها ومن مسافة أكثر من 200 متر!

والشيء العجيب فيما حدث أن من تلصص على هذه الفتاة في شرفتها الخاصة قد يتلصص أيضاً على أي رجل وزوجته في مصر وهم جالسين في شرفة منزلهم، وقد يكبر صورة وجه زوجته وهي بالحجاب (مثلاً) ويستخدمها لأغراض غير مقبولة بعد أن يغيرها على برنامج "فوتوشوب" المعروف. 

هؤلاء الذين  صفقوا لمن قامت بتصوير الفتاة الأوكرانية اليوم قد يجدون صور زوجاتهم وبناتهم أو أمهاتهم في أوضاع قد تكون مخجلة على الإنترنت.

فمن تعدى على "خصوصية" الفتاة الأوكرانية في منزلها اليوم قد يتعدى على خصوصية أي شرفة منزل في أرض مصر غداً. فهل يقبل الناس ذلك؟

والآن دعونا نحلل ما حدث من عدة زوايا لندرك كم الجرائم المرتكبة ممن تلصص واقتحم  خصوصية شرفات منازل جيرانه وقام بتصوير ونشر الصور.

أولاً، جريمة أخلاقية: من المبادئ التاريخية الراسخة في الضمير البشري والإنساني، هو أن تعامل الآخرين كما تحب أن يعاملوك. 

ففي هذه الحالة مثلاً علينا أن نتساءل: هل يقبل من دعم التلصص والتصوير نفس الشيء؟ أي أن يصور أحد زوجتَه ويتلصص عليها بالمنظار المكبر وهي في شرفة منزلها حتى لو كانت بكامل ملابسها؟ هل يقبل أحد هذا؟

ثانياً، جريمة دينية، إذ ينهى القرآن الكريم بوضوح في محكم آياته عن التجسس على الآخرين كما جاء في الآية الكريمة: "ولا تجسسوا" (سورة الحجرات آية 12). فما حدث مع الفتاة الأوكرانية جريمة في عرف القرآن. 

وقد يسأل البعض: وماذا على الجار أن يفعل إن رأى سيدة بالمايوه في شرفة منزلها؟ والرد بسيط للغاية، عليه أن يغض بصره، كما قالت الآية: " قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ " (سورة النور آية 30) 

وعليه ألا يحضر منظاراً مكبراً ليتلصص عليها ويراها بصورة أوضح حتى لا يطبق عليه بعض السلفيين المتطرفين الحديث الذي يقول: "من اطلع في بيت قوم بغير إذنهم فقد حل لهم أن يفقؤوا عينه" (رواه مسلم عن أبي هريرة).

ثالثاً، جريمة قانونية، يقول البعض: كيف لسيدة أن تقف في شرفة منزلها بهذا اللبس أو الزي، أليس هذا انتهاكا لحرمة الشارع؟ أو كما يسمونها "أفعال تخدش الحياء في مكان عام".

وردي ببساطة هنا هو أن "خدش الحياء" كلمة مطاطة فقد تقول امرأة منقبة عن  سيدة أو فتاة محجبة تمشي في الشارع أنها "تخدش الحياء العام"، لأنها تُظهِروجهها أمام الرجال بهدف إغرائهم في مكان عام.

أما الأمر الآخر في هذا المضمار، هو: هل الشرفة مكان عام؟ إن كان الأمر كذلك فهل يسمح من يقولون بهذا الرأي أن يصر بعض الشباب على الدخول إلى شرفة منزلهم أو باللغة العامية "بلكونتهم" بالقوة لأنها "مكان عام" فلا يحق لأصحاب المنزل، بناء على هذا الرأي، منعهم من الدخول إليه؟

الحل ببساطة لكل من يرى منظَراً يراه هو أو هي "مخلاً بالآداب" أن يغض بصره ولا يتلصص عليه بعينيه ولا  بمنظار مكبر!

رابعاً، جريمة سياسية، فما حدث للفتاة الأوكرانية يشوه صورة مصر أمام العالم ويجعلها في وضع محرج ويصور شعبها بأنهم همج لا أمان لهم، رغم اعتراض الكثيرين على ما حدث ورفضهم له.

ومن  المواقف الرائعة في رفض ما حدث، موقف الدكتور خالد منتصر، الكاتب والطبيب المعروف ورفضه لما حدث في حديثه للإعلامي، عمرو أديب، في برنامج "الحكاية".

وأيضاً موقف الشيخ إبراهيم رضا، وهو من علماء الأزهر الشريف، والذي قال صراحة إن المجرم الحقيقي في واقعة تصوير السائحة الأواكرانية في شرفة منزلها، هو من صور و"شيَّر" (نشر التصوير).   

خامساً، جريمة إقتصادية، لا يخفى على أحد عاقل أن تناقُل وسائل الإعلام لما حدث ونشره على شبكات التواصل الاجتماعي قد يقلل من رغبة بعض السائحين في زيارة مصر مما قد ينعكس سلبياً على الاقتصاد المصري، والذي تعتبر السياحة فيه ركناً رئيسياً في الدخل القومي.

وباختصار شديد، فإن ما حدث مع الفتاة الأوكرانية هو جريمة بكل المقاييس. ولكن الجريمة لم تكن جريمة الفتاة أن وقفت في شرفة منزلها للحظات بحريتها. ولم تكن جريمتها أنها لم تتوقع أن هناك من جيرانها الذين تأتمنهم من يرصدها عن بعد بمنظار مكبر. 

ولكن الجريمة الحقيقية هي جريمة من تلصص عليها وهي في بيتها وجريمة كل من دعم هذا التجسس على الآخرين وأباحه.

قال هاني سامح، المحامي المتقدم ببلاغ للنائب العام ضد مصور فيديو الفتاة الأوكرانية، إن تصوير السائحة بهذا الشكل يمثل إساءة لمصر الحداثة والحضارة، مشيرا إلى أن مصور الفيديو صدّر صورة بأننا دولة رجعية.

وأضاف، خلال مداخلة هاتفية ببرنامج "آخر النهار" مع الدكتور محمد الباز، المُذاع على قناة "النهار"، أن مصر منارة للحداثة والدولة بح صوتها في تطوير التعليم والمناهج وتنقية الفكر والتنوير، ومع هذا التطوير شخص يقوم بالاعتداء على حرمة الحياة الخاصة للأشخاص ويصور ويتلصص على الناس ويكبر الصورة بشكل غريب. 

وتابع: "في القضية دي عندنا جريمتين، الأولى، الاعتداء على حرمة الحياة الخاصة في أماكن خاصة ودي عقوبتها الحبس 3 سنوات، والجريمة الثانية، الاعتداء على حرمة الحياة الخاصة إلكترونيا ودي عقوبتها الحبس 3 سنوات، وتقدمت ببلاغ للنائب العام ضد المصور، لأن المحاماة مهنة تدافع عن الحقوق والحريات للمواطنين، وكمحام، لي صفة في الدفاع عن الحريات العامة".
 

قصر العدل في روما الذي يضم مقر محكمة الاستئناف العليا في إيطاليا (أرشيف)
قصر العدل في روما الذي يضم مقر محكمة الاستئناف العليا في إيطاليا (أرشيف)

بفضل العمل في عدة مؤسسات بحثية دولية، قُيض لكاتب هذه السطور أن يزور العاصمة الإيطالية روما عدة مرات خلال السنوات الماضية. حيث، وخلال كل زيارة من تلك، كانت العلاقة التي تربط سكان المدينة الحاليين بالذاكرة والتاريخ الأقدم للمدينة مثار غرابة وإعجاب على الدوام. بالضبط من حيث ما هم عليه من غنى ووصال وفاعلية في علاقتهم من مدينتهم القديمة. 

كان يحدث ذلك، مقابل العوز والمتاركة والقطيعة التي كان كاتب هذه السطور عليها، في علاقته العقلية والوجدانية والثقافية مع الحاضرة التاريخية التي ولد وعاش بين ثناياها. هو المتأتي من مكان كان يوماً عاصمة إمبراطورية تاريخية كبرى، شبيهة بروما نفسها، من قرية موزان شمال شرقي سوريا، التي تضم رفاة مدينة أوركيش التاريخية، التي كانت عاصمة المملكة الحورية القديمة. 

فأبناء مدينة روما الحاليون، وبمختلف أجيالهم، يعيشون المدينة القديمة وكأنها شيء حاضر وحيوي في تفاصيل حياتهم الراهنة. كانت روما القديمة، ولا تزال، ذات وجود متدفق في روما الراهنة، وفي أكثر من مستوى: عمارتها القديمة جزء مشهدي لا يمكن غض الطرف عنه في كل تفاصيل المدينة الحالية، بما في ذلك داخل بيوت سكانها، وسيرة التوأمين اللذين أسسا المدينة كثيفة في الذاكرة الجمعية، ومرويات حُقب المدينة القديمة وحكاياتها الشهيرة ومراحل تحولها الرئيسية جزء من الآداب والمناهج التربوية التي تنتجها المدينة الحديثة. وإلى جانب ذلك، ثمة متاحف وتماثيل مرئية ومنتجات تقنية وأنواع كثيرة من الآداب والفنون التي يفرزها الحاضرون يوماً، مبنية كلها وذات علاقة وثيقة مع ما كانت عليه المدينة القديمة، حيث إن السكان الحاليون في باطن وعيم يتصورون أنفسهم كامتداد روحي وثقافي وتاريخي لما كانت عليه روما القديمة.  

يحدث كل ذلك، في وقت لا يعاني فيه سكان روما الحاليون مع أية مشكلة أو صِدام مع الحداثة، بكل منتجاتها وأدوات فعلها ونوعية التفكير وأشكل السلوك التي تنفرز عنها. بل على العكس تماماً، يبدو الحضور الكثيف للمدينة التاريخية وذاكرتها في حاضر السكان، وكأنه أهم مصادر الغنى والحيوية للسكان، ما لم نقل الثقة بالذات، التي تنتج ممرات للاعتراف بالآخر وفسحة لطراوة الوجدان والمخيلة، تلك الأشياء التي تمنح السكان الحاليين قوة وجدانية وعقلية للانخراط كل اشكال الحداثة.  

على الدفة الأخرى، فإن كاتب السطور لم يسبق له أن عرف شيئاً عن العاصمة التاريخية القديمة التي ولد، هو وأبوه وجده وكامل أفراد عائلته، على بُعد عدة مئات من الأمتار منها. لم يعرف حتى اسمها التاريخي ولا مؤسسها ولا الحاضرة والمضامين التي كانت عليه هذه المدينة التاريخية. ليس هو فحسب، بل كامل الفضاء الاجتماعي والثقافي والإنساني المحيط بذاك المكان، الذين كانت تلك الحاضرة على الدوام واحدة من أكبر مجاهيل الحياة وأكثرها غموضاً بالنسبة لهم. 

فما عرفته شخصياً عن هذه المدينة القديمة، وبعد سنوات كثيرة من العيش بالقرب منها والمرور اليومي بها، كان بفعل فضول استثنائي ومهني خاصٍ جداً، لم يكن متوفراً إلا للقليلين. تلك المدينة التي كانت حاضرة عمرانية وثقافية وتجارية طوال آلاف السنين، عاصمة للملكة الحورية لوقت طويل، ثم صارت جزءا من الفضاء السياسي والإنساني لممالك "أكاد" ومن بعدهم "ماري"، تحوي قصوراً ومعابداً وأسواقاً ونصوصاً وتماثيل ومنتجات تاريخية لا تُقدر بثمن، لها سيرة وتاريخ وشخصيات ومنتجات أدبية ودينية وثقافية هائلة، كانت يوماً منارة إنسانية لقرابة ربع العالم.   

كل ذلك كان مجهولاً كبيراً لكل البشر المحيطين بالمكان، ولا يزال. وحدهم أعضاء بعثات التنقيب الأجنبية كانوا يعرفون ما بداخل ذلك المكان/الحاضرة، هؤلاء الذين كانوا محاطين بسور فعلي وآخر أمني، يعملون بصمت داخل مكاتبهم، يستخرجون الآثار ويجرون الدراسات بلغاتهم الأجنبية، ولا يجدون وقتاً ومعنى لأن يشرحوا ويفسروا للسكان المحيطين ما يعثرون عليه ويكتشفونه داخل المدينة. حتى أن بعض السكان المحليين، الذين كانوا يعملون كعمال سخرة لدى أعضاء تلك البعثات، أنما كان ممنوعاً عليهم مسّ أي شيء تاريخي قد يجدونه أثناء عمليات النبش والتنقيب.  

لم تكن تلك القطيعة على المستوى المادي فحسب، فجهل السكان بالمكان ومحتوياته وسيرته، كان استعارة كبرى عن قطيعة هؤلاء مع التاريخ نفسه، وتالياً مع جزء من ذواتهم وخصائصهم، ككائنات تملك خاصية متمايزة عن باقي المخلوقات، على مستوى العلاقة مع الذاكرة والتاريخ الأبعد مما هو حاضر راهناً. وتالياً ككائنات خُلقت وراكمت مجموعة كبرى من المنتجات والذواكر والأفكار والقيم والآداب والتجارب، التي تشكل بمجموعها المصدر الأولي والدائم للثراء الإنساني.  

فما كان خاصاً بالبقعة التي نشأ فيها كاتب هذه السطور، كان يمتد لأن يكون ظاهرة عامة في كل مكان آخر. فكامل شمال شرق سوريا كان قائماً على بحر من الحواضر التاريخية القديمة، تحوي سهوبه كنوزاً من الآثار والمنتجات الإنسانية، لكنها جميعاً كانت عوالم مجهولة تماماً بالنسبة للسكان، غير حاضرة أو ذات معنى في الذاكرة الجمعية، لا يتم تداولها في المناهج التربوية وليس لها من قيمة في المنتجات الأدبية والثقافية والفنية والسياحية لأبناء المكان، ولا فاعلية لها في الضمير والمخيلة والعقل العام.  

يمتد ذلك الأمر ليشمل سوريا كلها، ومنها بنسب مختلفة لكل بلدان منطقتنا، الذين، ولغير صدفة، يعيشون صداماً ورفضاً للغالب الأعم من ظواهر ومنتجات الحداثة، المرابطين في خنادق المركزية والمحافظة والماضوية.  

من تلكم الثنائية، تبدو العلاقة الثنائية شديدة الوضوح، بين مجتمعات سائلة، تعتبر نفسها جزءا حيوياً من تاريخ قديم ومتقادم، منتج ومراكم لكل أنواع الثراء الإنساني، وأخرى تعتبر نفسها يتيمة، ولدت للتو كجيل أول ووحيد، ليس لها في التاريخ أي ثراء، خلا بعض حكايات الذكورة الرعناء، عن البطولة والحروب ومفاخرها، وتالياً لا تنتج إلا شيئاً واحداً: العصبيات الخالية من أية قيمة.