التبني محصور بغير المسلمين في لبنان وجائزاً في تونس
الإسلام حرّم التبني.

من الممارسات والاختيارات الإنسانية الأكثر نبلا، اختيارُ التبني. أن يختار شخص أو زوجان تبني طفل يتيم أو متخلى عنه، واحتضانه ليصبح ابنهما\ابنتهما، هو اختيار رائع وجميل؛ لأنه يوفر حضن الأسرة لطفل حرم منها، ويوفر إحساس الأمومة والأبوة لشخص أو زوجين حرما منه وهما راغبين فيه (هذا دون الحديث عن الأسر التي لديها أبناء بيولوجيون، لكنها ترغب في احتضان أطفال متخلى عنهم بدافع إنساني محض!).

لكن، في ثقافتنا ومرجعيتنا التشريعية، تم تحريم التبني منذ واقعة زواج النبي من زينب بنت جحش؛ رغم أن النبي محمد، في وقت سابق، كان قد أعلن رسميا عن بنوة زيد له ورغم أن هذا الأخير اختار أبوة محمد بن عبد الله، حتى وقد تعرف على والده البيولوجي...  لن نعود هنا لتفاصيل واقعة زيد وزينب، لكننا نحتاج ربما أن نتوقف قليلا عند توابعها. 

بعد هذا الواقعة، تم تعويض التبني بالكفالة في التشريعات الإسلامية. الكفالة، رغم إيجابياتها (المحدودة)، إلا أنها تحرم الأطفال المتكفل بهم من عدد من الحقوق. أكثر من ذلك، فالوصم المجتمعي يلاحق الأطفال المتكفل بهم باعتبارهم "أبناء زنى". لنتخيل أننا، كمجتمعات، نحمل طفلا مسؤولية العلاقة الجنسية بين والديه، ثم نقرأ بكل ثقة وبدون أدنى إحساس بالتناقض آية: "ولا تزر وازرة وزر أخرى"!  فهل مثلا نعتبر أننا، كأبناء لعلاقة معترف بها دينيا وقانونيا، حققنا إنجازا؟ أم أنها الصدفة فقط؟ وهل هذا يفترض أن يمنحنا امتيازا معينا، مقارنة مع الأطفال المولودين خارج إطار الزواج؟

للأسف، فلهذا الموقف جذور فقهية، لأن عددا من الفقهاء يعتبرون أن الطفل المولود خارج الزواج، يحمل في جيناته الشر كطبيعة أصيلة. جاء في الحديث الذي صححه ابن القيم والألباني: "ولد الزنا شر الثلاثة"، يعني أكثر شرا من والديه. كما يرى ابن القيم في "الروض المنيف" أن هذا الحديث محمول على أن غالب أولاد الزنا يكون فيهم شر لأنهم يتخلقون من نطف خبيثة، والنطفة الخبيثة لا يتخلق منها طيب في الغالب.

هذا ليس كل شيء، لأن الآراء الفقهية تعتبر أن الأسرة إن تكفلت بطفلة، فسيكون على الطفلة أن تتحجب بحضور والدها وإخوانها الذكور بعد البلوغ، لأنها غريبة عن الأسرة (حتى لو نشأت في تلك الأسرة منذ أيامها وأسابيعها الأولى)؛ كما يفضل أن ترضعها أخت الأب، حتى تحرم عليه!!!!  

بمعنى أن علاقة البنوة لا تؤسَّس بناء على تربية ذلك الأب لطفلته وعلاقة الأبوة التي ستربط بينهما، بل فقط لأن أخته سترضعها! حتى نظرته لها كابنته، فلا أهمية لها، لأنها غدا ستتحول لرغبة في المعاشرة أو الزواج، ما لم ترضعها أخته. فأيهما أقوى إنسانيا: تربيته لها، أم إرضاع أخته لها؟ وهذا، للأسف، منطق معظم الفقهاء في معظم المذاهب. 

نفس الآراء الفقهية تعتبر أن الأسرة إذا تكفلت بطفل ذكر، فهذا يعني أن أمه سيكون عليها التحجب بحضرته حين يصير راشدا... لأنه غريب عنها!

هذه الآراء الفقهية تلغي كل المشاعر الإنسانية وتنفي أن علاقات البنوة والأمومة والأبوة، تنبني إنسانيا داخل كنف الأسرة، سواء كانت متكفلة أو لا؛ وأن الروابط العاطفية بين الأطفال المتكفل بهم وآبائهم وأمهاتهم لا تعترف بالدم وإنما بالمشاعر والعواطف. هل مثلا، إذا اكتشف أحدكم غدا أن أمه التي ربته ليست أمَّه البيولوجية، هل ستتغير مشاعره اتجاهها؟ هل، إذا اكتشفت إحداكن أن أباها الذي نشأت بين أحضانه ليس أباها البيولوجي، هل ستتخيل احتمال زواج بينهما، أم أنه يبقى أباها بالمشاعر والعواطف الإنسانية؟ 

لكن الفقهاء، للأسف، يؤسسون كل التصورات والأحكام بناء على الرغبة الجنسية المحتملة لا غير!

أكثر من ذلك، فالأطفال المتكفل بهم يحرمون من عدد من الحقوق، في إطار قوانين تمنعهم من الحصول على الاسم العائلي للأب داخل الأسرة المتكفلة. فمثلا، لا يمكن للطفل المتكفل به أن يستفيد من التأمين الصحي للأسرة، ولا في أي انخراط في نادي أو مركز ثقافي مثلا، تستفيد منه الأسرة؛ لأنه، رسميا، ليس فردا من الأسرة... حتى لو كانت الأسرة قد احتضنته لسنوات وحتى لو كانت العلاقة علاقة أسرية وطيدة. 

لقد حان الوقت ربما لكي نراجع عددا كبيرا من تصوراتنا نحو مفهوم الكفالة والأطفال المولودين خارج الزواج. حان الوقت لكي نقتنع أن الطفل... طفلٌ، مهما كان الإطار الذي جاء من خلاله للدنيا. حان الوقت لكي نقتنع بأن الكفالة في صيغتها الحالية (والتبني في صيغته المطلقة التي أتمنى أن يشرعن لها القانون في مجتمعاتنا) هي من أجمل الاختيارات الإنسانية التي تجعل طفلا يجد الحضن الأسري؛ وأبوان (أو أمهات فقط، في البلدان التي تتيح الكفالة للسيدات، كما في حالة المغرب ومصر مثلا) يجدون حضن طفل تمنوه وحرمتهم منه الطبيعة!

قصر العدل في روما الذي يضم مقر محكمة الاستئناف العليا في إيطاليا (أرشيف)
قصر العدل في روما الذي يضم مقر محكمة الاستئناف العليا في إيطاليا (أرشيف)

بفضل العمل في عدة مؤسسات بحثية دولية، قُيض لكاتب هذه السطور أن يزور العاصمة الإيطالية روما عدة مرات خلال السنوات الماضية. حيث، وخلال كل زيارة من تلك، كانت العلاقة التي تربط سكان المدينة الحاليين بالذاكرة والتاريخ الأقدم للمدينة مثار غرابة وإعجاب على الدوام. بالضبط من حيث ما هم عليه من غنى ووصال وفاعلية في علاقتهم من مدينتهم القديمة. 

كان يحدث ذلك، مقابل العوز والمتاركة والقطيعة التي كان كاتب هذه السطور عليها، في علاقته العقلية والوجدانية والثقافية مع الحاضرة التاريخية التي ولد وعاش بين ثناياها. هو المتأتي من مكان كان يوماً عاصمة إمبراطورية تاريخية كبرى، شبيهة بروما نفسها، من قرية موزان شمال شرقي سوريا، التي تضم رفاة مدينة أوركيش التاريخية، التي كانت عاصمة المملكة الحورية القديمة. 

فأبناء مدينة روما الحاليون، وبمختلف أجيالهم، يعيشون المدينة القديمة وكأنها شيء حاضر وحيوي في تفاصيل حياتهم الراهنة. كانت روما القديمة، ولا تزال، ذات وجود متدفق في روما الراهنة، وفي أكثر من مستوى: عمارتها القديمة جزء مشهدي لا يمكن غض الطرف عنه في كل تفاصيل المدينة الحالية، بما في ذلك داخل بيوت سكانها، وسيرة التوأمين اللذين أسسا المدينة كثيفة في الذاكرة الجمعية، ومرويات حُقب المدينة القديمة وحكاياتها الشهيرة ومراحل تحولها الرئيسية جزء من الآداب والمناهج التربوية التي تنتجها المدينة الحديثة. وإلى جانب ذلك، ثمة متاحف وتماثيل مرئية ومنتجات تقنية وأنواع كثيرة من الآداب والفنون التي يفرزها الحاضرون يوماً، مبنية كلها وذات علاقة وثيقة مع ما كانت عليه المدينة القديمة، حيث إن السكان الحاليون في باطن وعيم يتصورون أنفسهم كامتداد روحي وثقافي وتاريخي لما كانت عليه روما القديمة.  

يحدث كل ذلك، في وقت لا يعاني فيه سكان روما الحاليون مع أية مشكلة أو صِدام مع الحداثة، بكل منتجاتها وأدوات فعلها ونوعية التفكير وأشكل السلوك التي تنفرز عنها. بل على العكس تماماً، يبدو الحضور الكثيف للمدينة التاريخية وذاكرتها في حاضر السكان، وكأنه أهم مصادر الغنى والحيوية للسكان، ما لم نقل الثقة بالذات، التي تنتج ممرات للاعتراف بالآخر وفسحة لطراوة الوجدان والمخيلة، تلك الأشياء التي تمنح السكان الحاليين قوة وجدانية وعقلية للانخراط كل اشكال الحداثة.  

على الدفة الأخرى، فإن كاتب السطور لم يسبق له أن عرف شيئاً عن العاصمة التاريخية القديمة التي ولد، هو وأبوه وجده وكامل أفراد عائلته، على بُعد عدة مئات من الأمتار منها. لم يعرف حتى اسمها التاريخي ولا مؤسسها ولا الحاضرة والمضامين التي كانت عليه هذه المدينة التاريخية. ليس هو فحسب، بل كامل الفضاء الاجتماعي والثقافي والإنساني المحيط بذاك المكان، الذين كانت تلك الحاضرة على الدوام واحدة من أكبر مجاهيل الحياة وأكثرها غموضاً بالنسبة لهم. 

فما عرفته شخصياً عن هذه المدينة القديمة، وبعد سنوات كثيرة من العيش بالقرب منها والمرور اليومي بها، كان بفعل فضول استثنائي ومهني خاصٍ جداً، لم يكن متوفراً إلا للقليلين. تلك المدينة التي كانت حاضرة عمرانية وثقافية وتجارية طوال آلاف السنين، عاصمة للملكة الحورية لوقت طويل، ثم صارت جزءا من الفضاء السياسي والإنساني لممالك "أكاد" ومن بعدهم "ماري"، تحوي قصوراً ومعابداً وأسواقاً ونصوصاً وتماثيل ومنتجات تاريخية لا تُقدر بثمن، لها سيرة وتاريخ وشخصيات ومنتجات أدبية ودينية وثقافية هائلة، كانت يوماً منارة إنسانية لقرابة ربع العالم.   

كل ذلك كان مجهولاً كبيراً لكل البشر المحيطين بالمكان، ولا يزال. وحدهم أعضاء بعثات التنقيب الأجنبية كانوا يعرفون ما بداخل ذلك المكان/الحاضرة، هؤلاء الذين كانوا محاطين بسور فعلي وآخر أمني، يعملون بصمت داخل مكاتبهم، يستخرجون الآثار ويجرون الدراسات بلغاتهم الأجنبية، ولا يجدون وقتاً ومعنى لأن يشرحوا ويفسروا للسكان المحيطين ما يعثرون عليه ويكتشفونه داخل المدينة. حتى أن بعض السكان المحليين، الذين كانوا يعملون كعمال سخرة لدى أعضاء تلك البعثات، أنما كان ممنوعاً عليهم مسّ أي شيء تاريخي قد يجدونه أثناء عمليات النبش والتنقيب.  

لم تكن تلك القطيعة على المستوى المادي فحسب، فجهل السكان بالمكان ومحتوياته وسيرته، كان استعارة كبرى عن قطيعة هؤلاء مع التاريخ نفسه، وتالياً مع جزء من ذواتهم وخصائصهم، ككائنات تملك خاصية متمايزة عن باقي المخلوقات، على مستوى العلاقة مع الذاكرة والتاريخ الأبعد مما هو حاضر راهناً. وتالياً ككائنات خُلقت وراكمت مجموعة كبرى من المنتجات والذواكر والأفكار والقيم والآداب والتجارب، التي تشكل بمجموعها المصدر الأولي والدائم للثراء الإنساني.  

فما كان خاصاً بالبقعة التي نشأ فيها كاتب هذه السطور، كان يمتد لأن يكون ظاهرة عامة في كل مكان آخر. فكامل شمال شرق سوريا كان قائماً على بحر من الحواضر التاريخية القديمة، تحوي سهوبه كنوزاً من الآثار والمنتجات الإنسانية، لكنها جميعاً كانت عوالم مجهولة تماماً بالنسبة للسكان، غير حاضرة أو ذات معنى في الذاكرة الجمعية، لا يتم تداولها في المناهج التربوية وليس لها من قيمة في المنتجات الأدبية والثقافية والفنية والسياحية لأبناء المكان، ولا فاعلية لها في الضمير والمخيلة والعقل العام.  

يمتد ذلك الأمر ليشمل سوريا كلها، ومنها بنسب مختلفة لكل بلدان منطقتنا، الذين، ولغير صدفة، يعيشون صداماً ورفضاً للغالب الأعم من ظواهر ومنتجات الحداثة، المرابطين في خنادق المركزية والمحافظة والماضوية.  

من تلكم الثنائية، تبدو العلاقة الثنائية شديدة الوضوح، بين مجتمعات سائلة، تعتبر نفسها جزءا حيوياً من تاريخ قديم ومتقادم، منتج ومراكم لكل أنواع الثراء الإنساني، وأخرى تعتبر نفسها يتيمة، ولدت للتو كجيل أول ووحيد، ليس لها في التاريخ أي ثراء، خلا بعض حكايات الذكورة الرعناء، عن البطولة والحروب ومفاخرها، وتالياً لا تنتج إلا شيئاً واحداً: العصبيات الخالية من أية قيمة.