الأردن - السفارة الأميركية - عمان - زيارة بلينكن
"كان الأردن يتباهى دائما أنه دولة مختلفة في منطقة الشرق الأوسط"

استفزني جدا تصنيف مؤشر "سيفيكوس" أن الأردن دولة قمعية. مُقلق وموجع هذا التوصيف، وبصراحة لا أعرف إن كان رئيس الحكومة قد استشاط غضبا بعد سماعه لهذه الأنباء، فأعلن حالة الطوارئ القصوى، وتداعى مجلس الوزراء للاجتماع فورا بحثا عن حل، ورد؟

كان الأردن يتباهى دائما أنه دولة مختلفة في منطقة الشرق الأوسط، وما يُميزه عن غيره من الأنظمة المستبدة هوامش الحريات التي يتمتع بها الناس، وكان هذا الوضع محط إعجاب وتقدير المجتمع الدولي، وكانت الدول المانحة تكافئه لحفاظه على معادلة تجمع بين اعتبارات الأمن، ومساحات متوازنة من الحريات. 

في حديث مع المفوض العام للمركز الوطني لحقوق الإنسان، علاء العرموطي، أبدى معارضته، وتحفظه على إطلاق وصف دولة قمعية، منطلقا من قاعدة أن الأردن لا يشهد انتهاكات جسيمة وخطيرة، وهو ما توافقنا عليه، فالبلاد لم تعرف يوما تصفية للخصوم السياسيين، أو إخفاء قسري، أو عمليات تعذيب واسعة النطاق. 

وما اتفقنا عليه أيضا أن فضاء الحريات يتراجع، وانتهاكات حقوق الإنسان في تزايد، والحكومة تتحدث عن الحقوق ولا تُطبقها، ولا تسمح بممارستها، بل تتخذ تدابير، وإجراءات تنتقص منها كل يوم. 

تصنيف "سيفيكوس" أن الأردن دولة قمعية قاسٍ، ومُفرط في التشاؤم، والحقيقة أنه ليس صادما على الأقل لي شخصيا، ففي العام الماضي، خرج مؤشر "فريدم هاوس" بيت الحرية ليصنف الأردن "دولة غير حرة"، بعد أن كانت حرة جزئيا، وبالتوازي كانت تقارير "هيومن رايتس ووتش" تواصل انتقاداتها، وعلى نفس المنوال تقرير "مراسلون بلا حدود" فيما يتعلق بحرية الإعلام. 

بالطبع لا تُسلم الحكومة بتقييم مؤشرات التقارير الدولية، وهي لا تتقبل بصدر رحب حتى تقارير المؤسسات الوطنية الخجولة، التي لا تختلف جذريا مع النتائج والتوصيات التي خلص لها العالم، وعدا عن الاتهامات الحكومية المُعلبة أحيانا، فالكلام دائما ينصب على استعراض وسردية مكررة "الأردن ليس السويد، ولكنه الأفضل مقارنة بدول الإقليم". 

أكثر لعنة طاردت الأردن هي مقاربات، ومقارنات المسؤولين لواقع حالنا مع الدول المستبدة، ولم ينظروا بعين المُتعجل للحاق بركب الدول الديمقراطية، فظلت البلاد رهينة، وأسيرة لمروية التفرد والتميز ونظرة متماهية مع الجوار البائس، بينما كانت منظومة حقوق الإنسان تتآكل، وحين نتقدم خطوة للأمام، نعود خطوات للوراء دون سياق منطقي، ومسوغات. 

المسألة ليست تقاذفا للاتهامات، وما تسرده "سيفيكوس" تلاحظه "هيومن رايتس ووتش" و"أمنستي"، وكله أو بعضه، وبلغة أو بأخرى توثقه تقارير "المركز الوطني لحقوق الإنسان"، المؤسسة الوطنية التي أنشأتها الدولة لمراقبة حقوق الإنسان. 

في التقرير السنوي الأخير لـ "المركز الوطني لحقوق الإنسان" في عام 2020، يؤكد أن منظومة التشريعات جُلها لم تتغير، ولم تُحدث لدعم الحقوق والحريات، ومراجعة المنظومة القانونية والتحقق منها يكفي لرصد التجاوزات، ليس للمعاهدات والاتفاقيات التي صادق عليها الأردن، وإنما للدستور أساسا.

ومثال صارخ لا يمكن القفز عنه توقيف (21322) شخصا إداريا، وهي نسبة تراجعت عن السنوات الماضية، بسبب جائحة كورونا والتوجه لإخلاء السجون لتقليص مخاطر العدوى. وباختصار؛ فإن اللجوء لقانون منع الجرائم لتوقيف الناس في السجون إداريا ليس هدرا لحقوقهم فقط، بل تجاوزا على استقلالية سلطة القضاء. 

"سيفيكوس" ترى أن تراجع الأردن في مؤشرها العالمي الذي يُغطي 197 دولة يعود إلى ما أسموه "قوة الناس تتعرض للهجوم"، وتُعرّج في تقريرها لإغلاق نقابة المعلمين واعتقال مجلسها وحجب الإنترنت والقيود المفروضة على الصحفيين والمجتمع المدني. 

ما تراه أن الحريات المدنية في خطر، وأن حرية التجمع السلمي والتعبير وتكوين الجمعيات، تتعرض للتضييق، وهذه حقيقة، والشواهد عليها كثيرة كان آخرها الاعتقالات التي تعرض لها المحتجون سلميا، وجرى توقيفهم سندا لقانون منع الجرائم، والمُثير للاستهجان أن ما حدث تزامن مع السعي لإقرار مخرجات لجنة تحديث المنظومة السياسية، التي تُريد أن تدفع الأردن لحكومات حزبية برلمانية، وضمانات أوسع للإصلاح السياسي. 

لا تستطيع الحكومة إقناع الناس أنها جادة في الإصلاح السياسي، وضمان حرية التعبير وهي تغلق "كلوب هاوس"، أو حين تصدر أوامر منع النشر في قضايا تمس الرأي العام، ولهذا يخلص تقرير "سيفيكوس" إلى أن البيئة الحاضنة للمجتمع المدني أصبحت عدائية.

وتقول أرتي نارس، الباحثة المشاركة في إعداد التقرير: " كان يُنظر إلى الأردن على أنها واحدة من أكثر الدول تسامحا في الشرق الأوسط المُضطرب، لكن الحملات القمعية ضد المعلمين، ووسائل الإعلام، تُسلط الضوء على التدهور المستمر في الحقوق المدنية، والميل نحو مزيد من التكتيكات القمعية، خاصة خلال جائحة كورونا، مما يُثير المخاوف أن الأردن يسير على خطى جيرانه المستبدين". 

جائحة كورونا فاقمت من المخاوف في الأردن، وكشفت عن هشاشة العدالة الاجتماعية، فقصور الحقوق يتعدى الجوانب المدنية والسياسية، وتمتد جذوره بعمق للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، فقانون الدفاع وأوامره، والتدابير والإجراءات الاستثنائية عصفت بالفئات المهمشة، والأكثر عرضة للخطر، وتصاعدت بقلق مؤشرات الفقر والبطالة، في ظل ضعف الدولة اقتصاديا، وعجزها عن تقديم حلول للإنقاذ. 

الانتقادات في الشارع ما عادت تطال الحكومة وحدها، وأصبحت تمس العاهل الأردني، الملك عبد الله الثاني، والأصوات الرافضة للواقع القائم لم تبقَ في حدود الشخصيات المعارضة، وامتدت لشخصيات عُرفت بأنها جزء لا يتجزأ من النظام، ويتساوق ذلك مع تعديلات دستورية مقترحة قدمتها الحكومة، وتسعى لتوسيع الصلاحيات المنفردة للملك، وتُضعف أكثر، برأي قانونيين، الولاية الدستورية للحكومة. 

أكثر التعبيرات عن حالة التململ، الدعوة التي وجهتها الحراكات الشعبية، وبعض الأحزاب لمسيرة احتجاجية تحت شعار "لنقف صفا واحدا في وجه العبث في الدستور الذي يوصل الدولة لصورة الملكية المطلقة، ويُكرس الاستبداد".  

يحتاج نظام الحكم اليوم لانتفاضة تُعيد ترسيم صورة الدولة الأردنية من جديد، والأمر بالتأكيد يتعدى مؤتمرا وطنيا احتفائيا بحقوق الإنسان، إلى تكريس نهج حقوقي لا يتهاون مع انتهاكات حقوق الإنسان، ويُلاحق ويُجرم من يخرقها، ولا يسمح بالإفلات من العقاب، عندها ستُجبر المؤسسات الدولية أن ترانا بعين مختلفة، دولة تحتكم للديمقراطية والحكم الرشيد، وتُكرس قيم الحرية، والكرامة الإنسانية، وتلفظ القمع والاستبداد، فنعود إلى صورتنا المُشرقة التي عرفنا بها العالم. 

قصر العدل في روما الذي يضم مقر محكمة الاستئناف العليا في إيطاليا (أرشيف)
قصر العدل في روما الذي يضم مقر محكمة الاستئناف العليا في إيطاليا (أرشيف)

بفضل العمل في عدة مؤسسات بحثية دولية، قُيض لكاتب هذه السطور أن يزور العاصمة الإيطالية روما عدة مرات خلال السنوات الماضية. حيث، وخلال كل زيارة من تلك، كانت العلاقة التي تربط سكان المدينة الحاليين بالذاكرة والتاريخ الأقدم للمدينة مثار غرابة وإعجاب على الدوام. بالضبط من حيث ما هم عليه من غنى ووصال وفاعلية في علاقتهم من مدينتهم القديمة. 

كان يحدث ذلك، مقابل العوز والمتاركة والقطيعة التي كان كاتب هذه السطور عليها، في علاقته العقلية والوجدانية والثقافية مع الحاضرة التاريخية التي ولد وعاش بين ثناياها. هو المتأتي من مكان كان يوماً عاصمة إمبراطورية تاريخية كبرى، شبيهة بروما نفسها، من قرية موزان شمال شرقي سوريا، التي تضم رفاة مدينة أوركيش التاريخية، التي كانت عاصمة المملكة الحورية القديمة. 

فأبناء مدينة روما الحاليون، وبمختلف أجيالهم، يعيشون المدينة القديمة وكأنها شيء حاضر وحيوي في تفاصيل حياتهم الراهنة. كانت روما القديمة، ولا تزال، ذات وجود متدفق في روما الراهنة، وفي أكثر من مستوى: عمارتها القديمة جزء مشهدي لا يمكن غض الطرف عنه في كل تفاصيل المدينة الحالية، بما في ذلك داخل بيوت سكانها، وسيرة التوأمين اللذين أسسا المدينة كثيفة في الذاكرة الجمعية، ومرويات حُقب المدينة القديمة وحكاياتها الشهيرة ومراحل تحولها الرئيسية جزء من الآداب والمناهج التربوية التي تنتجها المدينة الحديثة. وإلى جانب ذلك، ثمة متاحف وتماثيل مرئية ومنتجات تقنية وأنواع كثيرة من الآداب والفنون التي يفرزها الحاضرون يوماً، مبنية كلها وذات علاقة وثيقة مع ما كانت عليه المدينة القديمة، حيث إن السكان الحاليون في باطن وعيم يتصورون أنفسهم كامتداد روحي وثقافي وتاريخي لما كانت عليه روما القديمة.  

يحدث كل ذلك، في وقت لا يعاني فيه سكان روما الحاليون مع أية مشكلة أو صِدام مع الحداثة، بكل منتجاتها وأدوات فعلها ونوعية التفكير وأشكل السلوك التي تنفرز عنها. بل على العكس تماماً، يبدو الحضور الكثيف للمدينة التاريخية وذاكرتها في حاضر السكان، وكأنه أهم مصادر الغنى والحيوية للسكان، ما لم نقل الثقة بالذات، التي تنتج ممرات للاعتراف بالآخر وفسحة لطراوة الوجدان والمخيلة، تلك الأشياء التي تمنح السكان الحاليين قوة وجدانية وعقلية للانخراط كل اشكال الحداثة.  

على الدفة الأخرى، فإن كاتب السطور لم يسبق له أن عرف شيئاً عن العاصمة التاريخية القديمة التي ولد، هو وأبوه وجده وكامل أفراد عائلته، على بُعد عدة مئات من الأمتار منها. لم يعرف حتى اسمها التاريخي ولا مؤسسها ولا الحاضرة والمضامين التي كانت عليه هذه المدينة التاريخية. ليس هو فحسب، بل كامل الفضاء الاجتماعي والثقافي والإنساني المحيط بذاك المكان، الذين كانت تلك الحاضرة على الدوام واحدة من أكبر مجاهيل الحياة وأكثرها غموضاً بالنسبة لهم. 

فما عرفته شخصياً عن هذه المدينة القديمة، وبعد سنوات كثيرة من العيش بالقرب منها والمرور اليومي بها، كان بفعل فضول استثنائي ومهني خاصٍ جداً، لم يكن متوفراً إلا للقليلين. تلك المدينة التي كانت حاضرة عمرانية وثقافية وتجارية طوال آلاف السنين، عاصمة للملكة الحورية لوقت طويل، ثم صارت جزءا من الفضاء السياسي والإنساني لممالك "أكاد" ومن بعدهم "ماري"، تحوي قصوراً ومعابداً وأسواقاً ونصوصاً وتماثيل ومنتجات تاريخية لا تُقدر بثمن، لها سيرة وتاريخ وشخصيات ومنتجات أدبية ودينية وثقافية هائلة، كانت يوماً منارة إنسانية لقرابة ربع العالم.   

كل ذلك كان مجهولاً كبيراً لكل البشر المحيطين بالمكان، ولا يزال. وحدهم أعضاء بعثات التنقيب الأجنبية كانوا يعرفون ما بداخل ذلك المكان/الحاضرة، هؤلاء الذين كانوا محاطين بسور فعلي وآخر أمني، يعملون بصمت داخل مكاتبهم، يستخرجون الآثار ويجرون الدراسات بلغاتهم الأجنبية، ولا يجدون وقتاً ومعنى لأن يشرحوا ويفسروا للسكان المحيطين ما يعثرون عليه ويكتشفونه داخل المدينة. حتى أن بعض السكان المحليين، الذين كانوا يعملون كعمال سخرة لدى أعضاء تلك البعثات، أنما كان ممنوعاً عليهم مسّ أي شيء تاريخي قد يجدونه أثناء عمليات النبش والتنقيب.  

لم تكن تلك القطيعة على المستوى المادي فحسب، فجهل السكان بالمكان ومحتوياته وسيرته، كان استعارة كبرى عن قطيعة هؤلاء مع التاريخ نفسه، وتالياً مع جزء من ذواتهم وخصائصهم، ككائنات تملك خاصية متمايزة عن باقي المخلوقات، على مستوى العلاقة مع الذاكرة والتاريخ الأبعد مما هو حاضر راهناً. وتالياً ككائنات خُلقت وراكمت مجموعة كبرى من المنتجات والذواكر والأفكار والقيم والآداب والتجارب، التي تشكل بمجموعها المصدر الأولي والدائم للثراء الإنساني.  

فما كان خاصاً بالبقعة التي نشأ فيها كاتب هذه السطور، كان يمتد لأن يكون ظاهرة عامة في كل مكان آخر. فكامل شمال شرق سوريا كان قائماً على بحر من الحواضر التاريخية القديمة، تحوي سهوبه كنوزاً من الآثار والمنتجات الإنسانية، لكنها جميعاً كانت عوالم مجهولة تماماً بالنسبة للسكان، غير حاضرة أو ذات معنى في الذاكرة الجمعية، لا يتم تداولها في المناهج التربوية وليس لها من قيمة في المنتجات الأدبية والثقافية والفنية والسياحية لأبناء المكان، ولا فاعلية لها في الضمير والمخيلة والعقل العام.  

يمتد ذلك الأمر ليشمل سوريا كلها، ومنها بنسب مختلفة لكل بلدان منطقتنا، الذين، ولغير صدفة، يعيشون صداماً ورفضاً للغالب الأعم من ظواهر ومنتجات الحداثة، المرابطين في خنادق المركزية والمحافظة والماضوية.  

من تلكم الثنائية، تبدو العلاقة الثنائية شديدة الوضوح، بين مجتمعات سائلة، تعتبر نفسها جزءا حيوياً من تاريخ قديم ومتقادم، منتج ومراكم لكل أنواع الثراء الإنساني، وأخرى تعتبر نفسها يتيمة، ولدت للتو كجيل أول ووحيد، ليس لها في التاريخ أي ثراء، خلا بعض حكايات الذكورة الرعناء، عن البطولة والحروب ومفاخرها، وتالياً لا تنتج إلا شيئاً واحداً: العصبيات الخالية من أية قيمة.