الحكم الجائر وغير المفهوم الذي أصدره قاضٍ عسكري لبناني بحق المواطن محمد بنوت، وتهمته أنه أحب وتزوج من حلا وهي من عرب إسرائيل وتعمل ممرضة في ألمانيا، هو مناسبة أخرى لاستعراض واقع الأقلية العربية في إسرائيل، وهي بالمناسبة أقلية كبيرة قد يصل عدد أفرادها قريباً إلى أكثر من مليوني مواطن.
هؤلاء يعانون من حصارين، ذاك أنهم مواطنون درجة ثانية، لا بل ثالثة في إسرائيل، ويعانون من تمييز وحصار رهيبين، ومن جهة أخرى هم معرضون لتخوين وريبة تمارسهما بحقهم الحكومات العربية. وإذا كان وضعهم في إسرائيل قد جرى تناوله، فإن المسكوت عنه هو ذلك الحصار الذي تمارسه بحقهم، ليس الأنظمة وحسب، انما أيضاً مجتمعات وأحزاب وهيئات سياسية وثقافية ودينية عربية.
لكن استعراضاً لأوضاعهم في إسرائيل يكشف حجم المأزق الذي يعيشونه في البلد الذي يدعي أنه بلدهم، والذي بسببه هم عرضة لتمييز مواز. فظاهرة الجريمة المتفشية في البلدات العربية انكفأت الشرطة الإسرائيلية عن مكافحتها مفسحة المجال لجهاز الشاباك لكي يتولى المهمة، وتهمة الـ"أسرلة" التي يواجهونها، لا سيما أبناء الأجيال الجديدة منهم، تركزت على فقدانهم ناصية لغتهم، في حين تهمل وزارات التربية والتعليم الإسرائيلية الاهتمام بتعليم هذه اللغة في مدارسها، هذا قبل أن نتحدث عن قطاعات الصحة والخدمات، والتي يُعامل فيها العرب وفق موازنات لا تساوي شيئاً اذا ما قورنت بتلك التي ينعم بها اليهود في تلك الدولة.
على رغم ذلك، فعرب إسرائيل مغيبون عن أي حدث عربي. السينما التي يصنعونها ليست جزءاً من السينما العربية، وكذلك الأدب والصحافة والنتاج العلمي والتربوي. هؤلاء بحسبنا إسرائيليون، وهم خارج وجداناتنا وحساباتنا. ذنبهم أن آباءهم وأجدادهم قرروا البقاء في مدنهم وبلداتهم، وذنبهم أن جواز سفر وحيد عرض عليهم فقبلوه. ومنذ ذلك الحين ونحن نمارس بحقهم عقاباً جماعياً، يتمثل في نفيهم وإقصائهم وانكار وجودهم.
القرار الذي أصدره القاضي العسكري اللبناني يحمل وصفاً مكثفاً لواقعهم، وينطوي على بعد رمزي لهذه المفارقة. ممنوع على أي مواطن عربي أن يقع في حب شابة من عرب إسرائيل! ممنوع عليه الزواج منها، ذاك أنها تحمل جواز سفر لم يعرض عليها غيره. مليونا عربي وعربية يعيشون في وضع غريب ويواجهون نظاماً يميز ضدهم وأنظمة مرتابة بهم. بالنسبة إلينا هم إسرائيليون، وبالنسبة لإسرائيل هم فلسطينيون!
لكن ما كشفته انتفاضة الصيف الفائت، والتي باشروها في وجه السلطة الإسرائيلية خلال الحرب على غزة، جاء مغايراً ومخالفاً لكل التوقعات. الـ"أسرلة" تشتغل خارج مناطق عرب الداخل، وخارج إسرائيل وفلسطين، في وقت استيقظ جيل عربي جديد هناك على حقيقة التمييز، وعلى حقيقة أن مواطنيتهم ناقصة، وطافوا على الجدران التي وضعتها إسرائيل لتفصل بينهم وبين أهل الضفة. تدفقوا على القدس وواجهوا الشرطة، وتجاوزت شعاراتهم الحرب، فحملت مطالبهم حقوقهم كجماعة قومية لم تنجح إسرائيل في إذابتها.
وانتفاضة عرب الداخل، الصيف الفائت، كشفت أن أصحابها يملكون خبرات مختلفة على الكثير من الأصعدة، يمكن إذا ما جرى هضمها واستيعابها في مجالات مختلفة أن تشكل رافداً يُغني خبراتنا. لكن يبدو أن قراراً بصدهم عنا اتخذته أنظمة الحكم في بلداننا، وهو امتداد لما نعيشه من فساد ومن استبداد. فالقاضي اللبناني الذي أصدر قرار سجن المواطن المتزوج من شابة عربية إسرائيلية ليس وحده من أصدر الحكم، بل منظومة متكاملة تمتد على أكثر من بلد. وجزء من آليات الصد هو منعنا من معرفتهم ومن الاقتراب من أمزجتهم ومن خياراتهم ومن ثقافاتهم. كتبهم لا تصلنا، وسينماهم كانت، لولا "نتفلكس"، غريبة وبعيدة عنا، ولم نر في انتفاضتهم إلا طوفانهم على القدس، في وقت حملت المواجهات في المدن الأخرى همومهم اليومية التي لا تخاطب مشاعرنا.
العالم صار أوسع من خيال القاضي العسكري اللبناني، وأوسع من جدران الفصل الإسرائيلية، ولم يعد ممكناً منع محمد وحلا من أن يلتقيا ويتزوجا، مثلما لم يعد بإمكان أجهزة الرقابة من منعنا من مشاهدة السينما الفلسطينية، ومن التواصل مع أصحابها، وكذلك من قراءة كتبهم وصحافتهم، ومن الاحتكاك مع خبراتهم. وستحمل الأحكام القضائية والسياسية لمنع التواصل بصيغه الجديدة قدراً من الحماقة ستكشف عبرها الأنظمة عن وجه آخر للاستبداد، يتمثل في منع الحب ومنع المعرفة ومنع الانخراط في عالم جديد لا مكان فيه لجدران الفصل بيننا وبينهم.

