السيدة مريم العذراء - ديانات - ثقافات - مذاهب
"لا توجد مساواة، وإنما غلبة للعنصر الديني السائد في هذه المجتمعات"

لا وجود لديمقراطية من دون علمانية، رغم أن العكس ليس صحيحا. بمعنى أنه توجد أنظمة علمانية، ولكنها ليست بالضرورة ديمقراطية.

الديمقراطية تفترض بالأساس وجود مواطنين متساوين. وفي المجتمعات القائمة على الدين لا يمكن ضمان تحقيق ذلك، لهذا نحن بحاجة إلى العلمانية، لأن العلمانية تعيد الدين إلى حيزه الفردي والشخصي وتنقل الإنسان وقضاياه إلى المجال العام. 

في غياب العلمانية ربما يكون هناك مواطنون، ولكنهم غير متساوين. فهناك مسلمون وهم في منزلة أعلى بحكم أن الإسلام هو دين الدولة، وهناك سنة أو شيعة أو دروز أو علويون أو غيرهم، بحسب نظام الحكم، وكل من هؤلاء في منزلة مختلفة عن الآخر. 

ثم هناك من يطلق عليهم أهل الكتاب من المسيحيين واليهود، وهناك أيضا من يصنفون على أنهم من المشركين أو من يسمون بأتباع الديانات غير السماوية، وهناك أيضا الملحدون أو من لا دين لهم وهكذا.

هذه التصنيفات ستحضر بقوة حينما لا يكون نظام الدولة علمانيا، لأن لكل هوية من هذه قيمة مرجحة أو غير مرجحة، أما في النظام العلماني فلا أحد يهتم بهذه التصنيفات، لأنه لا مكان لها في الحيز القانوني أو السياسي العام. 

قد يحتج البعض بالقول إن هؤلاء كلهم مواطنون ومتساوون بحسب ما تنص عليه الدساتير والقوانين في المجتمعات العربية والإسلامية. هذا القول ربما يبدو صحيحا نظريا وظاهريا، لكن عمليا على أرض الواقع وعندما يُفسَّر الدستور وتفعّل القوانين واللوائح التنفيذية، يتكشف الأمر على حقيقته.

فلا توجد مساواة، وإنما غلبة للعنصر الديني السائد في هذه المجتمعات. والكل يشاهد ويعايش ويعاين بأنه في الدولة التي يسود فيها الدين المجال العام، فإن الحديث عن المساواة هو مجرد أضغاث أحلام.

وحتى يتم تطبيق العلمانية في الدول العربية والإسلامية، ويتم إخراج الدين من المجال العام، فإنه لا يمكن الحديث عن قيام ديمقراطية أو نضال من أجل الديمقراطية. 

وقد أوضحت في مقالات سابقة (بنتيجة ذلك) أن الصراع الذي يدور في المنطقة العربية اليوم هو ليس بين ديمقراطيين ومستبدين، ولكنه صراع على السلطة والثروة، بين قبائل وطوائف وأتباع أديان وجماعات سياسية متعددة متعارضة في المصالح والمطامح. والديمقراطية هي العنصر اليتيم الغائب في هذا الصراع.

هذا الصراع كانت تحسمه في السابق الانقلابات العسكرية أو الاحتجاجات العنيفة في الشوارع وأحيانا الاغتيالات السياسية، أما اليوم فقد تعلمت هذه المجموعات أنه يمكنها أن تحقق ما تريد بتكلفة أقل عبر صناديق الاقتراع، حتى وإن اضطرت لمشاركة آخرين معها. ولذلك شهدنا هذا الحماس في أوساط جماعات وتيارات سياسية ودينية لا تؤمن بالديمقراطية، ولكنها تصر على مسألة الانتخابات وتعتبرها مطلبا ملحا. 

وهكذا، فإن الانتخابات في البلدان العربية ليست علامة على الديمقراطية، ولكنها علامة على استعداد مختلف الفرقاء في العملية السياسية على مشاركة السلطة والنفوذ بصورة سلمية، قد لا ترضي نتيجتها الجميع، ولكنها تظل مرحلة أرقى بطبيعة الحال إذا ما قورنت بالحلول الدموية والعسكرية والاضطرابات السياسية.    

ولذلك فالحديث الذي يردده البعض عن "نضال الشعوب العربية منذ الاستقلال في منتصف القرن الماضي من أجل الديمقراطية والحريات السياسية والعدالة الاجتماعية"، بما في ذلك فترة ما يسمى "الربيع العربي"، هو مجرد أوهام وخرافات لا أساس لها. المقصود من إطلاقه هو فقط مغازلة الدول الغربية بهدف إقناعها بدعم هذه الجماعة السياسية المعارضة أو تلك في بعض الدول العربية ومساعدتها على الوصول إلى السلطة.

إذ لا يمكن إقناع هذه الدول بالتدخل، إلا من خلال استخدام شعارات مثل الدفاع عن الديمقراطية وحقوق الإنسان وما شابه، بينما الحقيقة هي أن الجماعات السياسية المعارضة لا تؤمن بأي من هذه القيم.     

لنتذكر أن معظم الشخصيات التي كانت تقدسها الجماهير العربية على مدى العقود الماضية، إما شخصيات مستبدة ومعادية للديمقراطية أو شخصيات عسكرية أو فاشية، من جمال عبد الناصر وحتى صدام حسين وما بينهما من زعماء الميليشيات والجماعات المسلحة والإرهابية.

وحتى اليوم فإن المرجعية لغالبية الجماعات السياسية في المنطقة، هي إما مرجعية دينية، أو قومية، أو شعبوية، وغالبيتها لا يؤمن بالديمقراطية أو حقوق الإنسان، خاصة إذا كان هذا الإنسان مختلفا في الدين أو الطائفة أو الأيديولوجية أو الجنس أو اللون أو الانتماء القبلي والعشائري.. إلخ.
قصارى القول إذا إنه من دون علمانية لا يمكن الحديث عن ديمقراطية في الدول العربية والإسلامية، وأن من يرفض العلمانية لا يمكنه في الواقع أن يكون ديمقراطيا أو جادا في المطالبة بها، لكن يمكنه بطبيعة الحال أن يتخفى في ثيابها كما يتخفى الذئب في ثياب الحمل.

يريد "حزب الله" المرتبط ارتباطًا وثيقًا بالأجندة الإيرانية أن يُبقي لبنان "عمقًا استراتيجيًا للجمهورية الإسلامية في إيران"
يريد "حزب الله" المرتبط ارتباطًا وثيقًا بالأجندة الإيرانية أن يُبقي لبنان "عمقًا استراتيجيًا للجمهورية الإسلامية في إيران"

كأنّ هناك عقلًا واحدًا يتحكّم بصانعي الفوضى في العالم، اذ إنّ هؤلاء لا يجدون سوى وصفة واحدة لإحلال السلام: الاستسلام لهم!

ومن يدقق بالعبارات التي يستعملها صانعو الفوضى في العالم، يتفاجأ بأدبيّات موحّدة، فالقيادة الروسية بزعامة فلاديمير بوتين تحمّل الغرب مسؤوليّة دخول حربها على أوكرانيا عامها الثاني، لأنّ هذا الغرب يزوّد أوكرانيا بمقوّمات الصمود العسكري والإنساني، مما يحول دون استسلامها.

بالنسبة للقيادة الروسيّة: السلام مستحيل، والتصعيد ضرورة، والدمار واجب، والقتل حتمي، طالما أنها عاجزة عن تحقيق أهدافها المعلنة في أوكرانيا، فالطريق إلى السلام قصير جدًا، إذا سارت كييف بشروط موسكو.

هذه العقلية الروسيّة لا تعير أيّ اهتمام للقانون الدولي وللسيادة الوطنية وللمصالح الإقليمية وللسلم الدولي ولموازين القوى، فهي إمّا تنتصر وإمّا تفني العالم، من خلال رفع مستوى التهديد باللجوء إلى احتياطاتها الخطرة من الرؤوس النووية.

وثمّة دول مستفيدة من هذا الانحراف الروسي، فالصين التي تنافس الولايات المتحدة الأميركية على زعامة العالم، تجد في القيادة الروسيّة ضالتها، إذ إنّ هوسها بالانتصار المستحيل سوف يوهن موسكو ويلحقها ببكين، وسوف يضعف الاتحاد الأوروبي ويبعده عن دائرة التأثير في صناعة موازين القوى الاستراتيجية في المستقبل.

ولكنّ دون هذا الهوس الروسي من جهة أولى وهذا الهدف الصيني، من جهة ثانية، يقف وعي غربي جماعي، إذ اكتشفت دوله أنّ تعاضدها ووقوفها في صف واحد مع الولايات المتحدة الأميركية، وحده كفيل بتوفير مستقبل سيادي لها ولشعوبها.

قبل الغزو الروسي لأوكرانيا، كان الغرب شبه مفتّت ووحدته شبه متفسّخة، إذ كانت المصالح الاقتصاديّة تتقدّم على كل المخاوف الاستراتيجية.

بعد الغزو الروسي، وفي ظل القراءة العميقة للأداء الروسي، اختلفت الأحوال، إذ إنّ الوقاية من مخاطر المستقبل تمرّ بتوفير الشروط اللازمة للحيلولة دون استسلام أوكرانيا، بصفتها بوابة أوروبا،  أمام "الدب الروسي" الذي سوف يسلّم نفسه والآخرين لمشيئة "التنّين الصيني".

ومن روسيا ننتقل مباشرة إلى لبنان، حيث منطق "حزب الله" لا يختلف بشيء عن منطق "حزب الكرملين".

يريد "حزب الله" المرتبط ارتباطًا وثيقًا بالأجندة الإيرانية أن يُبقي لبنان "عمقًا استراتيجيًا للجمهورية الإسلامية في إيران"، وفق "تكليف" صادر عن المرشد الاعلى علي خامنئي، وذلك خلافًا لإرادة سائر القوى السياسية التي تريد أن يعود لبنان عنصرًا فاعلًا في محيطه العربي وفي بعده الدولي.

ولهذا يسعى "حزب الله" إلى أن يفرض رئيس الجمهورية الذي يناسب مخططه، وهو من أجل تحقيق ذلك يترك البلاد لقمة سائغة في فمّ الفراغ المنتتج للفوضى وللفقر وللجوع.

وكالعادة  لا  يتحمّل "حزب الله" تبعة ما يقدم عليه، بل يلقيه على عاتق من يتصدّى لمخططاته، وهو، من أجل إعطاء صدقية لمقولات "الهروب إلى الأمام"، يقحم الولايات المتحدة الأميركية ويهددها بفوضى تشمل كل المنطقة.

ولسان "حزب الله" يقول: هاتوا الرئيس الذي نريد  ويحقق لنا ما نرغب به فنعفيكم من الفوضى والكوارث!

وترفض غالبية اللبنانيين الرئيس الذي يصرّ عليه "حزب الله"، وتطرح عليه حلولًا وسطًا، لكنّ الحزب يرفض ذلك، على قاعدة: استسلموا تسلموا!

صحيح أنّ القوى التي ترفض الرضوخ لـ"حزب الله" ليست أوكرانيا والقوى الخارجية المؤيّدة لها لا تفتح أمامها مخازن السلاح وخزائن المال، ولكنّ الصحيح أيضًا أنّ من بيدهم القدرة على انتشال لبنان من جحيمه يقولون للبنانيّين: إذا استسلمتم لإرادة "حزب الله" لا تهرعوا علينا، فنحن لن نساعد دولة تضع إمكاناتها في مساعدة أعدائنا.

وكما تعرض روسيا الاستسلام لتوقف حربها في أوكرانيا كذلك يعرض "حزب الله" الاستسلام على سائر اللبنانّيين حتى لا يوقعهم أكثر في الفوضى والجوع.

المشكلة مع هذا المحور الذي يعاني منه السوريون واليمنيون والعراقيون والإيرانيون أنّه يعرض عليك الحياة لينتزع منك…الحياة!