إدارة ترامب بررت الصفقة بالتهديدات الإيرانية
إدارة ترامب بررت الصفقة بالتهديدات الإيرانية

فاجأت أبوظبي هذا الأسبوع الوسط السياسي والدفاعي الأميركي بتلويحها تعليق المحادثات مع واشنطن لشراء طائرات الأف-35 لأسباب سيادية، بشكل يضع على المحك صفقة تناهز الـ23 مليار دولار.

خطوة الإمارات والخروج بها الى العلن يعكس تأزما في المحادثات بين الجانبين، إنما هو أيضا تكتيك تفاوضي خصوصا أن الاعلان عنه جاء عشية اجتماع عسكري مشترك بين أبوظبي وواشنطن في وزارة الدفاع الأميركية "البنتاغون" الأربعاء، انما لم يسجل اختراق فيه.

بالنظر الى إعلان الامارات ومواقف الطرفين يمكن فهم الأزمة في إطار هذه العوامل:

1-  مسؤول إماراتي رفيع المستوى قال يوم الثلثاء إن القرار يأتي لاعتبارات عدة منها المتطلبات التقنية وقيود عملية في استخدام طائرات الشبح تمس بالسيادة: أي بعبارة أخرى تدخل أمني من واشنطن في كيفية استخدام الإمارات للخمسين طائرة، ووضع شروط حول أي قطع أو أجهزة يمكن تشغيلها في نفس الوقت، وهو أمر اعتيادي في صفقات من هذا النوع تقوم بها واشنطن. 

هنا تأتي الى الأذهان صفقة الـ100 طائرة من طراز أف-35، والتي خسرتها تركيا بسبب حوزها منظومة أس-400 الدفاعية من روسيا، والتي تتضارب مع تكنولوجيا طائرات اللوكهيد مارتن وأولويات حلف الناتو.

الإمارات ليست بهذه السذاجة ولها علاقة دفاعية طويلة مع واشنطن منحتها طائرات الأف-16 قبلا، وهي لن تجازف بعقود مع دول تنافس الغرب مثل روسيا والصين وتضحي بالأف-35.

2- من هنا الحديث عن العامل الصيني غير مقنع، إذ أن الإمارات نجحت في السنوات الأخيرة في موازنة علاقتها بين الصين ومعظمها تجاري، وأميركا وهي علاقة استراتيجية وتاريخية. وتقول مصادر معنية بالصفقة إن الاعتراض الأميركي حول الصين تم حله منذ فترة والعقدة اليوم تختلف. 

3- حديث وزير الخارجية الأميركي، أنتوني بلينكن، من ماليزيا، يضع بعض النقاط على الحروف، حين قال إن أميركا يجب "أن تضمن تفوق إسرائيل العسكري" في أي عقد دفاعي في الشرق الأوسط، وعاد ليؤكد أن بلاده ملتزمة بالصفقة مع الإمارات إذا قررت أبوظبي المضي قدما بها، وهو ما كرره البنتاغون أيضا.

العامل الإسرائيلي مثير للاهتمام هنا، خصوصا أن عقود دفاعية سابقة تم وقفها للسعودية ومصر وغيرها للسبب نفسه أي ضمان تفوق إسرائيل العسكري. إنما اليوم الواقع مع الإمارات يختلف ليس فقط بسبب الاتفاق الإبراهيمي، بل لأن هذه الصفقة تمت بعد مراجعة تأخذ كل هذه الشروط بعين الاعتبار. إدارة جو بايدن بعد إدارة دونالد ترامب قامت بالمراجعة نفسها والتزمت بالصفقة بداية العام. 

كما أن الكونغرس أوقف مشروعا كان يهدف لتعطيل الصفقة.

إذا، فإن عقدة الأف-35 بين أبوظبي وواشنطن هي حول التفاصيل الدقيقة والصغيرة في الاتفاق وليس في البنود العريضة الجيو-استراتيجية له. فأي طراز من الأف-35 سيصل الإمارات وما شروط استخدام الطائرات من دون طيار؟ ما مستوى التدقيق الأميركي وهل يهدد استقلالية المؤسسة الدفاعية الإماراتية؟ ماذا تخشى واشنطن؟ 

كل هذه الأسئلة ستحيط المفاوضات حين يتم استئنافها، وهي على الأرجح ستستأنف لأن مصلحة الشريكين الإماراتي والأميركي هي في إتمام صفقة الأف-35، لتصبح الإمارات أول دولة عربية تستحوذ هذه الطائرات، من دون تنازلات حول نوعيتها ومع اطمئنان واشنطن لموقع إسرائيل الدفاعي.

قصر العدل في روما الذي يضم مقر محكمة الاستئناف العليا في إيطاليا (أرشيف)
قصر العدل في روما الذي يضم مقر محكمة الاستئناف العليا في إيطاليا (أرشيف)

بفضل العمل في عدة مؤسسات بحثية دولية، قُيض لكاتب هذه السطور أن يزور العاصمة الإيطالية روما عدة مرات خلال السنوات الماضية. حيث، وخلال كل زيارة من تلك، كانت العلاقة التي تربط سكان المدينة الحاليين بالذاكرة والتاريخ الأقدم للمدينة مثار غرابة وإعجاب على الدوام. بالضبط من حيث ما هم عليه من غنى ووصال وفاعلية في علاقتهم من مدينتهم القديمة. 

كان يحدث ذلك، مقابل العوز والمتاركة والقطيعة التي كان كاتب هذه السطور عليها، في علاقته العقلية والوجدانية والثقافية مع الحاضرة التاريخية التي ولد وعاش بين ثناياها. هو المتأتي من مكان كان يوماً عاصمة إمبراطورية تاريخية كبرى، شبيهة بروما نفسها، من قرية موزان شمال شرقي سوريا، التي تضم رفاة مدينة أوركيش التاريخية، التي كانت عاصمة المملكة الحورية القديمة. 

فأبناء مدينة روما الحاليون، وبمختلف أجيالهم، يعيشون المدينة القديمة وكأنها شيء حاضر وحيوي في تفاصيل حياتهم الراهنة. كانت روما القديمة، ولا تزال، ذات وجود متدفق في روما الراهنة، وفي أكثر من مستوى: عمارتها القديمة جزء مشهدي لا يمكن غض الطرف عنه في كل تفاصيل المدينة الحالية، بما في ذلك داخل بيوت سكانها، وسيرة التوأمين اللذين أسسا المدينة كثيفة في الذاكرة الجمعية، ومرويات حُقب المدينة القديمة وحكاياتها الشهيرة ومراحل تحولها الرئيسية جزء من الآداب والمناهج التربوية التي تنتجها المدينة الحديثة. وإلى جانب ذلك، ثمة متاحف وتماثيل مرئية ومنتجات تقنية وأنواع كثيرة من الآداب والفنون التي يفرزها الحاضرون يوماً، مبنية كلها وذات علاقة وثيقة مع ما كانت عليه المدينة القديمة، حيث إن السكان الحاليون في باطن وعيم يتصورون أنفسهم كامتداد روحي وثقافي وتاريخي لما كانت عليه روما القديمة.  

يحدث كل ذلك، في وقت لا يعاني فيه سكان روما الحاليون مع أية مشكلة أو صِدام مع الحداثة، بكل منتجاتها وأدوات فعلها ونوعية التفكير وأشكل السلوك التي تنفرز عنها. بل على العكس تماماً، يبدو الحضور الكثيف للمدينة التاريخية وذاكرتها في حاضر السكان، وكأنه أهم مصادر الغنى والحيوية للسكان، ما لم نقل الثقة بالذات، التي تنتج ممرات للاعتراف بالآخر وفسحة لطراوة الوجدان والمخيلة، تلك الأشياء التي تمنح السكان الحاليين قوة وجدانية وعقلية للانخراط كل اشكال الحداثة.  

على الدفة الأخرى، فإن كاتب السطور لم يسبق له أن عرف شيئاً عن العاصمة التاريخية القديمة التي ولد، هو وأبوه وجده وكامل أفراد عائلته، على بُعد عدة مئات من الأمتار منها. لم يعرف حتى اسمها التاريخي ولا مؤسسها ولا الحاضرة والمضامين التي كانت عليه هذه المدينة التاريخية. ليس هو فحسب، بل كامل الفضاء الاجتماعي والثقافي والإنساني المحيط بذاك المكان، الذين كانت تلك الحاضرة على الدوام واحدة من أكبر مجاهيل الحياة وأكثرها غموضاً بالنسبة لهم. 

فما عرفته شخصياً عن هذه المدينة القديمة، وبعد سنوات كثيرة من العيش بالقرب منها والمرور اليومي بها، كان بفعل فضول استثنائي ومهني خاصٍ جداً، لم يكن متوفراً إلا للقليلين. تلك المدينة التي كانت حاضرة عمرانية وثقافية وتجارية طوال آلاف السنين، عاصمة للملكة الحورية لوقت طويل، ثم صارت جزءا من الفضاء السياسي والإنساني لممالك "أكاد" ومن بعدهم "ماري"، تحوي قصوراً ومعابداً وأسواقاً ونصوصاً وتماثيل ومنتجات تاريخية لا تُقدر بثمن، لها سيرة وتاريخ وشخصيات ومنتجات أدبية ودينية وثقافية هائلة، كانت يوماً منارة إنسانية لقرابة ربع العالم.   

كل ذلك كان مجهولاً كبيراً لكل البشر المحيطين بالمكان، ولا يزال. وحدهم أعضاء بعثات التنقيب الأجنبية كانوا يعرفون ما بداخل ذلك المكان/الحاضرة، هؤلاء الذين كانوا محاطين بسور فعلي وآخر أمني، يعملون بصمت داخل مكاتبهم، يستخرجون الآثار ويجرون الدراسات بلغاتهم الأجنبية، ولا يجدون وقتاً ومعنى لأن يشرحوا ويفسروا للسكان المحيطين ما يعثرون عليه ويكتشفونه داخل المدينة. حتى أن بعض السكان المحليين، الذين كانوا يعملون كعمال سخرة لدى أعضاء تلك البعثات، أنما كان ممنوعاً عليهم مسّ أي شيء تاريخي قد يجدونه أثناء عمليات النبش والتنقيب.  

لم تكن تلك القطيعة على المستوى المادي فحسب، فجهل السكان بالمكان ومحتوياته وسيرته، كان استعارة كبرى عن قطيعة هؤلاء مع التاريخ نفسه، وتالياً مع جزء من ذواتهم وخصائصهم، ككائنات تملك خاصية متمايزة عن باقي المخلوقات، على مستوى العلاقة مع الذاكرة والتاريخ الأبعد مما هو حاضر راهناً. وتالياً ككائنات خُلقت وراكمت مجموعة كبرى من المنتجات والذواكر والأفكار والقيم والآداب والتجارب، التي تشكل بمجموعها المصدر الأولي والدائم للثراء الإنساني.  

فما كان خاصاً بالبقعة التي نشأ فيها كاتب هذه السطور، كان يمتد لأن يكون ظاهرة عامة في كل مكان آخر. فكامل شمال شرق سوريا كان قائماً على بحر من الحواضر التاريخية القديمة، تحوي سهوبه كنوزاً من الآثار والمنتجات الإنسانية، لكنها جميعاً كانت عوالم مجهولة تماماً بالنسبة للسكان، غير حاضرة أو ذات معنى في الذاكرة الجمعية، لا يتم تداولها في المناهج التربوية وليس لها من قيمة في المنتجات الأدبية والثقافية والفنية والسياحية لأبناء المكان، ولا فاعلية لها في الضمير والمخيلة والعقل العام.  

يمتد ذلك الأمر ليشمل سوريا كلها، ومنها بنسب مختلفة لكل بلدان منطقتنا، الذين، ولغير صدفة، يعيشون صداماً ورفضاً للغالب الأعم من ظواهر ومنتجات الحداثة، المرابطين في خنادق المركزية والمحافظة والماضوية.  

من تلكم الثنائية، تبدو العلاقة الثنائية شديدة الوضوح، بين مجتمعات سائلة، تعتبر نفسها جزءا حيوياً من تاريخ قديم ومتقادم، منتج ومراكم لكل أنواع الثراء الإنساني، وأخرى تعتبر نفسها يتيمة، ولدت للتو كجيل أول ووحيد، ليس لها في التاريخ أي ثراء، خلا بعض حكايات الذكورة الرعناء، عن البطولة والحروب ومفاخرها، وتالياً لا تنتج إلا شيئاً واحداً: العصبيات الخالية من أية قيمة.