القرارات الدولية لا تصدر عن المجتمع الدولي ليُنفّذها من يستضعفهم المستهدفون بها
القرارات الدولية لا تصدر عن المجتمع الدولي ليُنفّذها من يستضعفهم المستهدفون بها - الصورة للوحة إعلانية على طريق جونية الساحلية

يحمّل كثيرون اللبنانيين مسؤولية ما آلت إليه أوضاع بلادهم الكارثية، على قاعدة أنّ غالبية هذا الشعب لم تتصدّ لخطة "حزب الله" الذي نجح في فرض هيمنته على البلاد التي تحوّلت، بنظر دول مجلس التعاون الخليجي، إلى "مأوى للإرهاب".

وبغض النظر عن دقة أو خطأ الاتهامات الموجهة إلى غالبية اللبنانيين، إلّا أنّه بات ثابتاً أنّ لبنان، بقواه الذاتية، أعجز من أن يواجه "حزب الله" ويفرض عليه الشروط التي من شأنها أن تعيد دمج "بلاد الأرز" في المنظومة الدولية والعربية وتسمح له، تالياً، بالخروج من الحفرة الجهنّمية التي وقع فيها.

ووفق السفير السابق جوني عبدو الذي يُعتبر من أكبر الخبراء في الشأن اللبناني، فإنّ هذا التشخيص للواقع اللبناني الراهن يفرض إدخال تعديلات جذرية على طريقة عمل "القوى السيادية"، إذ إنّ المواجهة مع "حزب الله" إذا بقيت منوطة بالقوى اللبنانية، فهي لن تكون منتجة لمفاعيلها، نظراً لامتلاك "حزب الله" قدرات "ترهيبية" حاسمة.

ويقترح عبدو الذي لعب أدواراً مهمة في صناعة القرارات السياسية والأمنية، بصفته مديراً للمخابرات في عهد الرئيس الراحل الياس سركيس، ومن ثم بصفته سفيراً للبنان في كل من سويسرا وفرنسا في عهد الرئيس أمين الجميل وبداية عهد الرئيس الراحل الياس الهراوي، وجوب نقل المواجهة مع "حزب الله" من لبنانية الى دولية.

وهو يقصد بذلك، أنّ "حزب الله" مستهدف بقرارات دولية سبق أن أصدرها مجلس الأمن، وهي لا تزال تتكرّر، في كل مناسبة تعنى بالشأن اللبناني، كما هي عليه الحال مع القرارين 1559 و1680 و1701، ويجب تالياً أن تكون المواجهة مباشرة بين المجتمع الدولي من جهة و"حزب الله" من جهة أخرى، وليس بين "القوى اللبنانية السيادية" من جهة و"حزب الله" من جهة أخرى، كما هو حاصل منذ سنوات، من دون أي نتيجة إيجابية تذكر.

وهذا لا يعني، وفق عبدو، أنّ "القوى السيادية اللبنانية" سوف تجلس منتظرة على "حافة النهر"، بل عليها أن تُدخل تعديلات أساسية على المهمات المناطة بها، بحيث تتولّى خلق تيار قوي، في الداخل والخارج في آن، يضغط على المجتمع الدولي، من أجل أن يعمل جاهداً لتنفيذ القرارات التي سبق أن أصدرها مجلس الأمن وبقيت، من دون تنفيذ.

ويقول عبدو إنّ القرارات الدولية لا تصدر عن المجتمع الدولي ليُنفّذها من يستضعفهم المستهدفون بها، بل لينفّذها القادرون الذين توافقوا على إصدارها، وهذا يفيد أنّ على اللبنانيين أن يضغطوا، بلا هوادة، على المجتمع الدولي، من أجل أن ينفّذ القرارات التي أصدرها وتقضي بنزع سلاح "حزب الله" ومنع تمرير المقاتلين والأسلحة عبر الحدود وترسيم الحدود بين لبنان وسوريا، وفق مقتضيات القرارات 1559 و1680 و1701.

وفي رأي عبدو إنّ هذه المهمّة لا تهدف الى توفير الأمان لـ"القوى السيادية اللبنانية" بل إلى تثمير نضالها مع رفع نسبة المخاطر، لأنّ "حزب الله" يمكن أن يتهاون مع من يواجهه مباشرة، نظراً لتفوّقه في معادلة توازن الرعب، ولكنّه يستحيل أن يرحم من يمكن أن يضعه في مواجهة مع المجتمع الدولي.

وهو يعتبر أنّ اغتيال الرئيس رفيق الحريري والرائد وسام عيد والوزير السابق محمد شطح، جاء على هذه الخلفية، إذ إنّ الحريري كان لاعباً أساسياً في ولادة القرار 1559، وعيد كان "حجر الزاوية" في وضع الفرقة الأمنية التابعة لـ"حزب الله" التي نفّذت اغتيال الحريري، في عهدة "لجنة التحقيق الدولية المستقلة" التابعة للأمم المتحدة، وشطح كاد ينجح، قبيل اغتياله، في مساعيه الرامية الى تحويل "إعلان بعبدا" إلى قرار دولي يتبنّاه مجلس الأمن.

على أي حال، لا تكمن أهمية اقتراح السفير عبدو الذي تعمّقتُ معه في نقاشه، في جلسة جمعتني به في العاصمة الفرنسية قبل يومين، في حيثياته، على أهميتها، إنّما في "أسبابه الموجبة"، إذ إنّ الواقع اللبناني الذي أصبح جحيمياً، بكل ما تحمل هذه العبارة من معان، لم يعد يحتمل الطروحات والنقاشات الكلاسيكية التي ظهر عقمها، بل بات، بحاجة، الى تفكير خلّاق من "خارج العلبة".

ولقد جرّب اللبنانيون كلّ ما يملكون من قدرات فآلت كلّها الى الفشل الذريع: الانتخابات النيابية، حكومات المواجهة، الكباش النيابي، الصراع في الشارع، الحوار الوطني، فك الاشتباك، الحوارات الثنائية، التنازل، والخضوع.

ثمّة خطوة واحدة لا تزال "القوى اللبنانية السيادية" تحاول تجنّبها، وهي التي يقترحها عبدو: تبنٍّ صريح وشجاع للقرارات الدولية ذات الصلة بلبنان والضغط على المجتمع الدولي ليسعى، بلا هوادة، من أجل تنفيذها.

وصول الأمين العام للأمم المتحدّة أنطونيو غوتيرش الى بيروت، بعد ظهر الأحد المقبل، قد يكون أفضل مناسبة لوضع الاقتراح قيد الاختبار.

قصر العدل في روما الذي يضم مقر محكمة الاستئناف العليا في إيطاليا (أرشيف)
قصر العدل في روما الذي يضم مقر محكمة الاستئناف العليا في إيطاليا (أرشيف)

بفضل العمل في عدة مؤسسات بحثية دولية، قُيض لكاتب هذه السطور أن يزور العاصمة الإيطالية روما عدة مرات خلال السنوات الماضية. حيث، وخلال كل زيارة من تلك، كانت العلاقة التي تربط سكان المدينة الحاليين بالذاكرة والتاريخ الأقدم للمدينة مثار غرابة وإعجاب على الدوام. بالضبط من حيث ما هم عليه من غنى ووصال وفاعلية في علاقتهم من مدينتهم القديمة. 

كان يحدث ذلك، مقابل العوز والمتاركة والقطيعة التي كان كاتب هذه السطور عليها، في علاقته العقلية والوجدانية والثقافية مع الحاضرة التاريخية التي ولد وعاش بين ثناياها. هو المتأتي من مكان كان يوماً عاصمة إمبراطورية تاريخية كبرى، شبيهة بروما نفسها، من قرية موزان شمال شرقي سوريا، التي تضم رفاة مدينة أوركيش التاريخية، التي كانت عاصمة المملكة الحورية القديمة. 

فأبناء مدينة روما الحاليون، وبمختلف أجيالهم، يعيشون المدينة القديمة وكأنها شيء حاضر وحيوي في تفاصيل حياتهم الراهنة. كانت روما القديمة، ولا تزال، ذات وجود متدفق في روما الراهنة، وفي أكثر من مستوى: عمارتها القديمة جزء مشهدي لا يمكن غض الطرف عنه في كل تفاصيل المدينة الحالية، بما في ذلك داخل بيوت سكانها، وسيرة التوأمين اللذين أسسا المدينة كثيفة في الذاكرة الجمعية، ومرويات حُقب المدينة القديمة وحكاياتها الشهيرة ومراحل تحولها الرئيسية جزء من الآداب والمناهج التربوية التي تنتجها المدينة الحديثة. وإلى جانب ذلك، ثمة متاحف وتماثيل مرئية ومنتجات تقنية وأنواع كثيرة من الآداب والفنون التي يفرزها الحاضرون يوماً، مبنية كلها وذات علاقة وثيقة مع ما كانت عليه المدينة القديمة، حيث إن السكان الحاليون في باطن وعيم يتصورون أنفسهم كامتداد روحي وثقافي وتاريخي لما كانت عليه روما القديمة.  

يحدث كل ذلك، في وقت لا يعاني فيه سكان روما الحاليون مع أية مشكلة أو صِدام مع الحداثة، بكل منتجاتها وأدوات فعلها ونوعية التفكير وأشكل السلوك التي تنفرز عنها. بل على العكس تماماً، يبدو الحضور الكثيف للمدينة التاريخية وذاكرتها في حاضر السكان، وكأنه أهم مصادر الغنى والحيوية للسكان، ما لم نقل الثقة بالذات، التي تنتج ممرات للاعتراف بالآخر وفسحة لطراوة الوجدان والمخيلة، تلك الأشياء التي تمنح السكان الحاليين قوة وجدانية وعقلية للانخراط كل اشكال الحداثة.  

على الدفة الأخرى، فإن كاتب السطور لم يسبق له أن عرف شيئاً عن العاصمة التاريخية القديمة التي ولد، هو وأبوه وجده وكامل أفراد عائلته، على بُعد عدة مئات من الأمتار منها. لم يعرف حتى اسمها التاريخي ولا مؤسسها ولا الحاضرة والمضامين التي كانت عليه هذه المدينة التاريخية. ليس هو فحسب، بل كامل الفضاء الاجتماعي والثقافي والإنساني المحيط بذاك المكان، الذين كانت تلك الحاضرة على الدوام واحدة من أكبر مجاهيل الحياة وأكثرها غموضاً بالنسبة لهم. 

فما عرفته شخصياً عن هذه المدينة القديمة، وبعد سنوات كثيرة من العيش بالقرب منها والمرور اليومي بها، كان بفعل فضول استثنائي ومهني خاصٍ جداً، لم يكن متوفراً إلا للقليلين. تلك المدينة التي كانت حاضرة عمرانية وثقافية وتجارية طوال آلاف السنين، عاصمة للملكة الحورية لوقت طويل، ثم صارت جزءا من الفضاء السياسي والإنساني لممالك "أكاد" ومن بعدهم "ماري"، تحوي قصوراً ومعابداً وأسواقاً ونصوصاً وتماثيل ومنتجات تاريخية لا تُقدر بثمن، لها سيرة وتاريخ وشخصيات ومنتجات أدبية ودينية وثقافية هائلة، كانت يوماً منارة إنسانية لقرابة ربع العالم.   

كل ذلك كان مجهولاً كبيراً لكل البشر المحيطين بالمكان، ولا يزال. وحدهم أعضاء بعثات التنقيب الأجنبية كانوا يعرفون ما بداخل ذلك المكان/الحاضرة، هؤلاء الذين كانوا محاطين بسور فعلي وآخر أمني، يعملون بصمت داخل مكاتبهم، يستخرجون الآثار ويجرون الدراسات بلغاتهم الأجنبية، ولا يجدون وقتاً ومعنى لأن يشرحوا ويفسروا للسكان المحيطين ما يعثرون عليه ويكتشفونه داخل المدينة. حتى أن بعض السكان المحليين، الذين كانوا يعملون كعمال سخرة لدى أعضاء تلك البعثات، أنما كان ممنوعاً عليهم مسّ أي شيء تاريخي قد يجدونه أثناء عمليات النبش والتنقيب.  

لم تكن تلك القطيعة على المستوى المادي فحسب، فجهل السكان بالمكان ومحتوياته وسيرته، كان استعارة كبرى عن قطيعة هؤلاء مع التاريخ نفسه، وتالياً مع جزء من ذواتهم وخصائصهم، ككائنات تملك خاصية متمايزة عن باقي المخلوقات، على مستوى العلاقة مع الذاكرة والتاريخ الأبعد مما هو حاضر راهناً. وتالياً ككائنات خُلقت وراكمت مجموعة كبرى من المنتجات والذواكر والأفكار والقيم والآداب والتجارب، التي تشكل بمجموعها المصدر الأولي والدائم للثراء الإنساني.  

فما كان خاصاً بالبقعة التي نشأ فيها كاتب هذه السطور، كان يمتد لأن يكون ظاهرة عامة في كل مكان آخر. فكامل شمال شرق سوريا كان قائماً على بحر من الحواضر التاريخية القديمة، تحوي سهوبه كنوزاً من الآثار والمنتجات الإنسانية، لكنها جميعاً كانت عوالم مجهولة تماماً بالنسبة للسكان، غير حاضرة أو ذات معنى في الذاكرة الجمعية، لا يتم تداولها في المناهج التربوية وليس لها من قيمة في المنتجات الأدبية والثقافية والفنية والسياحية لأبناء المكان، ولا فاعلية لها في الضمير والمخيلة والعقل العام.  

يمتد ذلك الأمر ليشمل سوريا كلها، ومنها بنسب مختلفة لكل بلدان منطقتنا، الذين، ولغير صدفة، يعيشون صداماً ورفضاً للغالب الأعم من ظواهر ومنتجات الحداثة، المرابطين في خنادق المركزية والمحافظة والماضوية.  

من تلكم الثنائية، تبدو العلاقة الثنائية شديدة الوضوح، بين مجتمعات سائلة، تعتبر نفسها جزءا حيوياً من تاريخ قديم ومتقادم، منتج ومراكم لكل أنواع الثراء الإنساني، وأخرى تعتبر نفسها يتيمة، ولدت للتو كجيل أول ووحيد، ليس لها في التاريخ أي ثراء، خلا بعض حكايات الذكورة الرعناء، عن البطولة والحروب ومفاخرها، وتالياً لا تنتج إلا شيئاً واحداً: العصبيات الخالية من أية قيمة.