آلة مثيرة للجد تسمح بالانتحار بضغطة زر
آلة مثيرة للجد تسمح بالانتحار بضغطة زر

في سابقة هي الأولى من نوعها، كشف محام سوري شهير قبل أشهر عن غرابة وقسوة طبيعة استشارة قانونية واجهها تمثلت برغبة شابة جامعية معرفة التبعات القانونية التي يمكن أن تتعرض لها فيما يخص إنهاء حياة والدتها بما يعرف بالقتل الرحيم.  

الشابة التي أوضح المحامي أنها تعاني من وضع نفسي سيء للغاية، تعيش ظروفاً مادية مزرية لاتمكنها من تأمين الطعام والدواء لأبيها العاجز وأمها المصابة بمرض لاشفاء منه، الأمر الذي دفعها للتفكير في إماتة أمها موتاً رحيماً وتخليصها من آلامها المبرحة. 

لايختلف القانون السوري في أحكامه عن قوانين معظم دول العالم بما فيها دول العالم العربي والاسلامي، واعتبار القتل الرحيم جريمة قتل يعاقب عليها بحسب قانون كل بلد. مع أهمية الاشارة إلى أن مجمع الفقه الاسلامي الذي انعقد في عمان 1986 كان قد أجاز رفع أجهزة الانعاش عن المريض ضمن شروط قانونية وطبية واضحة وحاسمة لالبس فيها. 

في السنوات الأخيرة لوحظ تزايد ملفت لعدد الدول التي باتت تسمح بالقتل الرحيم أو المساعدة على الموت تحت ضغط متزايد من الراغبين بهذا الموت أو المؤيدين له، من بينها أربع دول أوربية، إضافة إل كندا ونيوزيلاندا وكولومبيا وبعض الولايات الأميركية، وفقاً لقواعد صارمة تشترط معاناة لاتطاق للمريض، وموافقته وهو في وعيه، وتأكيد طبي بأن ليس هناك أي أفق في الشفاء أو التحسن. 

آخر تحديثات هذه القضية التي ترتفع وتيرة الجدل بخصوصها حول العالم بين معارض ومؤيد، تمثلت بما أثارته آلة(Sarco) التي أعلن عنها مؤخراً والمزمع تجربتها مع حلول عام 2022 لمخترعها الطبيب فيليب نيتشكي في سويسرا والتي تمنح حق اختيار الانتحار. وهي آلة تشبه في شكلها التابوت وتسلب حياة الأشخاص "دون ألم وفي غضون دقائق" بحسب تصريحات الطبيب لصحيفة واشنطن بوست.   

السينما بتأثيرها العميق، كانت قد قاربت هذه الموضوعة  الجدلية بعدد من الأفلام المؤثرة، من أبرزها فيلم You don't Know Jack"- أنت لاتعرف جاك"  2010 الذي لعب فيه النجم العالمي آل باتشينو شخصية الطبيب الأميركي جاك كيفوركيان الذي توفى 2011 واكتسب شهرة عالمية باسم (عزرائيل) أو ملاك الموت، لترويجه لحق الوفاة طوعاً للمرضى الميؤوس من شفائهم، وساعد منذ عام 1990 بحسب اعترافه 130 شخصاً بالقتل الرحيم. 

والفيلم الأسباني "The Sea Inside" المعرب باسم "البحر بداخلي" من إنتاج 2004 وبطولة النجم الأسباني العالمي خافيير بارديم، الذي نال عدداً كبيرا من الجوائز العالمية من أبرزها فوزه بجائزة الأوسكار 2005 عن فئة أفضل فيلم أجنبي. ويحكي قصة حقيقية للشاعر الأسباني رامون سامبيدرو الذي خاض حملة لثلاثين عاماً من أجل حقه لتخليصه من معاناته في موت رحيم بعد إصابته بالشلل الرباعي إثر حادث غوص في البحر. 

يتقاطع الفيلمان في قضيتهما حول موضوع الموت الرحيم، لكنهما يختلفان بين الموقف الإنساني والقانوني والأخلاقي للجسم الطبي، ممثلاً بمن يقوم بإجراءات الموت ومقدرته الأخلاقية والنفسية والعصبية في مساعدة الآخرين على تحقيقه، كما في قضية الطبيب جاك كيفوركيان، وبين موقف المريض بذاته، صاحب القضية والجدل، مستجدي الموت ومعاناته. 

في الشق الأخير، لاشك أن معاناة مستجدي الموت لعبت دوراً أكثر تأثيراً بين المشاهدين عبر العالم، حيث نجح النجم العالمي خافيير بارديم ببراعة شديدة في إثارة المشاعر والأحاسيس التي يعيشها كمشلول أبدي تحت رحمة وشفقة وإرهاق من يساعده في قضاء احتياجاته، وورط المشاهدين في قصة حب وتعاطف شديد النفاذ وجعلهم يحبونه ويتعلقون به ويتمنون مساعدته ويعارضون فكرته للتخلص من حياته.  

لكنه في الوقت ذاته، تمكن من إقناع الآخرين المحيطين بحياته وفراشه، والمشاهدين الذين أحاطوه وجدانياً، بأن لاأحد بينهم يمكن أن يتحمل مايعانيه، وأن اثبات حبهم له حقيقة يعني موافقتهم ومساعدته على اتخاذ قرار الخلاص مهما كان القرار صعباً وقاسياً على الجميع، لكنه بالنسبة إليه، سيعني حفظ كرامته كإنسان قضى حياته مشلولاً ولارجاء من استمرارها. 

لاأحد يكره الحياة ومفارقتها ومفارقة أسرته ومحبيه إلا من يصل إلى مرحلة من الألم والمعاناة التي لاتطاق، وكل إنسان قد يتعرض لهذا الامتحان الوجودي الأصعب ويستجدي الموت لأجل الراحة الأبدية، حتى لو كانت جميع الشرائع الدينية تعتبر مرحلة الألم بمثابة رحلة تطهير وتكفير عن الآثام وامتحان من الخالق لعبده، إلا أن صاحب الألم قد يكون له رأي آخر ويتمنى مع كل نفس متبق له أن يحظى بخيار الرحيل بكبسة زر. 

كبسة زر وضعها الطبيب السويسري مؤخراً في ماكينة الموت(Sarco) قد تلقى رغم مظهرها المخيف والمؤثر رواجاً كبيراً في السنوات القادمة مع تنامي عدد الأشقياء من كارهي الحياة المصابين بأمراض كثيرة وعصية على الشفاء، أو المكسورين روحياً، أو كبار السن الذين يقبعون في وحدتهم الموحشة في دور العجزة، أو كل من يرى أنه لم يختر ولادته، ويتمنى اختيار النهاية. 

معاناة لايعرفها إلا من يعيشها، ربما لو قدر للشاعر رامون سامبيدرو في قصة فيلم البحر بداخلي أن يكون في مثل الأوقات، لاختار دون تردد اختصارها بعد تشريع الموت الرحيم في بلاده الاسبانية الكاثوليكية مؤخراً. معاناة تدركها الشابة السورية التي أدينت اجتماعياً لمجرد الاستشارة في إنهاء حياة والدتها، دون أن يفكر أحد  فيما سيفكر به وهلة لو كان مكانها، أو  يفكر في مساعدتها في تحسين شروط عيشها الشقي.  

قصر العدل في روما الذي يضم مقر محكمة الاستئناف العليا في إيطاليا (أرشيف)
قصر العدل في روما الذي يضم مقر محكمة الاستئناف العليا في إيطاليا (أرشيف)

بفضل العمل في عدة مؤسسات بحثية دولية، قُيض لكاتب هذه السطور أن يزور العاصمة الإيطالية روما عدة مرات خلال السنوات الماضية. حيث، وخلال كل زيارة من تلك، كانت العلاقة التي تربط سكان المدينة الحاليين بالذاكرة والتاريخ الأقدم للمدينة مثار غرابة وإعجاب على الدوام. بالضبط من حيث ما هم عليه من غنى ووصال وفاعلية في علاقتهم من مدينتهم القديمة. 

كان يحدث ذلك، مقابل العوز والمتاركة والقطيعة التي كان كاتب هذه السطور عليها، في علاقته العقلية والوجدانية والثقافية مع الحاضرة التاريخية التي ولد وعاش بين ثناياها. هو المتأتي من مكان كان يوماً عاصمة إمبراطورية تاريخية كبرى، شبيهة بروما نفسها، من قرية موزان شمال شرقي سوريا، التي تضم رفاة مدينة أوركيش التاريخية، التي كانت عاصمة المملكة الحورية القديمة. 

فأبناء مدينة روما الحاليون، وبمختلف أجيالهم، يعيشون المدينة القديمة وكأنها شيء حاضر وحيوي في تفاصيل حياتهم الراهنة. كانت روما القديمة، ولا تزال، ذات وجود متدفق في روما الراهنة، وفي أكثر من مستوى: عمارتها القديمة جزء مشهدي لا يمكن غض الطرف عنه في كل تفاصيل المدينة الحالية، بما في ذلك داخل بيوت سكانها، وسيرة التوأمين اللذين أسسا المدينة كثيفة في الذاكرة الجمعية، ومرويات حُقب المدينة القديمة وحكاياتها الشهيرة ومراحل تحولها الرئيسية جزء من الآداب والمناهج التربوية التي تنتجها المدينة الحديثة. وإلى جانب ذلك، ثمة متاحف وتماثيل مرئية ومنتجات تقنية وأنواع كثيرة من الآداب والفنون التي يفرزها الحاضرون يوماً، مبنية كلها وذات علاقة وثيقة مع ما كانت عليه المدينة القديمة، حيث إن السكان الحاليون في باطن وعيم يتصورون أنفسهم كامتداد روحي وثقافي وتاريخي لما كانت عليه روما القديمة.  

يحدث كل ذلك، في وقت لا يعاني فيه سكان روما الحاليون مع أية مشكلة أو صِدام مع الحداثة، بكل منتجاتها وأدوات فعلها ونوعية التفكير وأشكل السلوك التي تنفرز عنها. بل على العكس تماماً، يبدو الحضور الكثيف للمدينة التاريخية وذاكرتها في حاضر السكان، وكأنه أهم مصادر الغنى والحيوية للسكان، ما لم نقل الثقة بالذات، التي تنتج ممرات للاعتراف بالآخر وفسحة لطراوة الوجدان والمخيلة، تلك الأشياء التي تمنح السكان الحاليين قوة وجدانية وعقلية للانخراط كل اشكال الحداثة.  

على الدفة الأخرى، فإن كاتب السطور لم يسبق له أن عرف شيئاً عن العاصمة التاريخية القديمة التي ولد، هو وأبوه وجده وكامل أفراد عائلته، على بُعد عدة مئات من الأمتار منها. لم يعرف حتى اسمها التاريخي ولا مؤسسها ولا الحاضرة والمضامين التي كانت عليه هذه المدينة التاريخية. ليس هو فحسب، بل كامل الفضاء الاجتماعي والثقافي والإنساني المحيط بذاك المكان، الذين كانت تلك الحاضرة على الدوام واحدة من أكبر مجاهيل الحياة وأكثرها غموضاً بالنسبة لهم. 

فما عرفته شخصياً عن هذه المدينة القديمة، وبعد سنوات كثيرة من العيش بالقرب منها والمرور اليومي بها، كان بفعل فضول استثنائي ومهني خاصٍ جداً، لم يكن متوفراً إلا للقليلين. تلك المدينة التي كانت حاضرة عمرانية وثقافية وتجارية طوال آلاف السنين، عاصمة للملكة الحورية لوقت طويل، ثم صارت جزءا من الفضاء السياسي والإنساني لممالك "أكاد" ومن بعدهم "ماري"، تحوي قصوراً ومعابداً وأسواقاً ونصوصاً وتماثيل ومنتجات تاريخية لا تُقدر بثمن، لها سيرة وتاريخ وشخصيات ومنتجات أدبية ودينية وثقافية هائلة، كانت يوماً منارة إنسانية لقرابة ربع العالم.   

كل ذلك كان مجهولاً كبيراً لكل البشر المحيطين بالمكان، ولا يزال. وحدهم أعضاء بعثات التنقيب الأجنبية كانوا يعرفون ما بداخل ذلك المكان/الحاضرة، هؤلاء الذين كانوا محاطين بسور فعلي وآخر أمني، يعملون بصمت داخل مكاتبهم، يستخرجون الآثار ويجرون الدراسات بلغاتهم الأجنبية، ولا يجدون وقتاً ومعنى لأن يشرحوا ويفسروا للسكان المحيطين ما يعثرون عليه ويكتشفونه داخل المدينة. حتى أن بعض السكان المحليين، الذين كانوا يعملون كعمال سخرة لدى أعضاء تلك البعثات، أنما كان ممنوعاً عليهم مسّ أي شيء تاريخي قد يجدونه أثناء عمليات النبش والتنقيب.  

لم تكن تلك القطيعة على المستوى المادي فحسب، فجهل السكان بالمكان ومحتوياته وسيرته، كان استعارة كبرى عن قطيعة هؤلاء مع التاريخ نفسه، وتالياً مع جزء من ذواتهم وخصائصهم، ككائنات تملك خاصية متمايزة عن باقي المخلوقات، على مستوى العلاقة مع الذاكرة والتاريخ الأبعد مما هو حاضر راهناً. وتالياً ككائنات خُلقت وراكمت مجموعة كبرى من المنتجات والذواكر والأفكار والقيم والآداب والتجارب، التي تشكل بمجموعها المصدر الأولي والدائم للثراء الإنساني.  

فما كان خاصاً بالبقعة التي نشأ فيها كاتب هذه السطور، كان يمتد لأن يكون ظاهرة عامة في كل مكان آخر. فكامل شمال شرق سوريا كان قائماً على بحر من الحواضر التاريخية القديمة، تحوي سهوبه كنوزاً من الآثار والمنتجات الإنسانية، لكنها جميعاً كانت عوالم مجهولة تماماً بالنسبة للسكان، غير حاضرة أو ذات معنى في الذاكرة الجمعية، لا يتم تداولها في المناهج التربوية وليس لها من قيمة في المنتجات الأدبية والثقافية والفنية والسياحية لأبناء المكان، ولا فاعلية لها في الضمير والمخيلة والعقل العام.  

يمتد ذلك الأمر ليشمل سوريا كلها، ومنها بنسب مختلفة لكل بلدان منطقتنا، الذين، ولغير صدفة، يعيشون صداماً ورفضاً للغالب الأعم من ظواهر ومنتجات الحداثة، المرابطين في خنادق المركزية والمحافظة والماضوية.  

من تلكم الثنائية، تبدو العلاقة الثنائية شديدة الوضوح، بين مجتمعات سائلة، تعتبر نفسها جزءا حيوياً من تاريخ قديم ومتقادم، منتج ومراكم لكل أنواع الثراء الإنساني، وأخرى تعتبر نفسها يتيمة، ولدت للتو كجيل أول ووحيد، ليس لها في التاريخ أي ثراء، خلا بعض حكايات الذكورة الرعناء، عن البطولة والحروب ومفاخرها، وتالياً لا تنتج إلا شيئاً واحداً: العصبيات الخالية من أية قيمة.