تصاعد التوترات الحدودية بين أوكرانيا وروسيا
تصاعد التوترات الحدودية بين أوكرانيا وروسيا

في الأزمة الأوكرانية تتمسك النخب الروسية بطبيعة الهيمنة على جوارها التاريخي، وتربط بين الجيوبولتيكا والعقيدة لتبررها، وهي الآن تستخدمها  للوقوف بوجه خيارات الشعب والدولة في تقرير مصيرهما أو مصالحهما التي باتت خارج الإرادة الروسية، لذلك لا تترد موسكو بفرض خياراتها على الأوكران ولو بالقوة، وآخر خطواتها كان فرض شروط علاقتها مع كييف بالإكراه حتى لو اضطرت على إجبارها على التحالف معها، فموسكو المتوترة جدا من مشاريع توسع الناتو على حدودها، عادت إلى مسوغاتها التقليدية في علاقاتها التاريخية مع أوكرانيا، بأسلوب أقرب إلى زواج تقليدي يفرض دون مراجعة رأي الشريك، وكأن الشراكة مع موسكو مفروضة مهما كان رأي الطرف الآخر.

ترفض النخب الروسية لغة الأرقام. وفي آخر إحصاء جرى في أوكرانيا وافق 62% على الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، 58% على الانضمام إلى حلف الناتو. هذه الأرقام تكشف عمليا رغبة الأغلبية الأوكرانية في التوجه نحو الغرب، في الوقت الذي تتحدث فيه موسكو عن روسيا التاريخية، أو ما يسميه الرئيس بوتين بروسيا الواحدة والتي تضم (روسيا أوكرانيا وبيلاروسيا)، حيث تعمد النخب الروسية، في الحديث عن أوكرانيا، إلى تعويم فكرة الشعب الواحد في  "روسيتين" الكبرى روسيا والصغرى أوكرانيا، وهي محاولة لإلغاء الهوية الوطنية الأوكرانية، أو التعامل معها كمحمية روسية كما جاء في تصريح سابق لمستشار الأمن القومي الروسي نيكولاي باتروشيف.  

توتر صناع القرار الروسي تجاه الناتو وأوكرانيا، يكشف عن أن التهديد لم يصل إلى الحديقة الخلفية لروسيا بل إن أزمة العلاقة مع كييف تمس جوهر العقيدة الجيوسياسية الروسية وفضاءها العام، حيث تكشف تصرفات موسكو عن معركة وجودية تهدد كيان الدولة الروسية - ومستقبل نظام فلاديمير بوتين - التي تخطط للتجديد له في انتخابات 2024. بوتين ونظامه أمام معضلة صعبة لا يمكنها الذهاب إلى انتخابات 2024 من دون أوكرانيا، وهذا يتطلب اتخاذ قرارات صعبة، فالتسوية التي تعطي كييف هامشا من الحرية في خياراتها هزيمة للكرملين، ومن جهة اتخاذ قرار استعادتها بالقوة سيكون أيضا مكلفا على الكرملين.

عمليا أثبتت الأحداث الأخيرة المتسارعة أن موسكو لن تسمح بتجاوز ما تعتبره خطوطا حمراء. وعادت وذكرت الجميع بأزمة الصواريخ الكوبية 1961 وأزمة خليج الخنازير سنة 1962، مؤكدة أنها لن تسمح بوجود بنية تحتية لحلف الناتو على حدودها. وهذا يعني أنها ترفض بشكل قاطع انضمام أوكرانيا لحلف الناتو وهو ما جاء على لسان  نائب وزير خارجيتها سيرغي ريابكوف الذي أكد على رفض بلاده فكرة انضمام أوكرانيا لحلف شمال الأطلسي (الناتو)، وقال "إن تلك الفكرة لا تلائم روسيا نهائيا، وإنها ستواجهها. لذلك تضغط لحل الأزمة بالطرق الدبلوماسية والا ستذهب لخيارات أخرى".

الانفعال الروسي من الأزمة مع أوكرانيا كشف عن مخاوف تتجاوزها، فقد قدمت موسكو مجموعة من المقترحات لواشنطن يوم الجمعة الفائت، تطالبها بضمانات بعدم توسع الحلف شرقا وبعدم ضم أوكرانيا أو أي دولة كانت ضمن جمهوريات الاتحاد السوفياتي السابق، ومن المستحيل أن تتلقى موسكو تجاوبا أميركيا أوروبيا مع هذه الشروط، خصوصا في الوقت الذي رفض فيه الناتو الخضوع لأي شروط تجاه ضم أي بلد للتحالف، معتبرا أن ما تطالب به موسكو من تعهدات جرت في قمة بوخارست سنة 2008 ليس له أي أسس قانونية. وفي إطار واضح على رفض المناورة الروسية تعهد  الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي "الناتو" بالوقوف بجانب كييف في حال أقدمت روسيا على التوغل في أراضيها.

وعود على بدء، وبالعودة إلى طبيعة الهيمنة الروسية على مجالها الحيوي، يبدو أن موسكو ذاهبة إلى خيارات صعبة ومكلفة، قد تجعل من أوكرانيا ألمانيا جديدة حيث من الممكن أن نشهد جدار برلين جديدا يفصل بينها وبين الأوروبيين والأميركيين، إيذانا بحرب باردة جديدة. 

قصر العدل في روما الذي يضم مقر محكمة الاستئناف العليا في إيطاليا (أرشيف)
قصر العدل في روما الذي يضم مقر محكمة الاستئناف العليا في إيطاليا (أرشيف)

بفضل العمل في عدة مؤسسات بحثية دولية، قُيض لكاتب هذه السطور أن يزور العاصمة الإيطالية روما عدة مرات خلال السنوات الماضية. حيث، وخلال كل زيارة من تلك، كانت العلاقة التي تربط سكان المدينة الحاليين بالذاكرة والتاريخ الأقدم للمدينة مثار غرابة وإعجاب على الدوام. بالضبط من حيث ما هم عليه من غنى ووصال وفاعلية في علاقتهم من مدينتهم القديمة. 

كان يحدث ذلك، مقابل العوز والمتاركة والقطيعة التي كان كاتب هذه السطور عليها، في علاقته العقلية والوجدانية والثقافية مع الحاضرة التاريخية التي ولد وعاش بين ثناياها. هو المتأتي من مكان كان يوماً عاصمة إمبراطورية تاريخية كبرى، شبيهة بروما نفسها، من قرية موزان شمال شرقي سوريا، التي تضم رفاة مدينة أوركيش التاريخية، التي كانت عاصمة المملكة الحورية القديمة. 

فأبناء مدينة روما الحاليون، وبمختلف أجيالهم، يعيشون المدينة القديمة وكأنها شيء حاضر وحيوي في تفاصيل حياتهم الراهنة. كانت روما القديمة، ولا تزال، ذات وجود متدفق في روما الراهنة، وفي أكثر من مستوى: عمارتها القديمة جزء مشهدي لا يمكن غض الطرف عنه في كل تفاصيل المدينة الحالية، بما في ذلك داخل بيوت سكانها، وسيرة التوأمين اللذين أسسا المدينة كثيفة في الذاكرة الجمعية، ومرويات حُقب المدينة القديمة وحكاياتها الشهيرة ومراحل تحولها الرئيسية جزء من الآداب والمناهج التربوية التي تنتجها المدينة الحديثة. وإلى جانب ذلك، ثمة متاحف وتماثيل مرئية ومنتجات تقنية وأنواع كثيرة من الآداب والفنون التي يفرزها الحاضرون يوماً، مبنية كلها وذات علاقة وثيقة مع ما كانت عليه المدينة القديمة، حيث إن السكان الحاليون في باطن وعيم يتصورون أنفسهم كامتداد روحي وثقافي وتاريخي لما كانت عليه روما القديمة.  

يحدث كل ذلك، في وقت لا يعاني فيه سكان روما الحاليون مع أية مشكلة أو صِدام مع الحداثة، بكل منتجاتها وأدوات فعلها ونوعية التفكير وأشكل السلوك التي تنفرز عنها. بل على العكس تماماً، يبدو الحضور الكثيف للمدينة التاريخية وذاكرتها في حاضر السكان، وكأنه أهم مصادر الغنى والحيوية للسكان، ما لم نقل الثقة بالذات، التي تنتج ممرات للاعتراف بالآخر وفسحة لطراوة الوجدان والمخيلة، تلك الأشياء التي تمنح السكان الحاليين قوة وجدانية وعقلية للانخراط كل اشكال الحداثة.  

على الدفة الأخرى، فإن كاتب السطور لم يسبق له أن عرف شيئاً عن العاصمة التاريخية القديمة التي ولد، هو وأبوه وجده وكامل أفراد عائلته، على بُعد عدة مئات من الأمتار منها. لم يعرف حتى اسمها التاريخي ولا مؤسسها ولا الحاضرة والمضامين التي كانت عليه هذه المدينة التاريخية. ليس هو فحسب، بل كامل الفضاء الاجتماعي والثقافي والإنساني المحيط بذاك المكان، الذين كانت تلك الحاضرة على الدوام واحدة من أكبر مجاهيل الحياة وأكثرها غموضاً بالنسبة لهم. 

فما عرفته شخصياً عن هذه المدينة القديمة، وبعد سنوات كثيرة من العيش بالقرب منها والمرور اليومي بها، كان بفعل فضول استثنائي ومهني خاصٍ جداً، لم يكن متوفراً إلا للقليلين. تلك المدينة التي كانت حاضرة عمرانية وثقافية وتجارية طوال آلاف السنين، عاصمة للملكة الحورية لوقت طويل، ثم صارت جزءا من الفضاء السياسي والإنساني لممالك "أكاد" ومن بعدهم "ماري"، تحوي قصوراً ومعابداً وأسواقاً ونصوصاً وتماثيل ومنتجات تاريخية لا تُقدر بثمن، لها سيرة وتاريخ وشخصيات ومنتجات أدبية ودينية وثقافية هائلة، كانت يوماً منارة إنسانية لقرابة ربع العالم.   

كل ذلك كان مجهولاً كبيراً لكل البشر المحيطين بالمكان، ولا يزال. وحدهم أعضاء بعثات التنقيب الأجنبية كانوا يعرفون ما بداخل ذلك المكان/الحاضرة، هؤلاء الذين كانوا محاطين بسور فعلي وآخر أمني، يعملون بصمت داخل مكاتبهم، يستخرجون الآثار ويجرون الدراسات بلغاتهم الأجنبية، ولا يجدون وقتاً ومعنى لأن يشرحوا ويفسروا للسكان المحيطين ما يعثرون عليه ويكتشفونه داخل المدينة. حتى أن بعض السكان المحليين، الذين كانوا يعملون كعمال سخرة لدى أعضاء تلك البعثات، أنما كان ممنوعاً عليهم مسّ أي شيء تاريخي قد يجدونه أثناء عمليات النبش والتنقيب.  

لم تكن تلك القطيعة على المستوى المادي فحسب، فجهل السكان بالمكان ومحتوياته وسيرته، كان استعارة كبرى عن قطيعة هؤلاء مع التاريخ نفسه، وتالياً مع جزء من ذواتهم وخصائصهم، ككائنات تملك خاصية متمايزة عن باقي المخلوقات، على مستوى العلاقة مع الذاكرة والتاريخ الأبعد مما هو حاضر راهناً. وتالياً ككائنات خُلقت وراكمت مجموعة كبرى من المنتجات والذواكر والأفكار والقيم والآداب والتجارب، التي تشكل بمجموعها المصدر الأولي والدائم للثراء الإنساني.  

فما كان خاصاً بالبقعة التي نشأ فيها كاتب هذه السطور، كان يمتد لأن يكون ظاهرة عامة في كل مكان آخر. فكامل شمال شرق سوريا كان قائماً على بحر من الحواضر التاريخية القديمة، تحوي سهوبه كنوزاً من الآثار والمنتجات الإنسانية، لكنها جميعاً كانت عوالم مجهولة تماماً بالنسبة للسكان، غير حاضرة أو ذات معنى في الذاكرة الجمعية، لا يتم تداولها في المناهج التربوية وليس لها من قيمة في المنتجات الأدبية والثقافية والفنية والسياحية لأبناء المكان، ولا فاعلية لها في الضمير والمخيلة والعقل العام.  

يمتد ذلك الأمر ليشمل سوريا كلها، ومنها بنسب مختلفة لكل بلدان منطقتنا، الذين، ولغير صدفة، يعيشون صداماً ورفضاً للغالب الأعم من ظواهر ومنتجات الحداثة، المرابطين في خنادق المركزية والمحافظة والماضوية.  

من تلكم الثنائية، تبدو العلاقة الثنائية شديدة الوضوح، بين مجتمعات سائلة، تعتبر نفسها جزءا حيوياً من تاريخ قديم ومتقادم، منتج ومراكم لكل أنواع الثراء الإنساني، وأخرى تعتبر نفسها يتيمة، ولدت للتو كجيل أول ووحيد، ليس لها في التاريخ أي ثراء، خلا بعض حكايات الذكورة الرعناء، عن البطولة والحروب ومفاخرها، وتالياً لا تنتج إلا شيئاً واحداً: العصبيات الخالية من أية قيمة.