عام على تولي بايدن الرئاسة الأميركية
عام على تولي بايدن الرئاسة الأميركية

تقترب إدارة بايدن من إتمام عامها الأول في البيت الأبيض، ما الذي تغيير؟ وما الذي بقي على حاله؟...كيف جاء أداؤها، وكيف تبدو صورتها في عيون قادة المنطقة وفاعليها؟، وسنكتفي في هذه المقالة، بوقفات سريعة عند أربعة من أكثر ملفات الإقليم سخونة: إيران، اليمن، فلسطين ومسألة الديمقراطية وحقوق الإنسان. 

نبدأ بإيران، التي ستشهد بدورها انتقال السلطة من جناح معتدل/إصلاحي في النظام، إلى آخر أصولي/ثوري بعد نصف عام على تولي بايدن السلطة...القناعة التي هيمنت على القيادة الإيرانية الجديدة، وحكمت سلوكها في مفاوضات فيينا النووية، أنها أمام إدارة ضعيفة ومترددة، تفصل بين أقوالها وأفعالها مسافة كبيرة، ليست بوارد إشعال حرب عليها ولا هي قادرة على صنع سلام معها...شجعها ذلك على إدخال تعديلات على "المسوّدات" التي تم إنجازها في جولات تفاوضية ست، سبقت مجيء حكومة إبراهيم رئيسي...الجولة السابعة تراوح بين مدّ وجزر، فيما طهران لم توقف أنشطتها النووي والصاروخية، ولم تظهر أي تغيير ذي مغزى على أدائها الإقليمي، فيما فرص نجاح المفاوضات تعادل فرص فشلها، وفي مطلق الأحوال، فالملف برمته ترحّل للعام 2022. 

بخلاف ترامب، نجح بايدن في توحيد "الجبهة الغربية" خلفه في مفاوضات فيينا، أوروبا باتت أقرب إلى الولايات المتحدة قبالة إيران، لكنه وبخلاف ترامب أيضاً، نجح في إبعاد "الجبهة الخليجية" عن واشنطن في مواقفها من طهران...دول الخليج، في غالبيتها، تجنح وبأقدار متفاوتة، للتفاوض سراً وعلناً مع إيران، وهي ترفض بأقدارٍ متفاوتة، "الخيار العسكري" في التعامل مع طهران، أولاً لانعدام اليقين لديها بوجود خيار كهذا لدى إدارة بايدن، وثانياً، لخشيتها من أن يكون خياراً محدوداً، يتركها مستقبلاً وحيدة في مواجهة  مع الجارة "المتسلطة" على الضفة الأخرى للخليج، وثالثاً، لتحسبها من تطاير شظايا المعارك، إلى داخلها "الهش"، فيكون ثمن الحرب أكثر فداحة عليها من عواقب البرنامج النووي ذاته. 

إسرائيل، الطرف الأكثر اعتناء بالملف الإيراني بكل فصوله، تعيد مع بايدن سيرة علاقاتها مع أوباما، رغم انتقال السلطة فيها من يمين برئاسة نتنياهو إلى يمين برئاسة بينت...لم ينجح بايدن بكل دبلوماسيته ورهاناته على غانتس – لبيد في إقناعها بالانضباط خلف استراتيجيته وتكتيكاته، كما لم ينجح في إقناع قادتها، على تنوع أحزابهم، من إبقاء الخلافات خلف أبواب مغلقة...العلاقة الأمريكية – الإسرائيلية تشكو اهتزازاً حول هذا العنوان، كما حول عناوين أخرى غيره. 

وليس بعيداً عن الملف الإيراني بتشعباته، اعتمدت إدارة بايدن تكتيك "رجل الإطفاء" بين الفلسطينيين والإسرائيليين، أطلقت الكثير من الوعود والتعهدات بـ"عكس" سياسات ترامب و"صفقة القرن"، نفذت أقلها أهمية، وأبقت الأكثر أهمية منها، معلقاً في الهواء ورهناً بالتطورات...لم تفتح القنصلية في القدس الشرقية كما وعدت، ولم تأذن بفتح مكتب منظمة التحرير في واشنطن (فالمسألة معقدة وشائكة) على حد قولها، ظلت رؤيتها حول "حل الدولتين" مشروعاً هائماً – ضبابياً، لا أقدام له ليسير عليها...احتاجت عاماً كاملاً لتشرع في حوار "اقتصادي" مع السلطة، لم يبادر رئيسها للاتصال بمحمود عباس كما فعل مع غيره من قادة المنطقة، كل الحركة الأمريكية على هذا المسار تدور حول إجراءات بناء الثقة واستكمال مسارات إبراهام، والتهدئة في غزة، فيما حكومة بينت – لبيد، تواصل استيطانها الزاحف في الضفة والقدس، وتصعّد انتهاكاتها لحرمة المسجد الأقصى، ولا تبدي أي ليونة جدية حتى على مسارات بناء الثقة والتهدئة، والأرجح أن ولاية الإدارة ستنقضي، من دون فتح الملفات الصراعية الكبرى بين الفلسطينيين والإسرائيليين، هكذا هو لسان حال أطراف الصراع. 

وليس بعيداً عن إيران كذلك، حظيت القضية اليمنية باهتمام مبكر من لدن إدارة بايدن، وجرى تعيين موفد أمريكي لوقف "المذبحة الممتدة" منذ سبع سنوات عجاف...لكن لا تقدم يذكر على الإطلاق، لا شيء أكثر من جولات مكوكية متباعدة يقوم بها تيموثي ليندركينج...الحوثيون استقبلوا إدارة بايدن بفتح معركة مأرب، بعد شهرين فقط على تشكيل الإدارة، وتحولت المدينة الاستراتيجية، إلى عنوان يختصر الحرب في اليمن وعليه...والتحالف السعودي الإماراتي نفذّ من الضربات الجوية والصاروخية ما لم يفعله زمن ترامب...لا "دالة" لواشنطن على حلفائها، ولا قدرة لها للتأثير على الحوثي...هي مثل أهل المنطقة، تعد الأيام والأسابيع والشهور لمعرفة مصير مأرب، مكتفية ببيان يصدر هناك، وآخر رباعياً مع الرياض ولندن وأبو ظبي يصدر هناك، حتى باتت القناعة تتكرس لدى الأطراف ذات الصلة، بأن مصير مأرب سيُحسم في فيينا وليس على جبهاتها الجنوبية والغربية. 

عامٌ آخر انقضى على أبشع مأساة إنسانية من صنع الإنسان، تفاقمت خلاله معاناة أهل اليمن من شيوخ ونساء وأطفال...لا الإدارة قادرة على حسم الحرب أو صنع السلام، لا هي قادرة على كبح حلفائها ولا هي راغبة في إتمام صفقة مع خصومهم...هي من جهة لا تريد أن تهدي إيران فوزاً مجانياً في اليمن، وهي من جهة ثانية، لا تريد أن تضغط على حلفائها في هذا الملف بأكثر مما ينبغي، فهم بالكاد ابتلعوا فكرة عودتها لاتفاق فيينا، و"ضربتين في الرأس بتوجع" كما يقول المثل الدارج في المنطقة، وما ينطبق على السعودية في اليمن، ينطبق على إسرائيل في فلسطين بهذا القدر أو ذاك. 

أما ملف الديمقراطية وحقوق الإنسان، فلا يبدو أن أحداً في الإقليم قد أخذه على محمل الجد...لا نشطاء الديمقراطية ودعاة حقوق الإنسان، ولا الجنرالات والمستبدين وفرسان الدول العميقة في منطقتنا...الديمقراطية سجلت انتكاستين خطيرة في عهد بايدن، واحدة في تونس (إجراءات 25 جوليه) والثانية في السودان (انقلاب 25 أكتوبر)، والمؤسف أنه بعد فيض البيانات المنددة والمحذرة والمستنكرة التي صدرت عن واشنطن وعواصم الغرب، يعود البيت الأبيض ليرى في استدراكات سعيّد الأخيرة (13 ديسمبر) وفي اتفاق البرهان – حمدوك (21 نوفمبر) خطوات إيجابية للأمام، يمكن البناء عليها لاستنقاذ المسار الانتقالي في البلدين، مع أن القوى الديمقراطية في البلدين تعتقد بخلاف ذلك، وما انفكت تملأ الشوارع والميادين مذ أصيب هذا المسار، بانتكاسات مؤلمة. 

القادة الاستبداديون في المنطقة، ومعظمهم محسوب على "حلف واشنطن" يمارسون يومياتهم المعتادة، وأحياناً بالتخلي عن بعض الحذر الذي رافق دخول هذه الإدارة للبيت الأبيض، مراهنين على حاجة واشنطن لـ"الاستقرار" و"التعاون الاستخباري" و"التطبيع مع إسرائيل" و"وقف التمدد الصيني والروسي"...تعددت ذرائع المستبدين و"أغطيتهم"، ولكن النتيجة واحدة. 

لا شيء جوهرياً تغيير في العام الأول لإدارة بايدن، والمسافة بين الأقوال والأفعال ما زالت على اتساعها، والمقارنات بين عهدي بايدن وترامب، تجد ما يبررها في الإقليم، وصورة الإدارة الضعيفة والمترددة، التي لا تقوى فعل الحرب أو صنع السلام، ولا تنجح في إي من الملفات الدامية المفتوحة، تتكرس في أذهان صناع القرار...ولو تناولنا أزمات أخرى، مثل لبنان والعراق وسوريا وليبيا، لصارت الصورة أكثر اكتمالاً، لكن المقام لا يتسع للمزيد. 

قصر العدل في روما الذي يضم مقر محكمة الاستئناف العليا في إيطاليا (أرشيف)
قصر العدل في روما الذي يضم مقر محكمة الاستئناف العليا في إيطاليا (أرشيف)

بفضل العمل في عدة مؤسسات بحثية دولية، قُيض لكاتب هذه السطور أن يزور العاصمة الإيطالية روما عدة مرات خلال السنوات الماضية. حيث، وخلال كل زيارة من تلك، كانت العلاقة التي تربط سكان المدينة الحاليين بالذاكرة والتاريخ الأقدم للمدينة مثار غرابة وإعجاب على الدوام. بالضبط من حيث ما هم عليه من غنى ووصال وفاعلية في علاقتهم من مدينتهم القديمة. 

كان يحدث ذلك، مقابل العوز والمتاركة والقطيعة التي كان كاتب هذه السطور عليها، في علاقته العقلية والوجدانية والثقافية مع الحاضرة التاريخية التي ولد وعاش بين ثناياها. هو المتأتي من مكان كان يوماً عاصمة إمبراطورية تاريخية كبرى، شبيهة بروما نفسها، من قرية موزان شمال شرقي سوريا، التي تضم رفاة مدينة أوركيش التاريخية، التي كانت عاصمة المملكة الحورية القديمة. 

فأبناء مدينة روما الحاليون، وبمختلف أجيالهم، يعيشون المدينة القديمة وكأنها شيء حاضر وحيوي في تفاصيل حياتهم الراهنة. كانت روما القديمة، ولا تزال، ذات وجود متدفق في روما الراهنة، وفي أكثر من مستوى: عمارتها القديمة جزء مشهدي لا يمكن غض الطرف عنه في كل تفاصيل المدينة الحالية، بما في ذلك داخل بيوت سكانها، وسيرة التوأمين اللذين أسسا المدينة كثيفة في الذاكرة الجمعية، ومرويات حُقب المدينة القديمة وحكاياتها الشهيرة ومراحل تحولها الرئيسية جزء من الآداب والمناهج التربوية التي تنتجها المدينة الحديثة. وإلى جانب ذلك، ثمة متاحف وتماثيل مرئية ومنتجات تقنية وأنواع كثيرة من الآداب والفنون التي يفرزها الحاضرون يوماً، مبنية كلها وذات علاقة وثيقة مع ما كانت عليه المدينة القديمة، حيث إن السكان الحاليون في باطن وعيم يتصورون أنفسهم كامتداد روحي وثقافي وتاريخي لما كانت عليه روما القديمة.  

يحدث كل ذلك، في وقت لا يعاني فيه سكان روما الحاليون مع أية مشكلة أو صِدام مع الحداثة، بكل منتجاتها وأدوات فعلها ونوعية التفكير وأشكل السلوك التي تنفرز عنها. بل على العكس تماماً، يبدو الحضور الكثيف للمدينة التاريخية وذاكرتها في حاضر السكان، وكأنه أهم مصادر الغنى والحيوية للسكان، ما لم نقل الثقة بالذات، التي تنتج ممرات للاعتراف بالآخر وفسحة لطراوة الوجدان والمخيلة، تلك الأشياء التي تمنح السكان الحاليين قوة وجدانية وعقلية للانخراط كل اشكال الحداثة.  

على الدفة الأخرى، فإن كاتب السطور لم يسبق له أن عرف شيئاً عن العاصمة التاريخية القديمة التي ولد، هو وأبوه وجده وكامل أفراد عائلته، على بُعد عدة مئات من الأمتار منها. لم يعرف حتى اسمها التاريخي ولا مؤسسها ولا الحاضرة والمضامين التي كانت عليه هذه المدينة التاريخية. ليس هو فحسب، بل كامل الفضاء الاجتماعي والثقافي والإنساني المحيط بذاك المكان، الذين كانت تلك الحاضرة على الدوام واحدة من أكبر مجاهيل الحياة وأكثرها غموضاً بالنسبة لهم. 

فما عرفته شخصياً عن هذه المدينة القديمة، وبعد سنوات كثيرة من العيش بالقرب منها والمرور اليومي بها، كان بفعل فضول استثنائي ومهني خاصٍ جداً، لم يكن متوفراً إلا للقليلين. تلك المدينة التي كانت حاضرة عمرانية وثقافية وتجارية طوال آلاف السنين، عاصمة للملكة الحورية لوقت طويل، ثم صارت جزءا من الفضاء السياسي والإنساني لممالك "أكاد" ومن بعدهم "ماري"، تحوي قصوراً ومعابداً وأسواقاً ونصوصاً وتماثيل ومنتجات تاريخية لا تُقدر بثمن، لها سيرة وتاريخ وشخصيات ومنتجات أدبية ودينية وثقافية هائلة، كانت يوماً منارة إنسانية لقرابة ربع العالم.   

كل ذلك كان مجهولاً كبيراً لكل البشر المحيطين بالمكان، ولا يزال. وحدهم أعضاء بعثات التنقيب الأجنبية كانوا يعرفون ما بداخل ذلك المكان/الحاضرة، هؤلاء الذين كانوا محاطين بسور فعلي وآخر أمني، يعملون بصمت داخل مكاتبهم، يستخرجون الآثار ويجرون الدراسات بلغاتهم الأجنبية، ولا يجدون وقتاً ومعنى لأن يشرحوا ويفسروا للسكان المحيطين ما يعثرون عليه ويكتشفونه داخل المدينة. حتى أن بعض السكان المحليين، الذين كانوا يعملون كعمال سخرة لدى أعضاء تلك البعثات، أنما كان ممنوعاً عليهم مسّ أي شيء تاريخي قد يجدونه أثناء عمليات النبش والتنقيب.  

لم تكن تلك القطيعة على المستوى المادي فحسب، فجهل السكان بالمكان ومحتوياته وسيرته، كان استعارة كبرى عن قطيعة هؤلاء مع التاريخ نفسه، وتالياً مع جزء من ذواتهم وخصائصهم، ككائنات تملك خاصية متمايزة عن باقي المخلوقات، على مستوى العلاقة مع الذاكرة والتاريخ الأبعد مما هو حاضر راهناً. وتالياً ككائنات خُلقت وراكمت مجموعة كبرى من المنتجات والذواكر والأفكار والقيم والآداب والتجارب، التي تشكل بمجموعها المصدر الأولي والدائم للثراء الإنساني.  

فما كان خاصاً بالبقعة التي نشأ فيها كاتب هذه السطور، كان يمتد لأن يكون ظاهرة عامة في كل مكان آخر. فكامل شمال شرق سوريا كان قائماً على بحر من الحواضر التاريخية القديمة، تحوي سهوبه كنوزاً من الآثار والمنتجات الإنسانية، لكنها جميعاً كانت عوالم مجهولة تماماً بالنسبة للسكان، غير حاضرة أو ذات معنى في الذاكرة الجمعية، لا يتم تداولها في المناهج التربوية وليس لها من قيمة في المنتجات الأدبية والثقافية والفنية والسياحية لأبناء المكان، ولا فاعلية لها في الضمير والمخيلة والعقل العام.  

يمتد ذلك الأمر ليشمل سوريا كلها، ومنها بنسب مختلفة لكل بلدان منطقتنا، الذين، ولغير صدفة، يعيشون صداماً ورفضاً للغالب الأعم من ظواهر ومنتجات الحداثة، المرابطين في خنادق المركزية والمحافظة والماضوية.  

من تلكم الثنائية، تبدو العلاقة الثنائية شديدة الوضوح، بين مجتمعات سائلة، تعتبر نفسها جزءا حيوياً من تاريخ قديم ومتقادم، منتج ومراكم لكل أنواع الثراء الإنساني، وأخرى تعتبر نفسها يتيمة، ولدت للتو كجيل أول ووحيد، ليس لها في التاريخ أي ثراء، خلا بعض حكايات الذكورة الرعناء، عن البطولة والحروب ومفاخرها، وتالياً لا تنتج إلا شيئاً واحداً: العصبيات الخالية من أية قيمة.