في بعض المذكرات، هناك مَن يتحدّث بلغةٍ متعالية وكأنّما هم زاهدون بالمناصب، ولكن هناك مسؤوليات أخلاقية ودينية توجب توليهم السلطة
في بعض المذكرات، هناك مَن يتحدّث بلغةٍ متعالية وكأنّما هم زاهدون بالمناصب، ولكن هناك مسؤوليات أخلاقية ودينية توجب توليهم السلطة

لا تستهويني كثيراً كتب المذكرات الشخصية، إلا إذا كانت لغرض البحث عن معلومةٍ معيّنة وفي فترة تاريخية محددة. لكنَّ مذكرات القادة الذين نهضوا ببلدانهم وانتشلوها من ركام التخلّف والفقر وأوصلوها إلى مصاف الدول المتقدمة وأصحاب التجارب الناجحة في تحقيق التنمية، باتت تفرض نفسها على الباحثين عن حلول لأزمات بلدانهم التي تعاني مِن الفوضى وفشل نظام الحكم والطبقة السياسية في إدارة الدولة. 

وفي معرض العراق الدولي للكتاب الذي أقيم في بغداد مؤخراً، لفت انتباهي مذكرات رئيس وزراء ماليزيا (1981-2003) الدكتور مهاتير محمد، والتي كان عنوانها (طبيب في رئاسة الوزراء). لذلك وجدتُ في هذا الكتاب حافزاً لمقارنته بمذكرات الساسة العراقيين بعد 2003 الذين غزوا معارض الكتاب السابقة بمذكراتهم. ويمكنني القول أن المقارنة هنا ليست ترفاً وإنّما هي لكشف محاولة تزوير التاريخ لدى بعض السياسيين العراقيين الذي يريدون أن يسوقوا أنفسهم باعتبارهم (قادة ووزراء) تصدوا لِلمسؤولية في ظروف صعبة وقدّموا منجزات!

في الأسطر الأخيرة من مقدمة مذكرات مهاتير محمد، وبعد أن يسرد مسيرة وصوله لِمنصب رئيس الوزراء وتعقيدات الوصول لهذه المنصب، يقول: "غالباً ما تعجبتُ أثناء شغلي منصبي مِن وصول شخص عادي مثلي إلى هذا المنصب. وعند النظر إلى الوراء، يتبين أنها مسيرة مستبعدة لِلغاية بالنسبة إلى طبيب، فكيف بالنسبة إلى أحد من عامّة الناس، ومع ذلك أصبحت رئيس الوزراء الرابع لماليزيا".

لا يتحدّث ساسةُ العراق مِمَن تقلدوا المناصب العليا في الدولة بهذه اللغة التي تعبّر عن الطموح والمثابرة في الوصول إلى المنصب، وتؤكّد مذكراتهم على أنهم طارئين على ممارسة العمل السياسي كرجالات دولة وليس سياسيين يعملون في المعارضة فقط. إياد علّاوي أول رئيس وزراء للعراق بعد 2003 خصص الجزء الثالث من مذكراته: (بين النيران: مذكرات إياد علاوي) عن تجربته في رئاسة الوزراء للمرحلة المؤقتة، وكأنّما يريد أن يسرد المؤامرات الخارجية والداخلية التي منعت حصوله على ولايةٍ ثانية، من دون أن يحدّثنا عن مشروع أو رؤية سياسية واقتصادية لإنقاذ البلاد من أزماته.

وفي بعض المذكرات، هناك مَن يتحدّث بلغةٍ متعالية وكأنّما هم زاهدون بالمناصب، ولكن هناك مسؤوليات أخلاقية ودينية توجب توليهم السلطة، إذ في كتاب ينقل مقالات رئيس الوزراء الأسبق الدكتور إبراهيم الجعفري، نجده يتحدّث بطريقة منفصلة عن الواقع. يقول في كتاب (تجربة حكم)" "أمّا وجودي في أي موقع من مواقع الحكم، فالقرار عائد إلى الشعب، وهو وحده مَن يضعني في هذا الموقع أو ذاك." وحقيقاً لا أعلم أي انتخابات جرت بعد 2003 تم فيها اختيار الجعفري مِن قبل الشعب، لاسيما أن الانتخابات الأولى في 2005 والتي أصبح بعدها الجعفري رئيساً للوزراء كان الاختيار فيها على أساس القائمة وليس اختيار الأشخاص!

أمّا رئيس الجمهورية السابق الدكتور فؤاد معصوم، فقد كتب مذكراته وكأنما يريد تبرئه نفسه من حقبة الأربع سنوات التي قضاها في قصر السَّلام. ورغم أنه كان غائباً عن الأحداث السياسية المفصلية التي عصفت بالبلاد في فترة تولّيه المنصب، إلا أنه كان يتباكى على مصادرة صلاحيته من قبل رئيس الوزراء العبادي في تلك الفترة. لكنَّ الطريف في مذكراته أنه يؤكّد على أنَّ وصوله إلى المنصب لم يكن أكثر مِن مجرد صدفة! بعد أن كان يقضي أيامه مع عائلته في فرنسا ويتجه نحو التقاعد مِن العمل السياسي.

محاولة تزوير التاريخ بعد 2003، لا تقتصر على مَن تسنَّم المناصب العليا في الرئاسات، بل هناك بعض الوزراء مَن حاول تقديم نفسه باعتباره مَلاكاً يعمل في حضرة شياطين! ولم يشعر بالخجل عندما يستحضر أحداث ومواقف تشير إلى تعرّضه إلى الإهانة أو التجاهل رغم أنه في منصب "وزير". ويريد سرد الأحداث بطريقة تجعله بريئاً -كبراءة الذئب مِن دم يوسف- مِن العمل ضمن منظومة الخراب والفساد والفشل، ويريد التحايل على التاريخ مِن خلال انتقاد رئيس حكومته، مِن دون أن يملك هو قراراً شجاعاً بتقديم الاستقالة أو احترام عنوانه كـ"تكنوقراط" كما يصف نفسه.

موضوع التحايل على التاريخ في كتابة المذكرات، ليس بالجديد ولا يختصّ به سياسيو العراق بعد 2003، ففي تتبع تاريخي لمذكرات الشخصية لِلسياسيين العراقيين، يشخّص عالِم الاجتماع والمفكّر العراقي عصام الخفاجي أن سيل المذكرات الشخصية قد بدأ في الثمانينات بين رجال العهد الملكي الذين أحسّوا متأخرين ربما أن عودة الملكيّة إلى العراق باتت مستحيلة، فأخذوا يذكّرون أجيالاً مِن القرّاء لم تعش حقبتهم بأدوارهم الوطنية في صناعة العراق الحديث ومحاولة إزالة ما علق بأذهان الناسِ العاديين عن علاقتهم بالدول الغربية بوصفها "عمالة" أو "تبعية". ثم جاء سيلٌ ثان مِن المذكرات عن ثورة 14 تموز 1958 التي قلبت الملكيّة في العراق. وكما هي العادة، قرأنا أعمالاً لأناس مِن شتّى الاتجاهات، كلٌّ يريد إقناعنا بأنَّ الثَّورة علامة تجارية مميزة لِشخصه أو لِتياره السياسي. وفي الدفق الثالث مِن المذكرات مسحة درامية أكبر مما نجدها في الحالَين السابقين، كما أظن. أعني هنا نوع من المذكرات، لم نعتد عليه، لقادة ينتمون إلى تيارات لا تزال ترى، أو تقنع الناسَ أنها، جزءٌ مِن الحاضر لا الماضي: شيوعيون وبَعثيون وقوميون باتوا يتبارون في الحديث عن تجاربهم مع أحزابهم، وتجارب أحزابهم مع المجتمع العراقي، وروايات لأحداث لا نزال نعايش بعضها.

لكن تبقى مذكرات السياسيين بعد 2003 ظاهرة تحتاج إلى التأمل والتدقيق، إذ رغم غرابة كتابتهم لمذكراتهم وهم مازالوا في السلطة أو فاعليين سياسيين يمكن لنا أن نحصل على اعترافات بنزعةِ التآمر بينهم وضعف البصيرة والرؤية الاستراتيجية وانعدام إرادة بناء الدولة، فكلُّ ما يمكن أن نعثر عليه في مذكرات إياد علاوي بأجزائها الثلاثة وعمّار الحكيم وسليم الجبوري وفؤاد معصوم هو خليط مِن الحياة الشخصية ببؤسها وفقرها زمن المعارضة وقصص التآمر والصراعات التي يخوضها سياسيو بعد ٢٠٠٣ في ما بينهم؛ ولا نكاد نعثر على قصة نجاح واحدة مثلما نقرأها في مذكّرات الزعماء ورجال الدولة. ولعلَّنا نصاب بالدهشةِ مِن المبالغات والنرجسية العالية التي نجدها في مذكّرات إبراهيم الجعفري وباقر جبر صولاغ (الزبيدي) وإطرائهم الغزير لدورِهم في الحكومات المتعاقبة بعد 2003.

قصر العدل في روما الذي يضم مقر محكمة الاستئناف العليا في إيطاليا (أرشيف)
قصر العدل في روما الذي يضم مقر محكمة الاستئناف العليا في إيطاليا (أرشيف)

بفضل العمل في عدة مؤسسات بحثية دولية، قُيض لكاتب هذه السطور أن يزور العاصمة الإيطالية روما عدة مرات خلال السنوات الماضية. حيث، وخلال كل زيارة من تلك، كانت العلاقة التي تربط سكان المدينة الحاليين بالذاكرة والتاريخ الأقدم للمدينة مثار غرابة وإعجاب على الدوام. بالضبط من حيث ما هم عليه من غنى ووصال وفاعلية في علاقتهم من مدينتهم القديمة. 

كان يحدث ذلك، مقابل العوز والمتاركة والقطيعة التي كان كاتب هذه السطور عليها، في علاقته العقلية والوجدانية والثقافية مع الحاضرة التاريخية التي ولد وعاش بين ثناياها. هو المتأتي من مكان كان يوماً عاصمة إمبراطورية تاريخية كبرى، شبيهة بروما نفسها، من قرية موزان شمال شرقي سوريا، التي تضم رفاة مدينة أوركيش التاريخية، التي كانت عاصمة المملكة الحورية القديمة. 

فأبناء مدينة روما الحاليون، وبمختلف أجيالهم، يعيشون المدينة القديمة وكأنها شيء حاضر وحيوي في تفاصيل حياتهم الراهنة. كانت روما القديمة، ولا تزال، ذات وجود متدفق في روما الراهنة، وفي أكثر من مستوى: عمارتها القديمة جزء مشهدي لا يمكن غض الطرف عنه في كل تفاصيل المدينة الحالية، بما في ذلك داخل بيوت سكانها، وسيرة التوأمين اللذين أسسا المدينة كثيفة في الذاكرة الجمعية، ومرويات حُقب المدينة القديمة وحكاياتها الشهيرة ومراحل تحولها الرئيسية جزء من الآداب والمناهج التربوية التي تنتجها المدينة الحديثة. وإلى جانب ذلك، ثمة متاحف وتماثيل مرئية ومنتجات تقنية وأنواع كثيرة من الآداب والفنون التي يفرزها الحاضرون يوماً، مبنية كلها وذات علاقة وثيقة مع ما كانت عليه المدينة القديمة، حيث إن السكان الحاليون في باطن وعيم يتصورون أنفسهم كامتداد روحي وثقافي وتاريخي لما كانت عليه روما القديمة.  

يحدث كل ذلك، في وقت لا يعاني فيه سكان روما الحاليون مع أية مشكلة أو صِدام مع الحداثة، بكل منتجاتها وأدوات فعلها ونوعية التفكير وأشكل السلوك التي تنفرز عنها. بل على العكس تماماً، يبدو الحضور الكثيف للمدينة التاريخية وذاكرتها في حاضر السكان، وكأنه أهم مصادر الغنى والحيوية للسكان، ما لم نقل الثقة بالذات، التي تنتج ممرات للاعتراف بالآخر وفسحة لطراوة الوجدان والمخيلة، تلك الأشياء التي تمنح السكان الحاليين قوة وجدانية وعقلية للانخراط كل اشكال الحداثة.  

على الدفة الأخرى، فإن كاتب السطور لم يسبق له أن عرف شيئاً عن العاصمة التاريخية القديمة التي ولد، هو وأبوه وجده وكامل أفراد عائلته، على بُعد عدة مئات من الأمتار منها. لم يعرف حتى اسمها التاريخي ولا مؤسسها ولا الحاضرة والمضامين التي كانت عليه هذه المدينة التاريخية. ليس هو فحسب، بل كامل الفضاء الاجتماعي والثقافي والإنساني المحيط بذاك المكان، الذين كانت تلك الحاضرة على الدوام واحدة من أكبر مجاهيل الحياة وأكثرها غموضاً بالنسبة لهم. 

فما عرفته شخصياً عن هذه المدينة القديمة، وبعد سنوات كثيرة من العيش بالقرب منها والمرور اليومي بها، كان بفعل فضول استثنائي ومهني خاصٍ جداً، لم يكن متوفراً إلا للقليلين. تلك المدينة التي كانت حاضرة عمرانية وثقافية وتجارية طوال آلاف السنين، عاصمة للملكة الحورية لوقت طويل، ثم صارت جزءا من الفضاء السياسي والإنساني لممالك "أكاد" ومن بعدهم "ماري"، تحوي قصوراً ومعابداً وأسواقاً ونصوصاً وتماثيل ومنتجات تاريخية لا تُقدر بثمن، لها سيرة وتاريخ وشخصيات ومنتجات أدبية ودينية وثقافية هائلة، كانت يوماً منارة إنسانية لقرابة ربع العالم.   

كل ذلك كان مجهولاً كبيراً لكل البشر المحيطين بالمكان، ولا يزال. وحدهم أعضاء بعثات التنقيب الأجنبية كانوا يعرفون ما بداخل ذلك المكان/الحاضرة، هؤلاء الذين كانوا محاطين بسور فعلي وآخر أمني، يعملون بصمت داخل مكاتبهم، يستخرجون الآثار ويجرون الدراسات بلغاتهم الأجنبية، ولا يجدون وقتاً ومعنى لأن يشرحوا ويفسروا للسكان المحيطين ما يعثرون عليه ويكتشفونه داخل المدينة. حتى أن بعض السكان المحليين، الذين كانوا يعملون كعمال سخرة لدى أعضاء تلك البعثات، أنما كان ممنوعاً عليهم مسّ أي شيء تاريخي قد يجدونه أثناء عمليات النبش والتنقيب.  

لم تكن تلك القطيعة على المستوى المادي فحسب، فجهل السكان بالمكان ومحتوياته وسيرته، كان استعارة كبرى عن قطيعة هؤلاء مع التاريخ نفسه، وتالياً مع جزء من ذواتهم وخصائصهم، ككائنات تملك خاصية متمايزة عن باقي المخلوقات، على مستوى العلاقة مع الذاكرة والتاريخ الأبعد مما هو حاضر راهناً. وتالياً ككائنات خُلقت وراكمت مجموعة كبرى من المنتجات والذواكر والأفكار والقيم والآداب والتجارب، التي تشكل بمجموعها المصدر الأولي والدائم للثراء الإنساني.  

فما كان خاصاً بالبقعة التي نشأ فيها كاتب هذه السطور، كان يمتد لأن يكون ظاهرة عامة في كل مكان آخر. فكامل شمال شرق سوريا كان قائماً على بحر من الحواضر التاريخية القديمة، تحوي سهوبه كنوزاً من الآثار والمنتجات الإنسانية، لكنها جميعاً كانت عوالم مجهولة تماماً بالنسبة للسكان، غير حاضرة أو ذات معنى في الذاكرة الجمعية، لا يتم تداولها في المناهج التربوية وليس لها من قيمة في المنتجات الأدبية والثقافية والفنية والسياحية لأبناء المكان، ولا فاعلية لها في الضمير والمخيلة والعقل العام.  

يمتد ذلك الأمر ليشمل سوريا كلها، ومنها بنسب مختلفة لكل بلدان منطقتنا، الذين، ولغير صدفة، يعيشون صداماً ورفضاً للغالب الأعم من ظواهر ومنتجات الحداثة، المرابطين في خنادق المركزية والمحافظة والماضوية.  

من تلكم الثنائية، تبدو العلاقة الثنائية شديدة الوضوح، بين مجتمعات سائلة، تعتبر نفسها جزءا حيوياً من تاريخ قديم ومتقادم، منتج ومراكم لكل أنواع الثراء الإنساني، وأخرى تعتبر نفسها يتيمة، ولدت للتو كجيل أول ووحيد، ليس لها في التاريخ أي ثراء، خلا بعض حكايات الذكورة الرعناء، عن البطولة والحروب ومفاخرها، وتالياً لا تنتج إلا شيئاً واحداً: العصبيات الخالية من أية قيمة.