تنكر بيونغ يانغ تسجيلها لحالات إصابة بفيروس كورونا المستجد
يعيش معظم الكوريين الشماليين في حالة فقر وظروف صعبة اجتماعيا واقتصاديا

في مئات الصفحات من مذكراته المُذهلة/المُخيفة، يسرد المنشق الكوري الشمالي جانغ جين-سونغ قصصا وصورا لا تصدق عن بلاده، حيث كل تفاصيل الحياة اليومية متخمة بالقسوة والعوز والحرمان وسوء الخدمات والفساد والعنف. لكنه فجأة، وبعد مئات الصفحات تلك، يستثني ضاحية واحدة اسمها "أوندوك" من ذلك البؤس، راويا عنها مشاهد مخالفة قطعيا لكل ما سرده عن بلاده كوريا الشمالية. 

فبينما يموت آلاف الكوريين الشماليين من الجوع والبرد والقمع وسوء الخدمات وشح الكهرباء ونوعية السكن وفظاعة التعليم وتدهور مؤسسات الصحة العامة، إلى جانب ما يعانونه من انقطاع تام عن العالم الخارجي، فإن حي أوندوك شرق العاصمة بيونغ يانغ يتحلى بكل مواصفات الرفاهية والرخاء والرعاية والخدمات الوفيرة والبهجة وقابلية التواصل الرمزي والفعلي مع العالم الخارجي.

فأوندوك، حيث تسكن "النُخبة" السياسية والاقتصادية والدعائية المُقربة من رأس هرم نظام الحكم، هي قرية محاطة بأسلاك كهربائية وأنظمة مراقبة أمنية شديدة الحذر، لا يمكن لأي شخص كوري أن يدخلها إلا عبر معاملة بيروقراطية وإجراءات أمنية مطولة للغاية. وإن دخلها، فسيصطدم بعالم آخر تماماً، كما يصفها المنشق الكوري تفصيلاً. 

في ذلك المكان، البيوت فخمة وواسعة للغاية والحدائق ممتدة على مدّ البصر، يعبرها نهر اصطناعي خاص، ويمكن للزائر أن يجد فيها كُل المواد والبضائع المُحرمة على باقي الكوريين. في ذلك الحيّ، ستجد دوريات الحراسة الأمنية الدائمة، وستشم روائح أشهى أنواع المأكولات من المطاعم والمطابخ التي في بيوتها، ولا تنقطع فيه الكهرباء قط، والناس يلبسون ماركات عالمية ويتكلمون لغات أجنبية متعددة، إلى جانب أجسامهم المليئة ونبرة أصواتهم العالية، حتى حيواناتهم المنزلية مختلفة تماماً عما في باقي البلاد. 

لكن، وبقليل من التحميص، أوليست نوعية العلاقة تلك، بين ضاحية أوندوك والعاصمة بيونغ يانغ وباقي مناطق البؤس الكوري الشمالي، أوليست نموذجا عن أنماط العلاقات التداخلية بين عشرات البلدان ومئات المدن في منطقتنا وبعض أحيائها السكنية الخاصة، وإن كان المثال الكوري أكثر كثافة وقسوة وقطعية عما في أمثلتنا المحلية. 

إذ ليس من دولة أو مدينة كُبرى واحدة في منطقتنا يُمكن أن تنجو من ذلك النمط من التباين، وإن من دون ترتيبات ومُحددات سياسية وقانونية جذرية كما في كوريا الشمالية. لكن دائما ثمة أحياء مُغلقة ومحرمة على غير سُكانها، تتمتع بنوعية خاصة من الخدمات والأمن والرفاهية، تحكمها فعليا قوانينها الداخلية الخاصة، يملك سكانها رزمة من العلاقات والكلام الخاص والشيفرات الاجتماعية المختلفة تماماً عما في المُحيط الأعم.

لا يتعلق الأمر بشيء من الفروقات بين حيّ سكني وآخر، كما هي الحال في العديد من بلدان العالم، ومثلما كانت أحوال مدننا وبلدننا خلال مراحل ما في خمسينات القرن المنصرم مثلا. بل يرتبط الأمر بقطيعة ما جذرية بين عالمين منفصلين تماماً، رمزياً واجتماعياً، وبشقاق واضح في التراتبية بينهما، بين حاكمين فعليين في كل مجالات ودروب الحياة ومحكومين خاضعين، وبجوهر كامن في مستوى الريب والعدائية والجاهزية للانقضاض بين هاتين الكتلتين من العمران والبشر.

لكن أهم و"أخطر" ما تلك الأحياء، هو نوعية الُكان، الذين ينتمون بكليتهم إلى فضاء "النخبة القوية"، الحاكمة والمسيطرة والممُسكة فعلياً بعوالم ومجالات السياسة والاقتصاد والبيروقراطية، وحتى الثقافة والرياضة والفنون. هؤلاء الذين تجمعهم مسألتان مركزيتان من العلاقات الداخلية: شبكة من المصالح الاقتصادية الخاصة، حيث يشكل التداخل والترابط فيما بينهم آلية لتنمية الثروات المادية والرمزية لكل فرد منهم. الأمر الآخر هو السعي والتضامن لخلق نوع من الحماية المُشتركة من المجتمع الخارجي، من كل ما ومن هو خارج أسوار تلك الأحياء الخاصة، التي تسبطن نوعاً من الشعور والأفكار تجاه المحيط الخارجي، تشبه نوعية مشاعر سُكان القِلاع المحاصرة.  

ثلاثة عوامل شديدة الكثافة، تراكبت مع بعضها البعض خلال العقدين الماضيين، أنتجت هذا النوع من الروابط الخاصة بين المكانين، المُدن الشعبية بعشوائياتها وبؤسها، والأحياء الخاصة بكل فوقيتها. 

الجيل الثاني والثالث من أبناء أعضاء الطبقة السلطوية التقليدية صاروا أكثر تطلبا لنوعية خاصة من الرفاهية. فبينما كان أباءهم الحاكمون متأتون من بيئات وأمزجة فلاحية وعُمالية، وتختصر رفاهيتهم بما كانت تفعله الزعامات الأهلية المحلية، التي تستمتع بعوالم المضافات وكل ما يتعلق بالحضور الجماهيري الكثيف. وإن الأجيال الجديدة من الأبناء، الذين قضوا حياتهم بشكل خاص تماماً، وتخرجوا من المدارس والجامعات الأجنبية، صاروا يطلون نوعا من التمايز الاجتماعي والحياتي والرمزي والتكنولوجي والخدماتي، أقرب ما يكون للبيئات الأجنبية. وهذا كله يتطلب مجالاً عُمرانياً خاصاً، معزولاً عما يعتبرونه "العوام". 

الأمر الآخر كان كامنا في نوعية الأثرياء الجدد، الذين راكموا ثرواتهم وصعدوا مع موجة إعادة الهيكلة لأنظمة الاقتصاديات المركزية، بالذات بعد العام 1990. فعلى العكس من التجار والصناعيين التقليديين الذين كانوا في بلداننا ومدننا التاريخية، أولاد السوق، فإن الأغنياء الجدد بأغلبيتهم هم أرباب عمليات الفساد والشراكات المقنعة مع الحاكمين السياسيين، لا يملكون اهتماما أو روابط ذات قيمة مع القواعد الاجتماعية. بل على العكس تماما، فإن هؤلاء الأغنياء الجدد هم على توجس دائم من المجتمعات، يشعرون دوما بسوء علاقة تجمعهم بتلك القواعد، فوقية فظة من قِبلهم، ورغبة مكبوتة من هذه القواعد بالانقضاض عليهم، لما يعتبرونها حقوقهم المنهوبة. 

أخيرا، فإن تدهورا مريعا لنوعية المدن نفسها، دفع نحو زيادة وتيرة العزلة والمواجهة بين تلك الأماكن. ففي أزمنة سابقة، حينما كانت المدن أكثر نظافة وانشراحا وهدوء، ويعلوها فضاء من الآداب الاجتماعية الأنيقة والقيم المدنية الليبرالية، فإنها كانت قادرة على استيعاب وضم أثريائها ومشاهيرها. وحينما صارت فاقدة لتلك الخصائص التقليدية، غدت طاردة لهم ومجبرة إياهم على العزلة عنها. 
لكن سؤالا أخلاقيا ومعرفيا يطرح نفسه في هذا المجال أيضا: من هم الذين أوصلوا هذه المدن الكبرى إلى هذه المصائر البائسة!، هل ثمة من أحد آخر غير هؤلاء أنفسهم، ومن قبلهم آباؤهم ومؤسساتهم ونوعية حكمهم واقتصادهم، وأولا فظاظتهم الروحية المتأتية من فوقيتهم.
 

يريد "حزب الله" المرتبط ارتباطًا وثيقًا بالأجندة الإيرانية أن يُبقي لبنان "عمقًا استراتيجيًا للجمهورية الإسلامية في إيران"
يريد "حزب الله" المرتبط ارتباطًا وثيقًا بالأجندة الإيرانية أن يُبقي لبنان "عمقًا استراتيجيًا للجمهورية الإسلامية في إيران"

كأنّ هناك عقلًا واحدًا يتحكّم بصانعي الفوضى في العالم، اذ إنّ هؤلاء لا يجدون سوى وصفة واحدة لإحلال السلام: الاستسلام لهم!

ومن يدقق بالعبارات التي يستعملها صانعو الفوضى في العالم، يتفاجأ بأدبيّات موحّدة، فالقيادة الروسية بزعامة فلاديمير بوتين تحمّل الغرب مسؤوليّة دخول حربها على أوكرانيا عامها الثاني، لأنّ هذا الغرب يزوّد أوكرانيا بمقوّمات الصمود العسكري والإنساني، مما يحول دون استسلامها.

بالنسبة للقيادة الروسيّة: السلام مستحيل، والتصعيد ضرورة، والدمار واجب، والقتل حتمي، طالما أنها عاجزة عن تحقيق أهدافها المعلنة في أوكرانيا، فالطريق إلى السلام قصير جدًا، إذا سارت كييف بشروط موسكو.

هذه العقلية الروسيّة لا تعير أيّ اهتمام للقانون الدولي وللسيادة الوطنية وللمصالح الإقليمية وللسلم الدولي ولموازين القوى، فهي إمّا تنتصر وإمّا تفني العالم، من خلال رفع مستوى التهديد باللجوء إلى احتياطاتها الخطرة من الرؤوس النووية.

وثمّة دول مستفيدة من هذا الانحراف الروسي، فالصين التي تنافس الولايات المتحدة الأميركية على زعامة العالم، تجد في القيادة الروسيّة ضالتها، إذ إنّ هوسها بالانتصار المستحيل سوف يوهن موسكو ويلحقها ببكين، وسوف يضعف الاتحاد الأوروبي ويبعده عن دائرة التأثير في صناعة موازين القوى الاستراتيجية في المستقبل.

ولكنّ دون هذا الهوس الروسي من جهة أولى وهذا الهدف الصيني، من جهة ثانية، يقف وعي غربي جماعي، إذ اكتشفت دوله أنّ تعاضدها ووقوفها في صف واحد مع الولايات المتحدة الأميركية، وحده كفيل بتوفير مستقبل سيادي لها ولشعوبها.

قبل الغزو الروسي لأوكرانيا، كان الغرب شبه مفتّت ووحدته شبه متفسّخة، إذ كانت المصالح الاقتصاديّة تتقدّم على كل المخاوف الاستراتيجية.

بعد الغزو الروسي، وفي ظل القراءة العميقة للأداء الروسي، اختلفت الأحوال، إذ إنّ الوقاية من مخاطر المستقبل تمرّ بتوفير الشروط اللازمة للحيلولة دون استسلام أوكرانيا، بصفتها بوابة أوروبا،  أمام "الدب الروسي" الذي سوف يسلّم نفسه والآخرين لمشيئة "التنّين الصيني".

ومن روسيا ننتقل مباشرة إلى لبنان، حيث منطق "حزب الله" لا يختلف بشيء عن منطق "حزب الكرملين".

يريد "حزب الله" المرتبط ارتباطًا وثيقًا بالأجندة الإيرانية أن يُبقي لبنان "عمقًا استراتيجيًا للجمهورية الإسلامية في إيران"، وفق "تكليف" صادر عن المرشد الاعلى علي خامنئي، وذلك خلافًا لإرادة سائر القوى السياسية التي تريد أن يعود لبنان عنصرًا فاعلًا في محيطه العربي وفي بعده الدولي.

ولهذا يسعى "حزب الله" إلى أن يفرض رئيس الجمهورية الذي يناسب مخططه، وهو من أجل تحقيق ذلك يترك البلاد لقمة سائغة في فمّ الفراغ المنتتج للفوضى وللفقر وللجوع.

وكالعادة  لا  يتحمّل "حزب الله" تبعة ما يقدم عليه، بل يلقيه على عاتق من يتصدّى لمخططاته، وهو، من أجل إعطاء صدقية لمقولات "الهروب إلى الأمام"، يقحم الولايات المتحدة الأميركية ويهددها بفوضى تشمل كل المنطقة.

ولسان "حزب الله" يقول: هاتوا الرئيس الذي نريد  ويحقق لنا ما نرغب به فنعفيكم من الفوضى والكوارث!

وترفض غالبية اللبنانيين الرئيس الذي يصرّ عليه "حزب الله"، وتطرح عليه حلولًا وسطًا، لكنّ الحزب يرفض ذلك، على قاعدة: استسلموا تسلموا!

صحيح أنّ القوى التي ترفض الرضوخ لـ"حزب الله" ليست أوكرانيا والقوى الخارجية المؤيّدة لها لا تفتح أمامها مخازن السلاح وخزائن المال، ولكنّ الصحيح أيضًا أنّ من بيدهم القدرة على انتشال لبنان من جحيمه يقولون للبنانيّين: إذا استسلمتم لإرادة "حزب الله" لا تهرعوا علينا، فنحن لن نساعد دولة تضع إمكاناتها في مساعدة أعدائنا.

وكما تعرض روسيا الاستسلام لتوقف حربها في أوكرانيا كذلك يعرض "حزب الله" الاستسلام على سائر اللبنانّيين حتى لا يوقعهم أكثر في الفوضى والجوع.

المشكلة مع هذا المحور الذي يعاني منه السوريون واليمنيون والعراقيون والإيرانيون أنّه يعرض عليك الحياة لينتزع منك…الحياة!