في مئات الصفحات من مذكراته المُذهلة/المُخيفة، يسرد المنشق الكوري الشمالي جانغ جين-سونغ قصصا وصورا لا تصدق عن بلاده، حيث كل تفاصيل الحياة اليومية متخمة بالقسوة والعوز والحرمان وسوء الخدمات والفساد والعنف. لكنه فجأة، وبعد مئات الصفحات تلك، يستثني ضاحية واحدة اسمها "أوندوك" من ذلك البؤس، راويا عنها مشاهد مخالفة قطعيا لكل ما سرده عن بلاده كوريا الشمالية.
فبينما يموت آلاف الكوريين الشماليين من الجوع والبرد والقمع وسوء الخدمات وشح الكهرباء ونوعية السكن وفظاعة التعليم وتدهور مؤسسات الصحة العامة، إلى جانب ما يعانونه من انقطاع تام عن العالم الخارجي، فإن حي أوندوك شرق العاصمة بيونغ يانغ يتحلى بكل مواصفات الرفاهية والرخاء والرعاية والخدمات الوفيرة والبهجة وقابلية التواصل الرمزي والفعلي مع العالم الخارجي.
فأوندوك، حيث تسكن "النُخبة" السياسية والاقتصادية والدعائية المُقربة من رأس هرم نظام الحكم، هي قرية محاطة بأسلاك كهربائية وأنظمة مراقبة أمنية شديدة الحذر، لا يمكن لأي شخص كوري أن يدخلها إلا عبر معاملة بيروقراطية وإجراءات أمنية مطولة للغاية. وإن دخلها، فسيصطدم بعالم آخر تماماً، كما يصفها المنشق الكوري تفصيلاً.
في ذلك المكان، البيوت فخمة وواسعة للغاية والحدائق ممتدة على مدّ البصر، يعبرها نهر اصطناعي خاص، ويمكن للزائر أن يجد فيها كُل المواد والبضائع المُحرمة على باقي الكوريين. في ذلك الحيّ، ستجد دوريات الحراسة الأمنية الدائمة، وستشم روائح أشهى أنواع المأكولات من المطاعم والمطابخ التي في بيوتها، ولا تنقطع فيه الكهرباء قط، والناس يلبسون ماركات عالمية ويتكلمون لغات أجنبية متعددة، إلى جانب أجسامهم المليئة ونبرة أصواتهم العالية، حتى حيواناتهم المنزلية مختلفة تماماً عما في باقي البلاد.
لكن، وبقليل من التحميص، أوليست نوعية العلاقة تلك، بين ضاحية أوندوك والعاصمة بيونغ يانغ وباقي مناطق البؤس الكوري الشمالي، أوليست نموذجا عن أنماط العلاقات التداخلية بين عشرات البلدان ومئات المدن في منطقتنا وبعض أحيائها السكنية الخاصة، وإن كان المثال الكوري أكثر كثافة وقسوة وقطعية عما في أمثلتنا المحلية.
إذ ليس من دولة أو مدينة كُبرى واحدة في منطقتنا يُمكن أن تنجو من ذلك النمط من التباين، وإن من دون ترتيبات ومُحددات سياسية وقانونية جذرية كما في كوريا الشمالية. لكن دائما ثمة أحياء مُغلقة ومحرمة على غير سُكانها، تتمتع بنوعية خاصة من الخدمات والأمن والرفاهية، تحكمها فعليا قوانينها الداخلية الخاصة، يملك سكانها رزمة من العلاقات والكلام الخاص والشيفرات الاجتماعية المختلفة تماماً عما في المُحيط الأعم.
لا يتعلق الأمر بشيء من الفروقات بين حيّ سكني وآخر، كما هي الحال في العديد من بلدان العالم، ومثلما كانت أحوال مدننا وبلدننا خلال مراحل ما في خمسينات القرن المنصرم مثلا. بل يرتبط الأمر بقطيعة ما جذرية بين عالمين منفصلين تماماً، رمزياً واجتماعياً، وبشقاق واضح في التراتبية بينهما، بين حاكمين فعليين في كل مجالات ودروب الحياة ومحكومين خاضعين، وبجوهر كامن في مستوى الريب والعدائية والجاهزية للانقضاض بين هاتين الكتلتين من العمران والبشر.
لكن أهم و"أخطر" ما تلك الأحياء، هو نوعية الُكان، الذين ينتمون بكليتهم إلى فضاء "النخبة القوية"، الحاكمة والمسيطرة والممُسكة فعلياً بعوالم ومجالات السياسة والاقتصاد والبيروقراطية، وحتى الثقافة والرياضة والفنون. هؤلاء الذين تجمعهم مسألتان مركزيتان من العلاقات الداخلية: شبكة من المصالح الاقتصادية الخاصة، حيث يشكل التداخل والترابط فيما بينهم آلية لتنمية الثروات المادية والرمزية لكل فرد منهم. الأمر الآخر هو السعي والتضامن لخلق نوع من الحماية المُشتركة من المجتمع الخارجي، من كل ما ومن هو خارج أسوار تلك الأحياء الخاصة، التي تسبطن نوعاً من الشعور والأفكار تجاه المحيط الخارجي، تشبه نوعية مشاعر سُكان القِلاع المحاصرة.
ثلاثة عوامل شديدة الكثافة، تراكبت مع بعضها البعض خلال العقدين الماضيين، أنتجت هذا النوع من الروابط الخاصة بين المكانين، المُدن الشعبية بعشوائياتها وبؤسها، والأحياء الخاصة بكل فوقيتها.
الجيل الثاني والثالث من أبناء أعضاء الطبقة السلطوية التقليدية صاروا أكثر تطلبا لنوعية خاصة من الرفاهية. فبينما كان أباءهم الحاكمون متأتون من بيئات وأمزجة فلاحية وعُمالية، وتختصر رفاهيتهم بما كانت تفعله الزعامات الأهلية المحلية، التي تستمتع بعوالم المضافات وكل ما يتعلق بالحضور الجماهيري الكثيف. وإن الأجيال الجديدة من الأبناء، الذين قضوا حياتهم بشكل خاص تماماً، وتخرجوا من المدارس والجامعات الأجنبية، صاروا يطلون نوعا من التمايز الاجتماعي والحياتي والرمزي والتكنولوجي والخدماتي، أقرب ما يكون للبيئات الأجنبية. وهذا كله يتطلب مجالاً عُمرانياً خاصاً، معزولاً عما يعتبرونه "العوام".
الأمر الآخر كان كامنا في نوعية الأثرياء الجدد، الذين راكموا ثرواتهم وصعدوا مع موجة إعادة الهيكلة لأنظمة الاقتصاديات المركزية، بالذات بعد العام 1990. فعلى العكس من التجار والصناعيين التقليديين الذين كانوا في بلداننا ومدننا التاريخية، أولاد السوق، فإن الأغنياء الجدد بأغلبيتهم هم أرباب عمليات الفساد والشراكات المقنعة مع الحاكمين السياسيين، لا يملكون اهتماما أو روابط ذات قيمة مع القواعد الاجتماعية. بل على العكس تماما، فإن هؤلاء الأغنياء الجدد هم على توجس دائم من المجتمعات، يشعرون دوما بسوء علاقة تجمعهم بتلك القواعد، فوقية فظة من قِبلهم، ورغبة مكبوتة من هذه القواعد بالانقضاض عليهم، لما يعتبرونها حقوقهم المنهوبة.
أخيرا، فإن تدهورا مريعا لنوعية المدن نفسها، دفع نحو زيادة وتيرة العزلة والمواجهة بين تلك الأماكن. ففي أزمنة سابقة، حينما كانت المدن أكثر نظافة وانشراحا وهدوء، ويعلوها فضاء من الآداب الاجتماعية الأنيقة والقيم المدنية الليبرالية، فإنها كانت قادرة على استيعاب وضم أثريائها ومشاهيرها. وحينما صارت فاقدة لتلك الخصائص التقليدية، غدت طاردة لهم ومجبرة إياهم على العزلة عنها.
لكن سؤالا أخلاقيا ومعرفيا يطرح نفسه في هذا المجال أيضا: من هم الذين أوصلوا هذه المدن الكبرى إلى هذه المصائر البائسة!، هل ثمة من أحد آخر غير هؤلاء أنفسهم، ومن قبلهم آباؤهم ومؤسساتهم ونوعية حكمهم واقتصادهم، وأولا فظاظتهم الروحية المتأتية من فوقيتهم.

