بايدن وصف الصراع الراهن بأنه "التحدي الذي يلخًّص زمننا"
استطلاعات الرأي تظهر انخفاضا لشعبية بايدن

يوم الثلاثاء الماضي وجدت الناطقة باسم البيت الابيض جين ساكي، المعروفة بقدرتها على مواجهة الأسئلة المعقدة، وجدت نفسها عاجزة عن إعطاء اجابة على سؤال يفترض أن يكون سهلا وقطعا ليس تعجيزيا. مراسلة إذاعة "صوت أميركا" سألت ساكي أن تسمي الإنجاز الأكبر الذي حققه الرئيس بايدن في مجال السياسة الخارجية في سنته الأولى. ردت ساكي بالقول "هذا سؤال عظيم، وأنا أريد أن أفكر به بجدية، وأود أن أناقشه مع الرئيس"... إخفاق ساكي في ذكر إنجاز واحد في مجال السياسة الخارجية عرضها للانتقادات والسخرية من الجمهوريين وغيرهم عبر وسائل الاتصال الاجتماعي. 

إخفاق الناطقة ساكي في الإجابة على السؤال يجب النظر إليه في سياق سنة اتسم فيها الانسحاب العسكري الأميركي من أفغانستان بالفوضى والاضطرابات والعنف، وعلى خلفية فشل المفاوضات النووية بين إيران والولايات المتحدة عبر مجموعة الخمسة زائد واحد في فيننا في الوقت الذي تواصل فيه طهران تطوير برنامجها النووي وممارساتها العدوانية في العراق وسوريا واليمن. أيضا السنة الأولى للرئيس بايدن شهدت ازديادا ملحوظا لحدة التوتر بين واشنطن وكل من موسكو وبيجين حول مستقبل أوكرانيا وتايوان، لم تنجح الاتصالات المباشرة بين بايدن وكل من الرئيسين فلاديمير بوتين وشي جينغ بينغ إضافة إلى التحذيرات الأميركية للبلدين في وقف أو ردع الاستفزازات الروسية والصينية.

وحتى العلاقات التقليدية القوية مع حليف قديم لأميركا مثل فرنسا تعرضت لنكسة كبيرة في أعقاب صفقة الغواصات الأميركية المسيرة بالطاقة النووية لأستراليا، والتي جاءت على حساب إلغاء صفقة فرنسية-أسترالية، ودون إعلام باريس مسبقا بالقرار الأميركي. 

بدأ الرئيس بايدن سنته بإلقاء خطاب أعلن فيه أن "الولايات المتحدة قد عادت" إلى المسرح العالمي كقائدة للدول الديموقراطية، مشددا على أن الصراع الدولي في العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين هو بين الديموقراطيات والدول الأوتوقراطية والمتسلطة في العالم. وأنهى بايدن سنته الأولى بالإشراف على مؤتمر دولي افتراضي لأكثر من مئة دولة ومنظمة عالمية ديموقراطية لتعبئة هذه الدول وتعزيزها وتحصينها في المواجهة السياسية مع الكتلة المتسلطة والأوتوقراطية في العالم والتي تقودها الصين وروسيا. ولكن بايدن اعترف بأن سمعة الولايات المتحدة كدولة ديموقراطية كان يحتذى بها وكانت تعتبر نموذجا للحكم الديموقراطي الصالح، قد تلطخت وتعرضت لنكسة كبيرة خلال ولاية الرئيس السابق دونالد ترامب الذي أكد بممارساته ومواقفه مدى ازدرائه بالنظم الديمقراطية، ومدى تعاطفه مع القادة الأقوياء وغير الديموقراطيين، وكيف أضرت سياساته بالمؤسسات والقيم الديمقراطية الأميركية بما في ذلك تشجيع أنصاره على اقتحام صرح الديموقراطية الأميركية المتمثل بمبنى الكابيتول في السادس من شهر يناير الماضي.  

في الشرق الاوسط، بدأ الرئيس بايدن ولايته باتخاذ قرارات ومواقف متشددة من القادة الأوتوقراطيين الذين يحكمون دولا حليفة للولايات المتحدة مثل قادة تركيا ومصر والسعودية، وجمّد صفقات أسلحة للسعودية ودولة الإمارات، سرعان ما تخلى عنها، وعيّن مبعوثين لإيران واليمن والقرن الأفريقي وليبيا. وعلى الرغم من قدرات وخبرة المبعوثين الأميركيين، إلا أن هذه الجهود لم توقف النزاع الدموي في إثيوبيا، أو في اليمن، أو انزلاق ليبيا إلى الفوضى. كما أن واشنطن وجدت نفسها عاجزة عن التأثير بشكل ايجابي وجذري على السودان بعد الانقلاب العسكري، أو على تونس بعد الانقلاب التدريجي ضد الديموقراطية الذي يقوده الرئيس قيس سعيد وأنصاره. 

على الصعيد الداخلي أقر الكونغرس بالأغلبية الديموقراطية فقط خطة بايدن لتحفيز الاقتصاد الأميركي ومواصلة مكافحة جائحة كورونا، كما أقر مجلسي الكونغرس، هذه المرة بمشاركة أقلية من الجمهوريين خطة بايدن الطموحة لإعادة بناء البنية التحتية الأميركية والتي ستؤدي إلى خلق الكثير من الوظائف وإعادة بناء شبكات الطرق الرئيسية وإصلاح وبناء آلاف الجسور وتحديث شبكات مياه الشفة وغيرها. ولكن الخطة الرئيسية والطموحة التي سعى بايدن إلى إقرارها والقاضية باعتماد برامج اجتماعية وصحية جذرية تزيد قيمتها عن أكثر من ألفي مليار دولار، فقد تعثرت في الأسابيع الماضية، ووصلت يوم أمس الأحد إلى طريق مسدود ومفاجئ حين أعلن السناتور الديموقراطي جوزف مانشين الذي يمثل ولاية ويست فيرجينيا المحافظة عن معارضته للخطة. وإذا بقي السناتور مانشين على موقفه فهذا يعني القضاء على خطة بايدن (التي أقرها مجلس النواب) لان مجلس الشيوخ بأعضائه المئة منقسم بالتساوي بين الحزبين، وهي مساواة يكسرها صوت نائب الرئيس وفقا للدستور.

وفي الأسابيع والأشهر الماضية احتكر السناتور مانشين الاهتمام السياسي للبيت الابيض والاهتمام الإعلامي لأنه أمسك بيده مفتاح نجاح أو فشل خطة بايدن. 

المفارقة التي يواجهها الرئيس بايدن مع اقتراب سنته الأولى من نهايتها، هي أنه على الرغم من إقرار خطته لتحفيز الاقتصاد، وخطته لإعادة بناء البنية التحتية، فإن شعبيته (وفقا لمعدل استطلاعات الرأي الأخيرة) لا تزال 45 بالمئة، أي أنها أدنى شعبية يحظى بها رئيس أميركي في العقود الأخيرة في نهاية سنته الأولى في البيت الابيض باستثناء دونالد ترامب. وعلى الرغم من أن الأميركيين كما تبين استطلاعات الرأي لا يشككون بسمعة أو صدقية بايدن – بعكس مواقفهم من الرئيس السابق ترامب – إلا أنهم يلومون في استطلاعات الرأي ذاتها الرئيس بايدن لارتفاع معدلات التضخم (بسبب التأثير السلبي للجائحة على التجارة الدولية) ولأن البلاد لا تزال تعاني من المضاعفات السلبية للجائحة، ولأن الولايات المتحدة لم تعد إلى مكانتها الدولية المتميزة التي كانت تتمتع بها في السابق. 

وإذا أخفق بايدن في إقرار خطته الاجتماعية الطموحة بعد أن رفضها السناتور مانشين، وهذا ما يتوقعه المراقبون، فإن ذلك سيعزز من التوقعات السائدة في البلاد من أن الجمهوريين، (الذين غيروا أو عدّلوا من القوانين الانتخابية في الولايات التي يسيطرون على مجالسها التشريعية) سوف يعودوا للسيطرة على مجلس الشيوخ، وربما على مجلس النواب أيضا في الانتخابات النصفية في شهر نوفمبر المقبل، مع ما يعنيه ذلك من تعطيل كامل لسياسات وطموحات الرئيس بايدن والديمقراطيين. ويدرك الديمقراطيون، أن نجاح الحزب الجمهوري في السيطرة على مجلسي الكونغرس في 2022، سوف يعزز كثيرا من فرص عودتهم، ربما بقيادة دونالد ترامب مرة أخرى إلى البيت الابيض مع ما يعنيه ذلك من تحديات مصيرية وخطيرة للسلم الأهلي وللديمقراطية الأميركية. 

يريد "حزب الله" المرتبط ارتباطًا وثيقًا بالأجندة الإيرانية أن يُبقي لبنان "عمقًا استراتيجيًا للجمهورية الإسلامية في إيران"
يريد "حزب الله" المرتبط ارتباطًا وثيقًا بالأجندة الإيرانية أن يُبقي لبنان "عمقًا استراتيجيًا للجمهورية الإسلامية في إيران"

كأنّ هناك عقلًا واحدًا يتحكّم بصانعي الفوضى في العالم، اذ إنّ هؤلاء لا يجدون سوى وصفة واحدة لإحلال السلام: الاستسلام لهم!

ومن يدقق بالعبارات التي يستعملها صانعو الفوضى في العالم، يتفاجأ بأدبيّات موحّدة، فالقيادة الروسية بزعامة فلاديمير بوتين تحمّل الغرب مسؤوليّة دخول حربها على أوكرانيا عامها الثاني، لأنّ هذا الغرب يزوّد أوكرانيا بمقوّمات الصمود العسكري والإنساني، مما يحول دون استسلامها.

بالنسبة للقيادة الروسيّة: السلام مستحيل، والتصعيد ضرورة، والدمار واجب، والقتل حتمي، طالما أنها عاجزة عن تحقيق أهدافها المعلنة في أوكرانيا، فالطريق إلى السلام قصير جدًا، إذا سارت كييف بشروط موسكو.

هذه العقلية الروسيّة لا تعير أيّ اهتمام للقانون الدولي وللسيادة الوطنية وللمصالح الإقليمية وللسلم الدولي ولموازين القوى، فهي إمّا تنتصر وإمّا تفني العالم، من خلال رفع مستوى التهديد باللجوء إلى احتياطاتها الخطرة من الرؤوس النووية.

وثمّة دول مستفيدة من هذا الانحراف الروسي، فالصين التي تنافس الولايات المتحدة الأميركية على زعامة العالم، تجد في القيادة الروسيّة ضالتها، إذ إنّ هوسها بالانتصار المستحيل سوف يوهن موسكو ويلحقها ببكين، وسوف يضعف الاتحاد الأوروبي ويبعده عن دائرة التأثير في صناعة موازين القوى الاستراتيجية في المستقبل.

ولكنّ دون هذا الهوس الروسي من جهة أولى وهذا الهدف الصيني، من جهة ثانية، يقف وعي غربي جماعي، إذ اكتشفت دوله أنّ تعاضدها ووقوفها في صف واحد مع الولايات المتحدة الأميركية، وحده كفيل بتوفير مستقبل سيادي لها ولشعوبها.

قبل الغزو الروسي لأوكرانيا، كان الغرب شبه مفتّت ووحدته شبه متفسّخة، إذ كانت المصالح الاقتصاديّة تتقدّم على كل المخاوف الاستراتيجية.

بعد الغزو الروسي، وفي ظل القراءة العميقة للأداء الروسي، اختلفت الأحوال، إذ إنّ الوقاية من مخاطر المستقبل تمرّ بتوفير الشروط اللازمة للحيلولة دون استسلام أوكرانيا، بصفتها بوابة أوروبا،  أمام "الدب الروسي" الذي سوف يسلّم نفسه والآخرين لمشيئة "التنّين الصيني".

ومن روسيا ننتقل مباشرة إلى لبنان، حيث منطق "حزب الله" لا يختلف بشيء عن منطق "حزب الكرملين".

يريد "حزب الله" المرتبط ارتباطًا وثيقًا بالأجندة الإيرانية أن يُبقي لبنان "عمقًا استراتيجيًا للجمهورية الإسلامية في إيران"، وفق "تكليف" صادر عن المرشد الاعلى علي خامنئي، وذلك خلافًا لإرادة سائر القوى السياسية التي تريد أن يعود لبنان عنصرًا فاعلًا في محيطه العربي وفي بعده الدولي.

ولهذا يسعى "حزب الله" إلى أن يفرض رئيس الجمهورية الذي يناسب مخططه، وهو من أجل تحقيق ذلك يترك البلاد لقمة سائغة في فمّ الفراغ المنتتج للفوضى وللفقر وللجوع.

وكالعادة  لا  يتحمّل "حزب الله" تبعة ما يقدم عليه، بل يلقيه على عاتق من يتصدّى لمخططاته، وهو، من أجل إعطاء صدقية لمقولات "الهروب إلى الأمام"، يقحم الولايات المتحدة الأميركية ويهددها بفوضى تشمل كل المنطقة.

ولسان "حزب الله" يقول: هاتوا الرئيس الذي نريد  ويحقق لنا ما نرغب به فنعفيكم من الفوضى والكوارث!

وترفض غالبية اللبنانيين الرئيس الذي يصرّ عليه "حزب الله"، وتطرح عليه حلولًا وسطًا، لكنّ الحزب يرفض ذلك، على قاعدة: استسلموا تسلموا!

صحيح أنّ القوى التي ترفض الرضوخ لـ"حزب الله" ليست أوكرانيا والقوى الخارجية المؤيّدة لها لا تفتح أمامها مخازن السلاح وخزائن المال، ولكنّ الصحيح أيضًا أنّ من بيدهم القدرة على انتشال لبنان من جحيمه يقولون للبنانيّين: إذا استسلمتم لإرادة "حزب الله" لا تهرعوا علينا، فنحن لن نساعد دولة تضع إمكاناتها في مساعدة أعدائنا.

وكما تعرض روسيا الاستسلام لتوقف حربها في أوكرانيا كذلك يعرض "حزب الله" الاستسلام على سائر اللبنانّيين حتى لا يوقعهم أكثر في الفوضى والجوع.

المشكلة مع هذا المحور الذي يعاني منه السوريون واليمنيون والعراقيون والإيرانيون أنّه يعرض عليك الحياة لينتزع منك…الحياة!