الرئيس الأميركي جو بايدن
الرئيس الأميركي جو بايدن

لا يحتاج المتابعون والمحللون للسياسة الأميركية في الشرق الأوسط إلى بذل جهد كبير لملاحظة أن هذه السياسة في صيغتها البايدنية (نسبة إلى الرئيس جو بايدن) هي الأكثر ضبابية والافتقاد إلى خطوط واضحة المعالم.

وسواء تعلق الأمر بالحروب والأزمات أو بالجهود الدبلوماسية فإن السياسة الأميركية لا يبدو أنها تستثمر ما يكفي من رأسمالها أو طاقتها في تحقيق أية اختراقات، كما لو أنها تكتفي بالعمل ضمن الحد الأدنى والذي يعزز الشعور بالحضور الأميركي، ولكن من دون طموحات كبيرة. ويمكن ملاحظة ذلك بوضوح في مسألة حرب اليمن وكذلك في الحرب السورية، بالإضافة إلى ملفي السودان وتونس.

والواقع أن ذلك لا يعود إلى نقص في القدرات أو الإمكانيات أو الخبرة في التعامل مع قضايا المنطقة. فالرئيس الحالي جو بايدن، هو الأكثر اطلاعا على هذه القضايا من أي رئيس عرفته الولايات المتحدة منذ عقود طويلة. ولكن السبب يعود إلى أمرين بالغي الدلالة. 

الأول مرتبط بطبيعة السياسة الأميركية في الشرق الأوسط. هذه السياسة تغيرت بصورة كبيرة خلال السنوات الماضية وعلى النحو الذي لا يبدو أن الكثيرين في المنطقة قد استوعبوه أو يرغبون في تصديقه. 

فلم تعد الولايات المتحدة تنظر إلى الشرق الأوسط كما كان الأمر في العقود التي أعقبت الحرب العالمية الثانية، حين كانت حماية آبار النفط ووسائل نقله من موانئ وطرق بحرية، وحماية إسرائيل هما الركيزتان الأساسيتان للوجود الأميركي في المنطقة. وكان ذلك يستلزم نسج التحالفات وإقامة الشركات الإقليمية والدفاع عن الأنظمة المرتبطة بالتحالف الغربي. 

اليوم لم يعد النفط سلعة ذات أهمية استراتيجية بالنسبة للولايات المتحدة. ليس فقط بسبب الاكتفاء الأميركي من النفط، وإنما أيضا لاتجاه العالم المتزايد نحو الطاقة النظيفة.

كما أن التهديد من قبل الأنظمة الراديكالية قد تلاشى، فيما جرى تحجيم التنظيمات الإرهابية وإبقاء خطرها عند الحد الأدنى.

أما بالنسبة لإسرائيل فهي لم تعد تواجه خطرا وجوديا، والحروب مع الدول المجاورة أصبحت شأنا من الماضي، ووفق جميع المعايير العسكرية والاقتصادية والسياسية، فإن إسرائيل هي اليوم أقوى من أي وقت مضى، وقد تعزز ذلك بإقبال المزيد من الدول العربية على إقامة علاقات دبلوماسية معها. 

يبقى الخطر الإيراني، ولا سيما نجاح طهران في صنع سلاح نووي، هاجسا قائما بالنسبة لإسرائيل والولايات المتحدة على حد سواء. لكن إدارة بايدن، وعلى غرار الإدارات الأميركية السابقة أوضحت بحزم أنها لن تسمح للنظام الإيراني بامتلاك قنبلة نووية. وهذا يعني أنها سوف تلجأ إلى جميع الوسائل للحيلولة دون ذلك. 

والحقيقة أن تبدل الاستراتيجية الأميركية في الشرق الأوسط لم يأت نتيجة حسابات عسكرية واقتصادية فقط، لكنه كان أيضا مدعوما بنتائج حربين مكلفتين، هما الحرب في العراق وأفغانستان. هاتان الحربان أوضحتا من جهة حدود وفعالية التدخل العسكري الأميركي، ومن جهة أخرى النتائج التي يمكن تحقيقها من هذا التدخل في ظل سيطرة العصبيات القبلية والدينية والطائفية على مجتمعات المنطقة.    

ربما لو جاءت نتائج حربي أفغانستان والعراق مختلفة، لشجع ذلك على بروز تيار ضمن المؤسسات الأميركية المعنية يدعم التدخل الخارجي ومساعدة بلدان المنطقة على التحول الديمقراطي. لكن للأسف جاءت النتائج كما هو معروف مخيبة للآمال، ومن الواضح أن المنطقة هي أبعد ما تكون عن هذا التحول وإنها غارقة في النزاعات الطائفية والحروب الأهلية.      

أما المسألة الأخرى، فهي مرتبطة بالوضع الداخلي الأميركي. فلأول مرة يؤدي الانقسام السياسي الحاد بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي إلى حالة من الاحتقان والشلل للمؤسسات الأميركية.  

وخلال الأيام الماضية صدرت تحذيرات من خبراء وعسكريين سابقين تحذر من أن الديمقراطية الأميركية في خطر، وأن أجنحة في الحزب الجمهوري، وخاصة الموالين للرئيس السابق دونالد ترامب، ربما يلجأون إلى استخدام العنف للوصول إلى السلطة، في حين لم يستبعد بعض المحللين اندلاع حرب أهلية.

قد تكون بعض هذه التحذيرات مبالغ فيها، وقد تكون حقيقية، لكن من المؤكد أن رفض ترامب وأنصاره الاعتراف بنتيجة الانتخابات الرئاسية والهجوم على مبنى الكونغرس قد وجها لطمة قوية إلى الديمقراطية الأميركية.  

والمؤكد أيضا أن ذلك قد أضعف المؤسسات الأميركية، ولا سيما مؤسسة الرئاسة، وأدخل البلاد في حالة من الخوف والترقب.  

وسوف يزداد الأمر حراجة مع انتخابات التجديد النصفي العام المقبل، ثم الانتخابات الرئاسية بعد ذلك بعامين. وهذا يعني أن السياسة الخارجية الأميركية في الشرق الأوسط لن يطرأ عليها أي جديد، باستثناء القضايا الحيوية، مثل المفاوضات النووية مع إيران، التي ربما تجد اهتماما جديا من قبل إدارة بايدن.

لكن في الإجمال فإنه لا يبدو أن هذه الإدارة قادرة أو راغبة في الاستثمار في أي شأن يخص المنطقة، ولا سيما النزاعات والحروب الدائرة، في الوقت الذي تواجه فيه مصاعب في الداخل وفي الوقت نفسه تحتاج إلى توفير ما لديها من طاقة وجهد لمواجهة ملفات أكبر مثل التحدي الصيني والتنمر الروسي.   

يريد "حزب الله" المرتبط ارتباطًا وثيقًا بالأجندة الإيرانية أن يُبقي لبنان "عمقًا استراتيجيًا للجمهورية الإسلامية في إيران"
يريد "حزب الله" المرتبط ارتباطًا وثيقًا بالأجندة الإيرانية أن يُبقي لبنان "عمقًا استراتيجيًا للجمهورية الإسلامية في إيران"

كأنّ هناك عقلًا واحدًا يتحكّم بصانعي الفوضى في العالم، اذ إنّ هؤلاء لا يجدون سوى وصفة واحدة لإحلال السلام: الاستسلام لهم!

ومن يدقق بالعبارات التي يستعملها صانعو الفوضى في العالم، يتفاجأ بأدبيّات موحّدة، فالقيادة الروسية بزعامة فلاديمير بوتين تحمّل الغرب مسؤوليّة دخول حربها على أوكرانيا عامها الثاني، لأنّ هذا الغرب يزوّد أوكرانيا بمقوّمات الصمود العسكري والإنساني، مما يحول دون استسلامها.

بالنسبة للقيادة الروسيّة: السلام مستحيل، والتصعيد ضرورة، والدمار واجب، والقتل حتمي، طالما أنها عاجزة عن تحقيق أهدافها المعلنة في أوكرانيا، فالطريق إلى السلام قصير جدًا، إذا سارت كييف بشروط موسكو.

هذه العقلية الروسيّة لا تعير أيّ اهتمام للقانون الدولي وللسيادة الوطنية وللمصالح الإقليمية وللسلم الدولي ولموازين القوى، فهي إمّا تنتصر وإمّا تفني العالم، من خلال رفع مستوى التهديد باللجوء إلى احتياطاتها الخطرة من الرؤوس النووية.

وثمّة دول مستفيدة من هذا الانحراف الروسي، فالصين التي تنافس الولايات المتحدة الأميركية على زعامة العالم، تجد في القيادة الروسيّة ضالتها، إذ إنّ هوسها بالانتصار المستحيل سوف يوهن موسكو ويلحقها ببكين، وسوف يضعف الاتحاد الأوروبي ويبعده عن دائرة التأثير في صناعة موازين القوى الاستراتيجية في المستقبل.

ولكنّ دون هذا الهوس الروسي من جهة أولى وهذا الهدف الصيني، من جهة ثانية، يقف وعي غربي جماعي، إذ اكتشفت دوله أنّ تعاضدها ووقوفها في صف واحد مع الولايات المتحدة الأميركية، وحده كفيل بتوفير مستقبل سيادي لها ولشعوبها.

قبل الغزو الروسي لأوكرانيا، كان الغرب شبه مفتّت ووحدته شبه متفسّخة، إذ كانت المصالح الاقتصاديّة تتقدّم على كل المخاوف الاستراتيجية.

بعد الغزو الروسي، وفي ظل القراءة العميقة للأداء الروسي، اختلفت الأحوال، إذ إنّ الوقاية من مخاطر المستقبل تمرّ بتوفير الشروط اللازمة للحيلولة دون استسلام أوكرانيا، بصفتها بوابة أوروبا،  أمام "الدب الروسي" الذي سوف يسلّم نفسه والآخرين لمشيئة "التنّين الصيني".

ومن روسيا ننتقل مباشرة إلى لبنان، حيث منطق "حزب الله" لا يختلف بشيء عن منطق "حزب الكرملين".

يريد "حزب الله" المرتبط ارتباطًا وثيقًا بالأجندة الإيرانية أن يُبقي لبنان "عمقًا استراتيجيًا للجمهورية الإسلامية في إيران"، وفق "تكليف" صادر عن المرشد الاعلى علي خامنئي، وذلك خلافًا لإرادة سائر القوى السياسية التي تريد أن يعود لبنان عنصرًا فاعلًا في محيطه العربي وفي بعده الدولي.

ولهذا يسعى "حزب الله" إلى أن يفرض رئيس الجمهورية الذي يناسب مخططه، وهو من أجل تحقيق ذلك يترك البلاد لقمة سائغة في فمّ الفراغ المنتتج للفوضى وللفقر وللجوع.

وكالعادة  لا  يتحمّل "حزب الله" تبعة ما يقدم عليه، بل يلقيه على عاتق من يتصدّى لمخططاته، وهو، من أجل إعطاء صدقية لمقولات "الهروب إلى الأمام"، يقحم الولايات المتحدة الأميركية ويهددها بفوضى تشمل كل المنطقة.

ولسان "حزب الله" يقول: هاتوا الرئيس الذي نريد  ويحقق لنا ما نرغب به فنعفيكم من الفوضى والكوارث!

وترفض غالبية اللبنانيين الرئيس الذي يصرّ عليه "حزب الله"، وتطرح عليه حلولًا وسطًا، لكنّ الحزب يرفض ذلك، على قاعدة: استسلموا تسلموا!

صحيح أنّ القوى التي ترفض الرضوخ لـ"حزب الله" ليست أوكرانيا والقوى الخارجية المؤيّدة لها لا تفتح أمامها مخازن السلاح وخزائن المال، ولكنّ الصحيح أيضًا أنّ من بيدهم القدرة على انتشال لبنان من جحيمه يقولون للبنانيّين: إذا استسلمتم لإرادة "حزب الله" لا تهرعوا علينا، فنحن لن نساعد دولة تضع إمكاناتها في مساعدة أعدائنا.

وكما تعرض روسيا الاستسلام لتوقف حربها في أوكرانيا كذلك يعرض "حزب الله" الاستسلام على سائر اللبنانّيين حتى لا يوقعهم أكثر في الفوضى والجوع.

المشكلة مع هذا المحور الذي يعاني منه السوريون واليمنيون والعراقيون والإيرانيون أنّه يعرض عليك الحياة لينتزع منك…الحياة!