لبنان - فقر - اقتصاد - مظاهرات
"بيروت ليست محاصرة، لا بل أن نكبتها تتغذى من هذه الحقيقة. النكبة اللبنانية داخلية! "

قال لي صديقي الفلسطيني القادم إلى بيروت من غزة إن الوضع الفلسطيني مقفل أيضاً، وأن لا مفاوضات ستستأنف ولا انتخابات، وأن حصار القطاع مستمر على رغم انفراجات طفيفة بفعل الانفتاح المصري.

ونحن، إذ رحنا نستعرض الاستعصاءين اللبناني والفلسطيني، شعرنا أن ثمة جديداً بما نقوله، وأنه ليس تكراراً رتيباً لأحوالنا!

فأن يضيء صديق قادم من غزة زاوية في خيالك عن معنى انقطاع الكهرباء في بيروت، هو القادم من مدينة منكوبة بالحصار، لكنها تتغذى بالكهرباء، فهذا يستدرج صوراً جديدة لما نحن فيه، وأن تلتقط على وجهه علامات الدهشة والذهول حين يستمع لحكاياتنا عن فساد الطبقة السياسية، فحينها تتيقن أكثر أن ما نحن فيه لن يدوم طالما أن لديه هذه القدرة على الإدهاش. 

بيروت ليست محاصرة، لا بل أن نكبتها تتغذى من هذه الحقيقة. النكبة اللبنانية داخلية! غزة محاصرة ومدمرة، والسلطة فيها لحكومة انقسام غير معترف فيها. في غزة كهرباء وماء ودواء، ونسب عالية من البطالة والفقر. في بيروت لا كهرباء ولا ماء ولا دواء، إلا لمن لديه دخل بغير العملة الوطنية.  

كم يبدو لبنان غريباً لقادم من غزة! اختبار مختلف لمعنى الانهيار، ذاك أن المصائب هنا تأتينا من مكان مختلف تماماً عن بيت المصائب الذي دأب أهل غزة انتظار المصائب منه.

فنحن في بيروت على شفير المجاعة، لكن بإمكاننا أن نغادر وأن نشتم الطبقة السياسية، وأن نصرخ في الشوارع. أهل غزة ممنوعون من مغادرتها، وممنوعون من الصراخ في وجه حماس، وهم يقيمون بين احتلال بشع وجار غير مريح.

وعلى رغم ذلك يمكن أن تولد زيارة بيروت ارتياحاً لدى غزاوي جاء إليها واختبر صعوبة العيش بلا كهرباء، واضطر حين اكتشف أنه نسي إحضار دواء السكري، أن يستعيض عنه بدواء رديف، ذاك أن دواءه غير متوفر في بيروت، مثلما لم تعد متوفرة مئات الأدوية!

وهذا الصديق إذ غبَطَنا على قدرتنا على شتم رئيسنا وعلى الصراخ بوجه الحزب الحاكم، كان علي أن أعيد تنبيهه إلى أن لا وظيفة لهذا الصراخ ولا جدوى سياسية منه. الفاسدون يواصلون عملهم ونحن نواصل شتمهم.  

إلا أن الصديق القادم من غزة نبهني إلى وظيفة أخرى لهذا الصراخ، وهي دوره في توازننا النفسي. شعرت أن في كلامه بعض الحقيقة، رغم المغامرة التي ينطوي عليها التسليم بأن ثمة توازناً نفسياً قائماً في ظل ما نعيشه.

لكن هذا الرجل القادم من غزة يمكنه، من اختناقه الخاص، أن يرصد مواقع قوة في اختناقنا غير متاحة له هناك في مدينته.

لكل نكبة خصائصها وشروطها وأوضاعها، وأنا شعرت أنه من المفيد أن نتبادل الخبرات، وأن هذا الفعل يغذي خيالاتنا ويخصب غضبنا ويدفعنا إلى استكشاف مناطق جديدة في مصائبنا، على نحو ما تفعل الثقافات حين تحتك ببعضها بعضاً.

هذه المعادلة تصلح للسخرية من أنفسنا لكنها فعلاً تصلح لتأمل مختلف في أوضاعنا. فأن تختبر حقيقة أن دواء السكري المتوفر في غزة غير متوفر في بيروت، وفي المقابل أن حرية في بيروت غير متاحة في القطاع، فهذا يحمل دلالات قد تساعدنا على رأب صدوع ما، وعلى التعامل مع كوابيسنا على نحو مختلف. 

تلاقح النكبات يمدنا بطاقة مواظبة على الرفض. فهذا الغزاوي انتبه أن بيروت المفتوحة على العالم لم تعد نفسها. العالم منكفئ عنها. ولا أحد راغب في مساعدتها. وأنا من جهتي، رحت استمع للفارق بين غزة التي زرتها منذ أكثر من عشر سنوات وبين غزة اليوم.

كثيرون قدموا في غيابي. المصريون قرروا أن يكونوا حاضرين، والقطريون أيضاً، وإسرائيل المتأهبة دائماً للقصف والقتل، سمحت لثمانية آلاف غزاوي بالعمل داخل الخط الأخضر! هذه الوقائع حين تحضر أمام لبناني "غير محاصر"، تملك قدرة توازي القدرة التي يستمدها الغزاوي حين تحضر أمامه الحرية في بيروت، وهو إذ يغبطنا على قدرتنا على السفر، يختبر بدوره حقيقة أن الحياة ليست كهرباء وماء ودواء فقط، إنما أيضاً الحياة حرية وقدرة على القول وعلى الحب وعلى المغادرة. 

لكننا، كلانا، عدنا إلى صوابنا عندما رحنا نقول إن الحرية في بيروت ليست حرية، وأن الكهرباء في غزة هي بيد المحتل، يقطعها ساعة يريد، وأن الجوع زاحف إلى بلدينا، وما علينا، في نهاية عام الكوابيس هذا، إلا أن نشرب نخب بلدينا على رغم كل شيء.

وفي نهاية اللقاء توافقنا على أن يعود هو إلى غزة وأن أبقى أنا في بيروت، وأن يستأنف كلانا محاولاته اليائسة. 

يريد "حزب الله" المرتبط ارتباطًا وثيقًا بالأجندة الإيرانية أن يُبقي لبنان "عمقًا استراتيجيًا للجمهورية الإسلامية في إيران"
يريد "حزب الله" المرتبط ارتباطًا وثيقًا بالأجندة الإيرانية أن يُبقي لبنان "عمقًا استراتيجيًا للجمهورية الإسلامية في إيران"

كأنّ هناك عقلًا واحدًا يتحكّم بصانعي الفوضى في العالم، اذ إنّ هؤلاء لا يجدون سوى وصفة واحدة لإحلال السلام: الاستسلام لهم!

ومن يدقق بالعبارات التي يستعملها صانعو الفوضى في العالم، يتفاجأ بأدبيّات موحّدة، فالقيادة الروسية بزعامة فلاديمير بوتين تحمّل الغرب مسؤوليّة دخول حربها على أوكرانيا عامها الثاني، لأنّ هذا الغرب يزوّد أوكرانيا بمقوّمات الصمود العسكري والإنساني، مما يحول دون استسلامها.

بالنسبة للقيادة الروسيّة: السلام مستحيل، والتصعيد ضرورة، والدمار واجب، والقتل حتمي، طالما أنها عاجزة عن تحقيق أهدافها المعلنة في أوكرانيا، فالطريق إلى السلام قصير جدًا، إذا سارت كييف بشروط موسكو.

هذه العقلية الروسيّة لا تعير أيّ اهتمام للقانون الدولي وللسيادة الوطنية وللمصالح الإقليمية وللسلم الدولي ولموازين القوى، فهي إمّا تنتصر وإمّا تفني العالم، من خلال رفع مستوى التهديد باللجوء إلى احتياطاتها الخطرة من الرؤوس النووية.

وثمّة دول مستفيدة من هذا الانحراف الروسي، فالصين التي تنافس الولايات المتحدة الأميركية على زعامة العالم، تجد في القيادة الروسيّة ضالتها، إذ إنّ هوسها بالانتصار المستحيل سوف يوهن موسكو ويلحقها ببكين، وسوف يضعف الاتحاد الأوروبي ويبعده عن دائرة التأثير في صناعة موازين القوى الاستراتيجية في المستقبل.

ولكنّ دون هذا الهوس الروسي من جهة أولى وهذا الهدف الصيني، من جهة ثانية، يقف وعي غربي جماعي، إذ اكتشفت دوله أنّ تعاضدها ووقوفها في صف واحد مع الولايات المتحدة الأميركية، وحده كفيل بتوفير مستقبل سيادي لها ولشعوبها.

قبل الغزو الروسي لأوكرانيا، كان الغرب شبه مفتّت ووحدته شبه متفسّخة، إذ كانت المصالح الاقتصاديّة تتقدّم على كل المخاوف الاستراتيجية.

بعد الغزو الروسي، وفي ظل القراءة العميقة للأداء الروسي، اختلفت الأحوال، إذ إنّ الوقاية من مخاطر المستقبل تمرّ بتوفير الشروط اللازمة للحيلولة دون استسلام أوكرانيا، بصفتها بوابة أوروبا،  أمام "الدب الروسي" الذي سوف يسلّم نفسه والآخرين لمشيئة "التنّين الصيني".

ومن روسيا ننتقل مباشرة إلى لبنان، حيث منطق "حزب الله" لا يختلف بشيء عن منطق "حزب الكرملين".

يريد "حزب الله" المرتبط ارتباطًا وثيقًا بالأجندة الإيرانية أن يُبقي لبنان "عمقًا استراتيجيًا للجمهورية الإسلامية في إيران"، وفق "تكليف" صادر عن المرشد الاعلى علي خامنئي، وذلك خلافًا لإرادة سائر القوى السياسية التي تريد أن يعود لبنان عنصرًا فاعلًا في محيطه العربي وفي بعده الدولي.

ولهذا يسعى "حزب الله" إلى أن يفرض رئيس الجمهورية الذي يناسب مخططه، وهو من أجل تحقيق ذلك يترك البلاد لقمة سائغة في فمّ الفراغ المنتتج للفوضى وللفقر وللجوع.

وكالعادة  لا  يتحمّل "حزب الله" تبعة ما يقدم عليه، بل يلقيه على عاتق من يتصدّى لمخططاته، وهو، من أجل إعطاء صدقية لمقولات "الهروب إلى الأمام"، يقحم الولايات المتحدة الأميركية ويهددها بفوضى تشمل كل المنطقة.

ولسان "حزب الله" يقول: هاتوا الرئيس الذي نريد  ويحقق لنا ما نرغب به فنعفيكم من الفوضى والكوارث!

وترفض غالبية اللبنانيين الرئيس الذي يصرّ عليه "حزب الله"، وتطرح عليه حلولًا وسطًا، لكنّ الحزب يرفض ذلك، على قاعدة: استسلموا تسلموا!

صحيح أنّ القوى التي ترفض الرضوخ لـ"حزب الله" ليست أوكرانيا والقوى الخارجية المؤيّدة لها لا تفتح أمامها مخازن السلاح وخزائن المال، ولكنّ الصحيح أيضًا أنّ من بيدهم القدرة على انتشال لبنان من جحيمه يقولون للبنانيّين: إذا استسلمتم لإرادة "حزب الله" لا تهرعوا علينا، فنحن لن نساعد دولة تضع إمكاناتها في مساعدة أعدائنا.

وكما تعرض روسيا الاستسلام لتوقف حربها في أوكرانيا كذلك يعرض "حزب الله" الاستسلام على سائر اللبنانّيين حتى لا يوقعهم أكثر في الفوضى والجوع.

المشكلة مع هذا المحور الذي يعاني منه السوريون واليمنيون والعراقيون والإيرانيون أنّه يعرض عليك الحياة لينتزع منك…الحياة!