معتصم أحمد طفل صغير... يفترض أنه أصغر من الإلحاد وأصغر من تهديد معتقدات زملائه
معتصم أحمد طفل صغير... يفترض أنه أصغر من الإلحاد وأصغر من تهديد معتقدات زملائه

تعود تفاصيل الحكاية إلى منتصف شهر ديسمبر من هذه السنة (2021). في السودان، توصلت أسرة الطفل معتصم أحمد علي، برسالة تخبرهم بفصل الطفل من المدرسة التي كان يدرس بها بسبب "سلوكه المنافي للدين والعقيدة". 

المشكل، أو لنقل الكارثة... أن الطفل المعني، عمره... خمس سنوات!  

كان الطفل يسأل في المدرسة أسئلة من قبيل: لماذا يوسوس لنا الشيطان؟ أين الله؟ كيف خلقنا؟... وغيرها من الأسئلة الوجودية التي يطرحها الكثير من الفلاسفة... والتي يطرحها معظم الأطفال!  

الطبيعي بالنسبة لطفل في الخامسة أن يطرح مثل هذه الأسئلة. والطبيعي في مؤسسة تعليمية أن تحاول تقديم أجوبة مقنعة تشبع فضوله المعرفي... لن نطلب منها أن توفر له أجوبة عقلانية مدنية علمانية؛ بل على الأقل أسئلة من صميم الثقافة الدينية، تقدم له بضع أجوبة في حدود مستوى فهمه في هذه السن المبكرة. لكن، أن تطرده بتهمة الإلحاد، فهذا أمر غير مقبول وغير مفهوم. هل يلحد طفل في الخامسة؟  

لكي ندرك بشكل جيد خطورة ورعونة وتطرف قرار هذه المدرسة السودانية، لنتساءل ما الذي قد يحدث وما الذي سيشعر به معظمنا لو تم طرد طفل في الخامسة من مدرسة أميركية أو ألمانية أو يابانية لأنه مسلم ولأنه قد يهدد سلوك وتدين باقي الأطفال بسبب أفكاره وسلوكاته المسلمة. كيف ستكون حينها ردة فعل الأغلبية المسلمة في السودان وخارجها؟ 

الطبيعي في سنوات الطفولة الأولى أن يطرح الأطفال أسئلة كثيرة عن الله وعن الوالدين وعن الخلق وعن الطبيعة وعن التوالد وعن الدين... لكن غير الطبيعي أن نتعامل مع طفل بهذا الإرهاب الفكري؛ والأخطر أن نتهمه بمس العقيدة وبالإلحاد وبتهديد إسلام زملائه الأطفال. أي تدين وأي إلحاد لدى طفل في الخامسة؟ 

ثم، على فرض أن مرافعات حقوقية أو قرارا قضائيا فرض على المدرسة أن يعود الطفل لدراسته، كيف سيكون موقف باقي الأطفال منه وهو "متهم بالإلحاد"؟ كيف سيتعامل معه باقي الأطفال؟ كيف سيعيش هذا الطفل في محيطه الصغير ومع جيرانه؟  

علينا ربما أن نعي أنه من المرفوض (ومن الإجرام الإنساني ربما) إدخال الأطفال في نقاشات هم أصغر منها. انطلاقا من الوالدين الفخورين بابنهما الصغير وهو يقدم "مناظرة" عن الوطن وعن الفساد السياسي في سن يفترض أنه لا يستوعب فيها كل هذا الكم من الشحن السياسي؛ للوالدين الذين يفرضان الحجاب على طفلة صغيرة أو يدفعانها "لاختياره" وهي في سن لا يفترض فيه أن نرى فيها الجسد الذي يجب "ستره" ولا ربطها بالرغبة الجنسية المحتملة لجسدها؛ للوالدين أو المدرسة التي تعاقب طفلا على سؤال ينم عن فضول معرفي بسيط وطبيعي جدا في سنه؛ لغيرها من السلوكيات التي تقتل الطفولة في الطفل. 

معتصم أحمد طفل صغير... يفترض أنه أصغر من الإلحاد وأصغر من تهديد معتقدات زملائه. لكن الواضح أن عقلياتنا هي الأصغر. صغيرة جدا وتافهة جدا وجبانة جدا، لدرجة أن أسئلة طفل... ترعبها! 

ملحوظة على الهامش: رسالة المدرسة موجهة للسيد إبراهيم خليفة، الذي ليس والد الطفل بل "ممثل ولي أمر التلميذ" كما هو واضح في الرسالة وأيضا من اختلاف الأسماء. لا نعرف صلة القرابة بين الاثنين. لكن الأكيد أن أم الطفل، والتي يبدو من المراسلة أنها في تواصل مع المدرسة (حيث جاء في نص الرسالة: "...وبعد إصرار والدته على صحة ودعم سلوكه المنافي العقيدة والدين")، لا تعتبر ولية أمر الطفل. طبعا، فهي... مجرد امرأة!  

يريد "حزب الله" المرتبط ارتباطًا وثيقًا بالأجندة الإيرانية أن يُبقي لبنان "عمقًا استراتيجيًا للجمهورية الإسلامية في إيران"
يريد "حزب الله" المرتبط ارتباطًا وثيقًا بالأجندة الإيرانية أن يُبقي لبنان "عمقًا استراتيجيًا للجمهورية الإسلامية في إيران"

كأنّ هناك عقلًا واحدًا يتحكّم بصانعي الفوضى في العالم، اذ إنّ هؤلاء لا يجدون سوى وصفة واحدة لإحلال السلام: الاستسلام لهم!

ومن يدقق بالعبارات التي يستعملها صانعو الفوضى في العالم، يتفاجأ بأدبيّات موحّدة، فالقيادة الروسية بزعامة فلاديمير بوتين تحمّل الغرب مسؤوليّة دخول حربها على أوكرانيا عامها الثاني، لأنّ هذا الغرب يزوّد أوكرانيا بمقوّمات الصمود العسكري والإنساني، مما يحول دون استسلامها.

بالنسبة للقيادة الروسيّة: السلام مستحيل، والتصعيد ضرورة، والدمار واجب، والقتل حتمي، طالما أنها عاجزة عن تحقيق أهدافها المعلنة في أوكرانيا، فالطريق إلى السلام قصير جدًا، إذا سارت كييف بشروط موسكو.

هذه العقلية الروسيّة لا تعير أيّ اهتمام للقانون الدولي وللسيادة الوطنية وللمصالح الإقليمية وللسلم الدولي ولموازين القوى، فهي إمّا تنتصر وإمّا تفني العالم، من خلال رفع مستوى التهديد باللجوء إلى احتياطاتها الخطرة من الرؤوس النووية.

وثمّة دول مستفيدة من هذا الانحراف الروسي، فالصين التي تنافس الولايات المتحدة الأميركية على زعامة العالم، تجد في القيادة الروسيّة ضالتها، إذ إنّ هوسها بالانتصار المستحيل سوف يوهن موسكو ويلحقها ببكين، وسوف يضعف الاتحاد الأوروبي ويبعده عن دائرة التأثير في صناعة موازين القوى الاستراتيجية في المستقبل.

ولكنّ دون هذا الهوس الروسي من جهة أولى وهذا الهدف الصيني، من جهة ثانية، يقف وعي غربي جماعي، إذ اكتشفت دوله أنّ تعاضدها ووقوفها في صف واحد مع الولايات المتحدة الأميركية، وحده كفيل بتوفير مستقبل سيادي لها ولشعوبها.

قبل الغزو الروسي لأوكرانيا، كان الغرب شبه مفتّت ووحدته شبه متفسّخة، إذ كانت المصالح الاقتصاديّة تتقدّم على كل المخاوف الاستراتيجية.

بعد الغزو الروسي، وفي ظل القراءة العميقة للأداء الروسي، اختلفت الأحوال، إذ إنّ الوقاية من مخاطر المستقبل تمرّ بتوفير الشروط اللازمة للحيلولة دون استسلام أوكرانيا، بصفتها بوابة أوروبا،  أمام "الدب الروسي" الذي سوف يسلّم نفسه والآخرين لمشيئة "التنّين الصيني".

ومن روسيا ننتقل مباشرة إلى لبنان، حيث منطق "حزب الله" لا يختلف بشيء عن منطق "حزب الكرملين".

يريد "حزب الله" المرتبط ارتباطًا وثيقًا بالأجندة الإيرانية أن يُبقي لبنان "عمقًا استراتيجيًا للجمهورية الإسلامية في إيران"، وفق "تكليف" صادر عن المرشد الاعلى علي خامنئي، وذلك خلافًا لإرادة سائر القوى السياسية التي تريد أن يعود لبنان عنصرًا فاعلًا في محيطه العربي وفي بعده الدولي.

ولهذا يسعى "حزب الله" إلى أن يفرض رئيس الجمهورية الذي يناسب مخططه، وهو من أجل تحقيق ذلك يترك البلاد لقمة سائغة في فمّ الفراغ المنتتج للفوضى وللفقر وللجوع.

وكالعادة  لا  يتحمّل "حزب الله" تبعة ما يقدم عليه، بل يلقيه على عاتق من يتصدّى لمخططاته، وهو، من أجل إعطاء صدقية لمقولات "الهروب إلى الأمام"، يقحم الولايات المتحدة الأميركية ويهددها بفوضى تشمل كل المنطقة.

ولسان "حزب الله" يقول: هاتوا الرئيس الذي نريد  ويحقق لنا ما نرغب به فنعفيكم من الفوضى والكوارث!

وترفض غالبية اللبنانيين الرئيس الذي يصرّ عليه "حزب الله"، وتطرح عليه حلولًا وسطًا، لكنّ الحزب يرفض ذلك، على قاعدة: استسلموا تسلموا!

صحيح أنّ القوى التي ترفض الرضوخ لـ"حزب الله" ليست أوكرانيا والقوى الخارجية المؤيّدة لها لا تفتح أمامها مخازن السلاح وخزائن المال، ولكنّ الصحيح أيضًا أنّ من بيدهم القدرة على انتشال لبنان من جحيمه يقولون للبنانيّين: إذا استسلمتم لإرادة "حزب الله" لا تهرعوا علينا، فنحن لن نساعد دولة تضع إمكاناتها في مساعدة أعدائنا.

وكما تعرض روسيا الاستسلام لتوقف حربها في أوكرانيا كذلك يعرض "حزب الله" الاستسلام على سائر اللبنانّيين حتى لا يوقعهم أكثر في الفوضى والجوع.

المشكلة مع هذا المحور الذي يعاني منه السوريون واليمنيون والعراقيون والإيرانيون أنّه يعرض عليك الحياة لينتزع منك…الحياة!